الحوار المتمدن - موبايل



سعيدة الشهيدة، رمز من رموز النضال التحرري الاجتماعي والنسائي معا..

وديع السرغيني

2018 / 12 / 11
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية


سعيدة الشهيدة، رمز من رموز النضال
التحرري الاجتماعي والنسائي معا..
ونحن نخلد هذه الذكرى العزيزة، ذكرى استشهاد المناضلة سعيدة المنبهي، نتسائل بتأمل عميق عن أوضاع السواد الأعظم من المغاربة الذين ما زال بهم أمل لتغيير أوضاعهم بشكل جذري، يبعد عنهم الاستبداد، والقمع، حيث الحاجة للكرامة والحرية والديمقراطية.. ألم يحن الوقت بعد، للاعتراف لسعيدة وأمثالها من شهداء الحرية والديمقراطية، المناضلون والمناضلات، بمدى وقع وتأثير نضالاتهم وتضحياتهم على حاضرنا، وعلى حجم مكتسباتنا في مجال الحريات الديمقراطية؟ ألم تدق ساعة التغيير بعد طول انتظار، وهي الساعة التي تحمّس لها كثيرا جيل الشهداء، جيل سعيدة ورفاقها وأقرانها؟ ألم يصل السيل الزبى بعد هذا التدهور الفظيع في أحوالنا، وشروط حياتنا وعيشنا، بعد هذه المعاناة الشديدة والحرمان الشامل، الذي أصبح يمس جميع تفاصيل حياتنا كمغاربة، ويتطاول بخبث وعنجهية على جميع مجالات حريتنا، ليمنعنا من التجمهر والاحتجاج والصراخ من الألم حتى..!؟ فليس هكذا تهزم الشعوب أيها الحاكمون المستبدون، فساعتكم قريبة بكل تأكيد.. وإذا كان جيل سعيدة سباقا لهذا الإعلان، فقد توارثته الأجيال اللاحقة التي أبدعت وصنعت الانتفاضات المتتالية، بالبيضاء 81، ومراكش/ تطوان / الحسيمة/ القصر الكبير 84، وفاس وطنجة دجنبر 90.. ثم انتفاضة فبراير 2011، وحراك الريف وجرادة..الخ فجيل سعيدة كان هو السباق لفضح خرافة الاستقلال، والدولة "الوطنية المزعومة" التي ادعت انتمائها للعالم النامي وتطلعها للحاق بالركب المتقدم..! فهو ذا الذي كشف حقيقة هذا الاستقلال الممنوح والمزيف، وكشف كذلك حقيقة النظام المسير لأركانه، باعتباره نظام عميل وخاضع للاستعمار وللتوجيهات الإمبريالية.. وجوده يجسد فعلا مصالحها ويدافع باستماتة عنها، ممثلا لمصالح البرجوازية الكمبرادورية، ومافيا العقار والملاكين الكبار، وجميع الإداريين والموظفين السامين، وكبار الضباط المستفدين من الريع، ومداخل الفوسفاط، وأعالي البحار، والتجارة الخارجية، وجميع الامتيازات المتنوعة..الخ
فلم تكن إذن انتفاضة 23 مارس 65 بالعادية بالنسبة لهذا الجيل، ولم تكن بمثابة حادثة في الطريق.. بل شكلت شرارة الانطلاقة والجهر بوعي الشبيبة المغربية، التلاميذية والطلابية، وبطرح الثورة على جدول أعمالها.
كانت الانتفاضة بمثابة الإعلان عن ميلاد جديد، وحركة سياسية جديدة، بأفكار ومواقف وتطلعات جديدة، نبهت النخبة وجميع القادة الوطنيين لأخطائهم القاتلة، صارخة في وجههم وبأعلى صوت، للكف عن الكذب والبهتان، وللكف عن التضليل والتستر عن سياسة وطبيعة النظام القائم، الذي كتب له أن يسهر على النهب، واستغلال مقدرات وخيرات الوطن، وتسخير النصيب الأوفر للشركات الاستعمارية العابرة للقارات، وما يرتبط بها من مؤسسات مالية مفضوحة ـ البنك العالمي وصندوق النقد الدولي..الخ ولهذا الغرض تم تنصيبه ضدا على مصالح وأهداف البناء الوطني الحر والمستقل عن المصالح الإمبريالية.
فعلى هذا الأساس تشكلت أفكار هذا الجيل، الذي كانت الشهيدة من صنّاعه ومهندسيه، بمعية جميع المناضلين والشهداء المخلصين لوطنهم أمثال بن بركة وعبد اللطيف زروال وجبيهة رحال وعمر دهكون وعمر بن جلون.. واللائحة طويلة، وهم الذين شرّفوا تاريخ حركة التحرر المغربية، عبر قيادتهم لجميع مجالات الصراع الطبقي والنشاط الاحتجاجي التلاميذي والطلابي والعمالي، وعبر إنشائهم للأدوات التنظيمية اللازمة، من منظمات سياسية وجمعيات ثقافية وتثقيفية وتيارات نقابية وطلابية وتلاميذية.. اقتحمت معمعان الصراع السياسي والفكري، مراهنة على الاختيار الثوري، باعتباره السبيل الوحيد والأوحد لتغيير أحوال وأوضاع الكادحين المغاربة، والقادر فعلا على بناء اقتصاد وطني يلبي مطالبهم ومصالحهم، ويؤسس لتنمية حقيقية تقطع نهائيا مع الإمبريالية، ومع مصالحها ومصالح وكلائها المحليين، والقادر كذلك على تشييد الديمقراطية الشعبية والجديدة.
كان لا بد إذن من هذه التوطئة، وهذا التوضيح لمسار هذه المناضلة الرمز، التي بصمت بتجربتها الفريدة والمتميزة في مسار التجربة النضالية لأوساط الستينات وبداية السبعينات، في إطار حركة اليسار الجديد أو ما يسمى بالحركة الماركسية اللينينية، التي سارعت لتنظيم نفسها في منظمات سرية كان الغرض منها الإطاحة بالنظام القائم، والإشراف على تغيير جذري بالمغرب، وتنفيذ برنامج الثورة بمضمون وأهداف وطنية وديمقراطية وشعبية.
انتمت حينها الشهيدة لمنظمة "إلى الأمام" وناضلت في صفوف "الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين، التي اكتسحت الساحة الطلابية وقاعة المؤتمر الوطني الخامس عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب، موجهة قراراته ومواقفه أحسن توجيه.. فلا مجال للحديث عن الشهيدة سعيدة، دون التذكير بالأدوار المتميزة التي لعبتها وسط الحركة التلاميذية الاحتجاجية وداخل القطاع الطلابي ومنظمته العتيدة إوطم، ثم وسط العمل السياسي الثوري عبر هذا الانتماء، وعبر الارتباط والانغراس، وسط الجماهير الشعبية ذات المصلحة في التغيير والثورة.
إذ وبالرغم من اعتقالها وتعذيبها "بدرب مولاي الشريف" الرهيب، كما هو الحال بالنسبة لجميع المعارضين للنظام لحظتذاك ـ من عناصر المقاومة وجيش التحرير، اليسار الاتحادي، ثم اليسار الجديد ـ واصلت الرفيقة مهمتها التثقيفية والتعبوية وسط السجينات، قصد الرفع من وعيهن، وفضح معاناتهن، داخل مجتمع ذكوري لا يتوانى عن احتقارهن واضطهادهن، باعتبارهن سلعة وفقط، معروضة للبيع والشراء، وبأبخس الأثمنة.. ولا أدل عما نقوله سوى الاستجوابات التي أشرفت عليها، ودونتها، وكذا الأشعار والقصائد الملتزمة التي قرضتها حينذاك..
فسعيدة ناضلت وتألقت بفعل صمودها ومبدئيتها، التي دفعت بها للانخراط في حراك نضالي جذري منفتح على الأفق الاشتراكي، إذ لم تتوانى عن المناهضة لواقع وسياسات التفقير والتجهيل والتهميش والبطالة، ضمن تصور مجتمعي يتطلع للحرية والديمقراطية والاشتراكية كخيار لا مفر منه، للقضاء على الرأسمالية كأصل للشر ولجميع الشرور.
ومن أجل هذا المشروع تحمس الشباب حينها، وما زال، مبديا استعداده لجميع المواقف والتضحيات، وهو ما جسدته سعيدة فعلا خلال مسيرتها النضالية، ابتداءا من مساهمتها في الحركة التلاميذية، ومرورا بأدوارها المهمة داخل القطاع الطلابي والمنظمة إوطم، ثم انتهاءا بأدوارها المشهودة في العمل النقابي من داخل الاتحاد المغربي للشغل كأستاذة نقابية.. هذا الرصيد دفع العدو الطبقي وأجهزته الاستخباراتية لاستهداف سعيدة، مثلها مثل جميع الرفاق والرفيقات.. فكان الاختطاف والتعذيب والمحاكمة والسجن.. وفي المقابل كان الصمود والمقاومة وطرح المطالب المتنوعة وعلى رأسها الاعتراف بالمعتقلين كمعتقلين سياسيين.. وهو الشيء الذي أرغم الرفاق والرفيقات على خوض العديد من الإضرابات عن الطعام، كان أهمها الإضراب اللامحدود لنونبر/دجنبر 1977 التي سقطت إبّانه الشهيدة سعيدة، بعد حوالي 45 يوما من الإضراب.
سقطت سعيدة ولم تسقط مطالب وطموحات جيلها المناضل، فنفس المطالب من أجل التعليم والصحة والشغل والسكن والحرية والديمقراطية والعيش الكريم.. ما زالت قائمة، وما زالت منتصبة على رأس جدول أعمال الحركات الاجتماعية الاحتجاجية، تهم شباب اليوم مثل شباب البارحة.. لم تستنفد بعد، البعض من إمكانياتها، حيث يلزمنا كتقدميين وديمقراطيين مواصلة النضال من أجل تحقيقها، وانتهاز الفرصة لإدارة النقاش، في مناسبة مثل هذه، حول الدرب الذي اختارته سعيدة ورفاقها لنيل هذه المطالب نفسها.
فالمطلوب الآن وغدا، المزيد من الاصطفاف والوحدة بين جميع المناضلين المعنيين بالتغيير، حيث المطلوب الآن وبحدّة الانفتاح أكثر على الخيار الاشتراكي، باعتباره الضامن الوحيد لديمقراطية فعلية قادرة على التغلب على الاستبداد، والقضاء عليه، لإنتاج تنمية حقيقية تغير من أحوال الفقراء والمعطلين والمهمشين.. وتضمن لهم المدرسة والمستشفى والسكن والشغل.. وتمحي عنهم الاستغلال والاستبداد والتمييز الطبقي، فلا سبيل للحرية والديمقراطية إلا في ظل نظام اشتراكي قوي، يعيد الاعتبار لتضحيات أجيال من الشباب المغربي المناضل، الذي لم يتأخر قط عن التضحية بحريته، وبسلامته الجسدية، وبحياته.. داخل السجن الصغير والكبير، سيان.
فألف تحية لجميع الرفاق والرفيقات المؤيدين والمناصرين لخط سعيدة الشهيدة، وهي المناضلة التي يجب أن تحظى ذكرى استشهادها بالتخليد، والاحتفاء، والإعلان على متابعة المسير والدرب.. من خلال شتى الأنواع والأشكال النضالية ـ ندوات ووقفات..الخ للوقوف على مآثرها وللسير قدما نحو ما نادت به، ودافعت عنه لنصرة الفقراء والمحرومين والشغيلة والمرأة، وجميع المحكورين من ذوي الحقوق والمطالب.
تحية كذلك لعائلة سعيدة، العائلة اليسارية المناضلة التي لم تتأخر قط عن مناصرة التغيير، ومعانقة الخيار الاشتراكي.. وهو نفس الأفق الذي كافحت واستشهدت من أجل تحقيقه سعيدة.
وديع السرغيني
دجنبر 2018







اخر الافلام

.. الشرطة السودانية تفرق مئات المتظاهرين مع وصول الاحتجاجات إلى


.. الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد في المغرب: الفيدرالية تح


.. فريق الغوص الكويتي.. ثلاثة عقود من حماية البيئة البحرية




.. قيادى ناصرى: لن ينسى المصريين إنجازات جمال عبد الناصر


.. فريق الغوص الكويتي.. ثلاثة عقود من حماية البيئة البحرية