الحوار المتمدن - موبايل



بستان الريحان

علي دريوسي

2018 / 12 / 7
الادب والفن


كان أحمد ونزار عائدين لتوِّهما من المدينة إلى القرية، كان الوقت قد تأخر بعض الشيء والمواصلات تكاد تكون معدومة والمسافة الفاصلة بين القرية والمدينة ليست بالبعيدة، وهكذا فقد ارتأا أن يقطعاها مشياً على القدمين ويوفران على نفسيهما أجرة ميكروباص قد يتأخر، كانا كعادتهما قد قرأا لبضع ساعات في مكتبة المركز الثقافي بعد أن أغارا على إحدى مكتبات المدينة، ولم ينسيا في طريق عودتهما وعصافير بطنهما تزقزق بصوت عالٍ أن يمرا ببيوت بعض الأولاد الذين تعرفوا إليهم من خلال الصدفة، حين رأوهم يقرأون في صالة المركز الثقافي أو يشترون من المكتبات الألغاز البوليسية باهظة الثمن، معظمهم كانوا من ساكني المنطقة الفاصلة بين القرية ومركز المدينة، كان أحمد ونزار غالباً ما يفلحان بإقناع الأولاد وتحميسهم على شراء غنائمهما، أو بإجبارهم على مقايضة بعض ما يمتلكانه من قصص لم يعودا بحاجة إليها بقصص أخرى قابلة للبيع، وبالمال الذي يحصلان عليه كانا يشتريان أحياناً طعامهما المسائي المكوَّن من سندويشتي فلافل وزجاجتي عصير.
في الطريق إلى المنزل ذاك المساء وقد بلغا منطقة غامضة مكتظة بسكانها الفقراء والمنغلقين على أنفسهم، حارة بسيطة يسمونها بساتين الريحان، معروفة بمقهاها الشعبي وبجامعها الشهير وببيوتها المتواضعة التي تعيش العائلات خلف ستائرها، بالكاد كانا قد وضعا أقدامهما في بداية الطريق الذي يشق الحارة إلى نصفين حين لمح أحمد شخصاً ينهض من كرسيه في المقهى المطل على الشارع، كان رجلاً في عقده الرابع، طويل القامة بشوارب عريضة وشعر أسود فاحم، ركب الرجل دراجته وسار خطوات باتجاههما، توقف عندهما وسألهما إن كانا قد أضلا طريق عودتهما وإن لم يكن ذلك فهو جاهز لإيصالهما على دراجته إلى قريتهما، وافق نزار الذي كان التعب قد أنهكه، وبسرعة البرق ودون تفكير قفز إلى مقعد الدراجة الخلفي، أشار الرجل إلى أحمد كي يجلس أمامه على جسر الدراجة، أي في حضن الرجل، إلا أن أحمد سرعان ما رفض عرض الرجل وتابع المشي على قدميه خائفاً، بعد دقيقة أو أكثر – بينما ما زال الرجل يلح عليه كي يركب أمامه – جاءه العون من السماء حين لمح تراكتوراً زراعياً، مدّ يديه الإثنتين عالياً راجياً منه التوقف، فرمل السائق تركتوره، وحين تأكد أحمد من لهجته الحميمية حكى له باختصار ما يحدث معه، في ذلك الوقت كان الرجل صاحب الدراجة والشوارب السوداء قد اختفى في الظلمة القميئة عن الأنظار، طلب سائق التراكتور من أحمد الصعود والجلوس إلى جانبه ثم سأله عن الاتجاه الذي ذهب به الرجل مع رفيقه، بعد أقل من خمس دقائق لحقوا بالدراجة، تماماً في تلك النقطة حيث تبدأ غابة بوقا، بصوت قروي عالٍ أمر سائق التراكتور صاحب الدراجة بالتوقف فوراً، نهره قائلاً: من أين أتتك هذه الأخلاق فجأة؟ دع الولد ينزل عن الدراجة وعد بسرعة من حيث أتيت وإلا كان لي حساباً آخر معك! أصر رجل الدراجة على صفاء نيته بايصال الولد إلى منزله دون فائدة، نزل نزار عن الدراجة وركب إلى جانب أحمد ليوصلهما رجل التراكتور إلى مشارف قريتهما بسلام.







اخر الافلام

.. فيلم -22 يوليو- يحذر من ارهاب اليمين الاوروبي المتطرف


.. شاهد تكريم الفنان -عبد الرحمن أبو زهرة- بأيام قرطاج المسرحية


.. ماتروشكا- أول فيلم روسي - مصري -




.. قرب جرب هنا مش بنهرج البلياتشو بين المسرح والحياة


.. شاهد: -حرب باردة-.. درّةُ مهرجان الأفلام الأوروبية