الحوار المتمدن - موبايل



محمود أحمد السيد يحرث في ارض بكر (جلال خالد) رواية أفكار ومبادئ

شكيب كاظم

2018 / 12 / 7
الادب والفن


هذه رواية اطلعنا على فحاويها من خلال قراءتنا وتدارسنا لكتاب (محمود أحمد السيد رائد القصة الحديثة في العراق) الذي طبعته دار الآداب اللبنانية أول مرة عام 1969، وسيكون هذا الكتاب جزءاً من المنهج الدراسي المقرر لطلبة كلية آداب الجامعة المستنصرية بقسمها المسائي، حين انتظمنا للدرس فيها (1970-1975) ولأن الكتاب كان مفقوداً من سوق الوراقين والكتب لبعد العهد بطبعه فقد يممت وجهي نحو مكتبة المتحف العراقي بصالحية كرخ بغداد، كي أنعم بقراءة هذه الرواية العراقية الرائدة، التي خرجت من يراعة رائد القصة الحديثة في العراق، وإذ تتولى دار سطور ببغداد إعادة طبعها عام 2017، فإني اقرؤها ثانية، لأقف عند جهد البناة الأوائل، الذين وضعوا الأسس الرصينة للحياة الأدبية، وكتابة القصة والرواية، على الرغم من المثبطات والهزء والسخرية، فالعراق، كان بلد الشعر ولاشي سواه يعْدله، فضلاً عن بلاد العرب، لذا كانت هذه المحاولات القصصية تقدم نفسها على استحياء وخجل، لكن الإرادة الصلبة للرادة الأوائل هي التي مهدت السبيل للأجيال المقبلة، حتى أمسينا اليوم نعاني طوفاناً روائياً.
أول رواية عراقية
رواية (جلال خالد) التي تعد أو رواية عراقية، لتلمسها بعض أسس الرواية الفنية والصادرة أول مرة عام 1928، رواية قصيرة، إذ امتدت إلى مئة صفحة ونيف، وهي رواية إفكار، فالسيد ذو رأي وموقف من الحياة، يحاول بثه في نفوس القراء، هذه الآراء التي زرعها في عقله حسين الرحال ومصطفى علي ولطفي بكر صدقي وعاصم فليح حتى لتكاد تقترب من كتابة المقالة، وسيكتب بهذا اللون ذو النون أيوب في سنوات تلت العديد من قصصه ورواياته مثل: (برج بابل) و(الدكتور إبراهيم) و(اليد والأرض والماء) وهو ما عُرِفَ نقدياً بـ (المقاصة) أي المقالة القصصية أو القصة المقالية.
ولأن محمود أحمد السيد، كان يحرث في أرض بكر، فلا غروَّ ان يأتي عمله هذا، فضلاً عن أعماله السابقة (في سبيل الزواج) 1921، و(مصير الضعفاء) 1922، يعاني ضعفاً، فالسيد يتلمس درب الكتابة الروائية وشيكاً، وهو إنما يرود أماكن جديدة وبكراً، فضلاً عن قلة تجارب وإطلاع على مناحي الحياة، وقلة إطلاع على هذا الفن في مصادره الأولى ومنابعه عدا اطلاعه على ترجمات من اللغة التركية، فنجد ذلك في مسألة إقحام الأسرة اليهودية المسافرة إلى بلاد الهند على الباخرة ذاتها وعشقه ابنتهم (سارة) من النظرة الأولى، واختفائها المفتعل، ومن ثم البحث عنها، والإلحاح في هذا البحث، مع أنها انتقلت إلى أماكن لا يعرف عنها شيئاً، وإيصاء أكثر من صديق لمعاونته في معرفة جلية أمرها حتى يصدمه خبر أنها أمست بغياً في إحدى دور البغاء وإلقاء الشرطة القبض عليها، وللتخلص من ضعف أداة السرد لديه وإنه ليس بِمكنّتِه الربط بين حوادثها، فقد كرّر عبارة (ومرت الأحداث المتتابعة سراعاً) ص61، و(مرت الأحداث سراعاً) ص62.
فضلاً عن استخدامه – كما أوضح السيد في المقدمة- الرسائل إلى جانب الأحاديث المسهبة مع الكاتب الهندوي (ف سوامي) والمذكرات واستخدام الرسائل طريقة في السرد سينهج نهجها الكاتبون العراقيون والعرب في عقود تلت، وفي الذاكرة رواية (الأشجار واغتيال مرزوق) لعبد الرحمن منيف و(تماس المدن) للكبير نجيب المانع.
صورة للحياة العراقية آوانذاك
نقرأ الرواية، لنقف عند مثابات شخاصة، وأفكار حضارية، فهي تسرد علينا صوراً من العيش المشترك الذي كان ينعم به العراقيون قبل عصف الجهالة والجهلاء، فهو يسرد علينا حال هذه الأسرة اليهودية العراقية المسافرة إلى الهند، حزقيال وابنته سارة، الشابة المؤمل تزويجها من داود، ولفشل الزواج، وتعرض داود لأزمة صحية جسدية ونفسية، فإنه يؤازره ويرعاه لأنه إنسان، فضلاً عن كونه عراقياً غير آبه لأختلاف عقيدتهما الدينية.
تقرأ في الرواية فقرات، كانت وقت ذاك جزءا من الحياة العراقية، السفر في البواخر والمراكب النهرية في دجلة أو الفرات، يوم كانا زاخرين بالمياه، والمجرى العميق، قبل ان يهملا ويطمر الطمى مجرى النهر وبناء السدود العملاقة في بلد المنبع، ليغدو ماء دجلة يجري وئيداً أشبه بمريض، ولقد عشنا في طفولتنا، خمسينات القرن العشرين، نهاية عرس النهر، لقد كان دجلة زاخراً بالسفن والمراكب الناقلة إضافة للبضائع والحبوب، وكانت عشرات السفن ترسو عند مرسى دائرة الكمارك بجانب الرصافة القريبة من مبنى المدرسة المستنصرية المطلة على دجلة الخير، فضلاً عن عشرات أخر ترسو عند شريعة أو مشرعة أو مرسى باب السيف القريبة من جسر الشهداء، وتحول السيف هذا، أي السايلو أو الصوامع تحول بعد أن هدمه رئيس الوزراء العراقي الأسبق طاهر يحيى صيف سنة 1964، فضلاً عن السوق الأثري ومقهى البيروتي، وتحول إلى مبنى مديرية التقاعد العامة الآن، كانت السفن والمراكب محملة بالحنطة والشعير، وأخذت المحلة اسمها منه (باب السيف) ومع طارئ تموز 1958 بدأت السفن تقل رويداً رويداً، بسبب قانون الإصلاح الزراعي الذي خرَّب الحياة الزراعية في العراق، وحوّله من بلد يُشبع بطون أبنائه ويصدر ما زاد إلى بلد يستورد حتى الطماطة والكرفس!
جاء في الرواية: "ودخلت الباخرة فرضة البصرة في 25/ تموز/ 1920 وإذ كان ينتقل منها إلى الباخرة النهرية المقلعة إلى بغداد (...) رَسَتْ الباخرة شرقي بغداد صبحاً، بعد ثمانية أيام". ص56.
ولأن الرواية، رواية أفكار ومبادئ فإن محمود أحمد السيد، يستثمر روايته هذه، ليعلن سخطه على الاستعمار الفرنسي الذي أسقط الدولة العربية الوليدة في سورية بقيادة الأمير فيصل بن الحسين، الذي أخرجه القائد العسكري الفرنسي الجنرال غورو، إذ ما أن دخلت الباخرة فرضة البصرة في 25/ تموز/ 1920 حتى بلغه نبأ حطّم آماله القومية تحطيماً، لقد احتل الفرنسيون سورية العربية، وما كان للعرب جيش يدافع عن دمشق العاصمة، سيل الغزاة الفاتحين). تراجع ص 56.
عدم تبلور المصطلح النقدي
ويوم لم يتبلور مصطلح الرواية أو القصة القصيرة نقدياً فإن محمود احمد السيد في مقدمة الكتاب يطلق على روايته هذه (جلال خالد) مصطلح قصة قائلاً " وهذه القصة موجزة(...) وإذا كانت هذه القصة بجملتها موجزة (...) وتصلح هذه القصة الموجزة التي هي أشبه بالحديث (نوفل) لأن تكون أساساً لقصة مطولة وافية (رومان) قد أكتبها في المستقبل. ص7.ص8.
فإنه في متن الرواية يستخدم المصطلح ذاته، قصة لدى تدوينه محاضرة القاها دكتور في الأدب من جامعة برلين، والسيد لا يغادر شيئاً من اجل بث أفكاره، وتدعيم سرده، فضلاً عن استثماره الرسائل والأحاديث والمحاورات، فهنا يستثمر المحاضرة: (فذكر قصة (الجريمة والعقاب) لدستويفسكي، وإنها درس قائم بذاته في نفسيات المجرمين". ص52.
يستخدم السيد مصطلح (الشعب العربي) " وكانت تحزنه المصائب التي أصابت الشعب العربي، فلا يرى لها سبباً غير الجهالة الطاغية العمياء، تفرق الكلمة، وتذبذب المتزعمين وخيانة الخائنين منهم عبدة الذهب". ص62.
يستخدم السيد هذا المصطلح، في حين بعد مئة سنة يأتي من يصفنا بـ(الشعوب العربية) لا بل الأقسى ان شاع بعد 2003 مصطلح الشعوب العراقية، والأمة العراقية، فيالبؤسنا ولبؤس حالنا.
ولأن السيد محب للعراق، فهو لا يحب من يغادره ويهجره وإذ يغريه صديقه على هجرة العراق ومغادرته، ليلتقي في الهند بالكاتب الهندوي المثقف، وللتمييز بين الهندي المسلم وغيره، فإن يطلق لفظ (الهندوي) على غير المسلم، الذي يؤكد للراوي المركزي جلال خالد قائلاً له:
- على أننا نحن الذين ندعى بالوطنيين في الهند لا تبرحُها! وتلك كانت الكلمة الأولى من كلماته التي لاتزال ترن في أذني (...) فنحن (...) لن تبرح قطرنا هذا، ويجب ان لانبرحه". ص97.
لغة الرواية راقية أخاذة، مما يدل على أن السيد قرأ كثيراً في مصادر الأدب ومراجعه، كي يسمو أسلوبه ويزهو، واضعين في الحسبان أنه كتبها والعراق قد خرج تواً من قرون الظلام الأربعة (1534- 1918) وهذا يؤكد ضرورة إدامة النظر في كتابات أصحاب الأساليب والمبدعين الكبار لتقوية الأداة.







اخر الافلام

.. فيلم -22 يوليو- يحذر من ارهاب اليمين الاوروبي المتطرف


.. شاهد تكريم الفنان -عبد الرحمن أبو زهرة- بأيام قرطاج المسرحية


.. ماتروشكا- أول فيلم روسي - مصري -




.. قرب جرب هنا مش بنهرج البلياتشو بين المسرح والحياة


.. شاهد: -حرب باردة-.. درّةُ مهرجان الأفلام الأوروبية