الحوار المتمدن - موبايل



حكاية النيوليبرالية

علاء سند بريك هنيدي

2018 / 12 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


رأينا في الآونة الأخيرة العديد من الإشارات إلى الأمراض التي جلبتها(1) النيوليبرالية والعولمة للمجتمع الغربي، فمستويات عدم المساواة وتركُّز الثروة كما هو معروف خلال العقود السابقة استمرت بالزيادة في الاقتصاديات الرأسمالية، مؤديةً لقبض "الدخلاء" على مقاليد السلطة كترَمب في الولايات المتحدة وماكرون في فرنسا، وصعود اليمين في أمريكا اللاتينية والبريكست.
إن النيوليبرالية، وهي أحد العناصر الرئيسية التي يقع عليها اللوم، معروفة بشكل أفضل بالسياسات التي حددت الاقتصاد العالمي منذ السبعينيات. قام الأنصار المخلصون كرونالد ريغان ومارغريت تاتشر، في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على التوالي، بتصدير عدد من سياساتهم النيوليبرالية إلى البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط من خلال إجماع واشنطن (Washington Consensus) بحجة أنها ستحقق التنمية.
لم تسر السياسات النيوليبرالية بالطريقة التي كان يتصورها منشئوها، فقد أرادوا إعادة صياغة الأفكار الليبرالية للقرن التاسع عشر في فلسفة اجتماعية أكثر عمقاً وتماسكاً –شيء لم يتم إنجازه في الواقع. سنراجع في هذه المقالة بعض مصادر/أصول النيوليبرالية.
ورد مصطلح "النيوليبرالية" لأول مرة حسب (Horn and Mirowski, 2009) (2) في العام 1938 في ندوة والتر ليبمان "WLippmann" في باريس، والتي عُقِدَت لنقاش الأفكار المطروحة في كتابه الأخير المجتمع الجيد "The Good Society" والذي اقترح فيه مخططاً لتدخل الدولة في الاقتصاد، موضحاً الحدود بين سياسة عدم التدخل –كإشارة على الليبرالية القديمة- وسياسة تدخل الدولة.
وضع ليبمان أسس تجديد الفلسفة الليبرالية، وكانت الندوة من أولى الفرص لنقاش أفكار الليبرالية الكلاسيكية ورسم ملامح ما سوف وما ينبغي للحركة الليبرالية الجديدة أن تختلف فيه عن الليبرالية القديمة. لقد كان ذلك حدثاً فارقاً، في السنوات التالية، أثيرت عدة محاولات لتأسيس معاهد لإعادة تشكيل الليبرالية، مثل هذه المعاهد معهد دراسات السوق الحر في جامعة شيكاغو، و جمعية مونت بِلرين (MPS) التابعة لمعهد فريدريك هايك.
كشف هذا الحدث عن خلافات رئيسية بين الليبراليين، كانت الاختلافات في الرأي والتحفظات بين أنصار السوق الحر شائعة، ومن الأمثلة الأبرز على ذلك هنري سايمونز، من مدرسة شيكاغو –والتي عارضت (أي المدرسة-المترجمَين) الاحتكارات وكيف ينبغي معالجتها- كانت نقطة خلاف بينهم وبين زملائهم الليبرتاريين كـ"هايك وليونيل روبينز Lionel Robbins" –كِلاهما في ذلك الوقت يحاضران في كلية لندن للاقتصاد- ولودفيغ فون ميسِس.
يرى سايمونز بأن على الحكومة تأميم وتفكيك الاحتكارات، وجهة نظر كهذه ستبدو اليوم كهجوم يساري على الشركات، لكن في حينها فقد اتفقت تماماً مع الأساس الليبرالي التقليدي الذي يتبعه كل من سايمونز وفرانك نايت " Frank Knight" وهما من جامعة شيكاغو. في رأيهم فإنه ينبغي مواجهة أي تركُّز للقوة يقوِّض نظام الأسعار وعليه يهدد حرية السوق –والسلطة والفرد- حتى لو عَنَى ذلك استخدام الحكومة لهذا الغرض.
من الواضح أن إعادة صياغة الأفكار الليبرالية إلى ما نعرفه اليوم باسم النيوليبرالية لم يكن مشروعاً سلساً ومضموناً. في الواقع، ناضل المدافعون عن السوق ليجعلوا أنفسهم مسموعين في عالم يحرسه تدخل الدولة والذي هيمن في فترة الكساد العظيم وفترة ما بعد الحرب. تسيَّدت آراء جون ماينارد كينز عبر كتابه "النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود" في عام 1936، وعقب الثورة الكينزية الإدارات الاقتصادية في كل مكان مما أدى إلى تقويض الرؤية الليبرتارية "التحررية".
على أية حال مع انقضاء ثلاثينيات القرن العشرين وندوة ليبمان، فإن النظرة إلى أن النيوليبرالية لن تزدهر إلا إذا كان هناك جهد جماعي متضافر من قبل ممثليها، قد غيّرت رأي هايك حول انصرافه إلى الخطاب المعياري (normative discourse) (3). في 1946-1947، تم إنشاء مدرسة شيكاغو و MPS، كنتاج لجهد عابر للحدود لصياغة السياسة العامة ومواءمة الأفكار الليبرالية في إطار فلسفة اجتماعية أوسع. كان الأنصار الرئيسيون وراء هايك هم سايمونز، هارون ديركتُر "Aaron -dir-ector"، والليبرالي المحافظ هارولد لوناو "Harold Luhnow"، الذي كان حينها مديراً لصندوق ويليام فولكر(William Volker Fund) ومسؤولاً عن تخصيص الأموال للمشاريع.
كان الشرط للنجاح، كما ذكر في المقدمة، هو "الانضمام والنجاح في جعل الناس في جميع بلدان العالم الغربي يدركون ما هو على المحك." ما الذي على المحك؟ الحرية الاجتماعية والسياسية. لقد فهم هايك والعديد من النيوليبراليين في وقت مبكر أن أي فلسفة اشتراكية أو ممارساتٍ تعرقل آليات السوق ستؤدي على الدوام إلى "منحدر زلق" نحو الشمولية.
من المهم ملاحظة أن العلاقة السببية تمتد من السوق إلى الحرية الاجتماعية والسياسية وليس العكس. وكما يشير المؤرخ أنغوس بورغِن (Angus Burgin, 2012) (4)، في حين أن حرية السوق هي شرط مسبق لمجتمع ديمقراطي حر، فإن هذا الأخير قد يهدد حرية السوق. لا ينبغي أن تخضع السوق الحرة للتصويت الشعبي ، ولا ينبغي أن تحكمها أي حكومة "شعبوية" (شتيمة شائعة اليوم)، وهناك حاجة لوجود آليات لمنع ذلك من الحدوث.
وبمجرد أن نضع ذلك في الاعتبار، فإن هذا يفسر العلاقة التي جمعت هايك، ميلتون فريدمان "Milton Friedman"، ومدرسة شيكاغو ذات مرة بالحكومات الاستبدادية مثل بينوشيه "Pinochet" في شيلي، وهي واحدة من أكثر الديكتاتوريات عنفاً في تاريخ أمريكا اللاتينية.
تلقى العديد من الاقتصاديين الليبراليين الذين شغلوا مناصب عامة مهمة في الديكتاتورية التشيلية تدريبهم من مدرسة شيكاغو. جَرَّبت جماعة "شيكاغو بويز" في تشيلي أولاً، ما سيتم تطبيقه فيما بعد في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ومن ثم تصديره إلى بقية دول العالم الثالث من خلال إجماع واشنطن. باختصار، اعتُبِرَ ممارسة شكل من أشكال الحكم الفاشستي على السيادة الشعبية مقبولاً من أجل ضمان سيادة السوق.
ومع ذلك، في المناقشات التي جرت داخل أولى الجماعات النيوليبرالية، تم انتهاك الحدود الصارمة للاقتصاد، ولم تكن صياغة النيوليبرالية –ومدرسة شيكاغو و MPS- مرتكزة على أي أساس تحليلي علمي، ولكن ببساطة على الانتماء السياسي.
إن الطابع المتعدد التخصصات، والتشتت، وعدم اليقين هي بعض الأسباب التي تجعل من الصعب إعطاء تعريف مباشر لما تعنيه كلمة "النيوليبرالية" فعلاً. من أجل فهمها، علينا أن نضع في اعتبارنا مجموعة "الثنائيات"(5) (الرأسمالية مقابل الاشتراكية ؛ الكينزية مقابل الليبرالية ؛ الحرية مقابل الجماعية ، وما إلى ذلك) التي تميز هذه الفترة. لم يعرف المدافعون عنها (الأكاديميون، رجال الأعمال، الصحفيون، إلخ.) ما هي أجندتهم الخاصة –كانوا يعرفون فقط ما الذي كان من المفترض أن يعارضوه. لقد ولدت النيوليبرالية من جهد "عكسي/سالب".
بعد عدة سنوات ظهر الانقسام بين الاقتصاد المعياري والإيجابي مع فريدمان وكتابه "الرأسمالية والحرية"، الذي نُشِرَ في العام 1962. زيادة مشاركة الاقتصاديين في MPS، والدعوة إلى تغيير أكثر فعالية في السياسة العامة من قِبل ميلتون وضعت نهاية لنوايا هايك حول بناء فلسفة اجتماعية جديدة متعددة التخصصات.
من الناحية الاقتصادية، اعتنق فريدمان مذهب عدم تدخل الدولة. ومن الناحية المنهجية، تبنى التحليل التجريبي/الإمبريقي وتوصيات وضعية في مجال السياسة العامة، فابتعد عن المفاهيم المجردة للقيمة والمناقشات الأخلاقية التي كان يقلق حيالها زملاؤه السابقون في الـ MPS، مثل هايك. وعلى الطريق إلى النصر ضلَّت النيوليبرالية سبيلها, أصبح "العلم" الذي يعطي الشرعية لعقيدة (credo) جديدة، "وهماً" جديداً.
وبما أن ظلال النيوليبرالية أصبحت أكثر تشابكًا مع الاقتصاد الكلاسيكي الحديث الحالي والمدرسة النقدية (monetarism) لفريدمان، فإنها لم تفقد اسمها فحسب، بل ولّدت أيضًا نوعًا من أنواع عدم التدخل في الشركات. حيث يتم فيه إخضاع العلاقات الاجتماعية إلى آليات السوق؛ السياسة، التعليم، الصحة، التوظيف، كل شيء يمكن أن يندرج في إطار عملية السوق التي يقوم فيها الأفراد بتعظيم المنفعة الخاصة بهم. لا يوجد شيء يمكن للحكومة فعله بحيث لا يمكن للسوق أن يقوم به بشكل أفضل وأكثر كفاءة. فالاحتكارات، إن وجدت، فإن اللوم يقع على الإجراءات الحكومية، في حين أن النقابات العمالية تعرقل الرفاه الاقتصادي. أصبحت النيوليبرالية مجموعة من السياسات التي يجب اتباعها: الخصخصة، وإلغاء القيود، وتحرير التجارة، وتخفيض الضرائب، إلخ. في حملة لتسليع الخدمات الأساسية-أو كل جانب من جوانب الحياة نفسها.
آمن هايك بأن هذه الأفكار بإمكانها الانتشار وتغيير العالم، وقد تم ذلك بالفعل، والجدير بالذكر هو أنه لا يوجد فهم فطري بأن النيوليبرالية كانت حتماً نتيجة عوامل تاريخية.
صعود النيوليبرالية لم يكن عفويًا بل تم تأليفه وتخطيطه؛ كانت حركة جماعية عابرة للحدود لمواجهة التيار السائد في ذلك الوقت؛ نشأت من الوهم في فترة تميزت بالحروب والسلطوية والأزمات الاقتصادية. كان ذلك على أساس الانتماءات السياسية وبدعم من الطبقة الحاكمة المسيطرة التي مولت مساعيها وحوَّلت الرأي العام. هذه هي جذور لما هو الآن الفكر الاقتصادي السائد.
________________________
حول المؤلف: فيتور ميلو "Vitor Mellow" مجاز في العلاقات الدولية والاقتصادية من جامعة فاكامب " Facamp" بالبرازيل، وفي سنته الأولى في ماجستير النظرية الاقتصادية والسياسة في معهد ليفي للاقتصاد، وعمل كمتدرب في الشؤون الاقتصادية في الأمم المتحدة في نيويورك، وكمتدرب على السياسة الدولية في مركز أبحاث السياسة الاقتصادية في واشنطن العاصمة. وهو يعيش الآن في ساو باولو ويواصل اهتمامه في التنمية الاقتصادية والهيكل المالي الدولي.
_________________
- الهوامش:
1- راجع على سبيل المثال:
https://www.imf.org/external/pubs/ft/fandd/2016/06/pdf/ostry.pdf
https://www.theguardian.com/news/2017/jul/11/how-economics-became-a-religion?CMP=share_btn_tw
https://www.theguardian.com/books/2016/apr/15/neoliberalism-ideology-problem-george-monbiot
2- http://centredelangues.ens-lyon.fr/acl_users/credentials_cookie_auth/require_login?came_from=http%3A//centredelangues.ens-lyon.fr/anglais/espace-etudiants/retire/the-transatlantic-circulation-of-ideas-and-policies/class-6-the-making-of-neoliberalism/Philip%2520Mirowski%2520-%2520Dieter%2520Plehwe%2520-%2520The%2520Road%2520from%2520Mont%2520Pelerin.pdf
3- الخطاب المعياري: هو استخدام الأحكام القيميّة للوصول إلى النتائج، وهو يركز على ما يجب أن يكون (المترجم).
4- https://www.amazon.com/gp/product/0674503767/ref=as_li_tl?ie=UTF8&camp=1789&creative=9325&creativeASIN=0674503767&linkCode=as2&tag=economichisto-20&linkId=bf14b79eddff89d4c62e19b6e9d47a18
5- https://economic-historian.com/2018/09/milton-friedman/







اخر الافلام

.. بعثة أممية تدعو للإنسحاب الفوري من حقل شرارة الليبي


.. جهاز جديد يكشف الإصابة بالاكتئاب


.. -السترات الصفراء- غير قانعين بزيادة ماكرون للحد الأدنى للأجو




.. ناصر بن حمد قيادتنا علمتنا على حرية الرا?ي والتعبير.. وتسمع


.. كندا تتجه لفرض عقوبات على إيران