الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في معنى ودلالات مظاهرات باريس -قراءة اولية -

فؤاد الصلاحي
استاذ علم الاجتماع السياسي

(Fuad Alsalahi)

2018 / 12 / 14
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في الخليج والجزيرة العربية


مفتتح الكلام .. الرأسمالية الغربية في اعلا مظاهرها وتجلياتها كما في صورة العولمة لم تستطع ان تقهر المواطن الغربي بشكل كلي ولا ان تمر دون مساءلة واعتراض شعبي ، ومن يتابع مئات المظاهرات والاعتراضات الشعبية على اجتماعات قادة المجمع الصناعي العالمي منذ بداية الالفية الجديدة وحتى مظاهرات باريس يستنتج ما حذر منه كثير من الكتاب والمفكرين والاصوات الناقدة صحفيا ومن نشطاء المجتمع المدني والاتحادات النقابية خصوصا ..فقد كتب مثقفين المان بان العولمة فخ واعتداء على مسار الديمقراطية والعدالة الاجتماعية واخر بريطاني يري في العولمة فجر كاذب وليست فجرا مشعا بالنور والخير لكل العام وظهرت كتابات متعددة ومتنوعة من دول الجنوب في افريقيا وامريكا اللاتينية والوطن العربي تحذر وتنبه من مخاطر الرأسمالية العالمية وقد دخلت طورها الرابع في التطور منذ نشأتها في القرن السابع عشر وحتى اليوم .
ولان المواطن الغربي له صوت مقرر في انتخاب الحكام ومقرر في صنع السياسات الى حد ما فان درجة تحسسه من سلبيات التوجهات الاقتصادية المنحازة للرأسمالية ضدا من مصالح العامة من السكان أظهرت أصوات ناقدة تدريجيا وصولا الى تظاهرات شعبية كانت فاعلة وقوية في العام 68 واليوم ابرزت تظاهرات ذو السترات الصفراء فاعلية كبيرة أجبرت الحكومة الفرنسية تلبية مطالبهم بعد مشاورات النخبة السياسية والصناعية مخاطر استمرار التظاهرات الشعبية ومخاطر التحامها بالحركة النقابية ومختلف الجماعات الناقدة للنظام السياسي وتوجهاته الاقتصادية ..وهنا يكون الدرس الهام بان الشعب والشعوب عامة يجب الا تصمت تجاه سياسات اقتصادية تنهب مدخراتها وتزيدها فقرا ولا تهتم لقضاياها واصواتها وان حركة شعبية في المدن والعواصم الكبيرة كفيلة بتدمير اقتصادي وسياسي لامحدود لا تستطع الرأسمالية والإدارة السياسية تحمل تبعاتها ونتائجها .
في هذا السياق ظهرت مدارس فكرية وفلسفية ناقدة للرأسمالية العالمية منذ تشكلها تاريخيا وصولا الى المدرسة الاجتماعية النقدية التي تأسست في المانيا في عشرينات القرن المنصرم وابرز مظاهرها تعدد وتنوع أعضائها من مختلف العلوم الاجتماعية والإنسانية وغيرها ولايزال كثير من رموزها معاصرون لهم كتابات غاية في الأهمية ومعها تبلورت حركة كمجتمع مدني واسع في نشاطه ووعي شعبي اصبح يستوعب معاني ودلالات المتغيرات السياسية والاقتصادية العالمية ومدي تأثيرها على الافراد والشعوب عامة وبالتخصيص تأثيرها على الطبقة العاملة والطبقة المتوسطة . من هنا يكون المدخل في فهم فاعلية التظاهرات الشعبية التي اندلعت في باريس خلال أربعة أسابيع وارعبت الدولة والنحبة الصناعية ومعها الدولة في عموم اوربا ..
السؤال اين الاكاديميين والمثقفين وأين أحزاب اليسار والنقابات العمالية في دول الجنوب وفي منطقتنا العربية من استيعاب دروس التظاهرات الشعبية في اوربا فتأثير الرأسمالية العالمية في مجتمعاتنا اشد ضرواه واكثر مما يحدث داخل المجتمع الأوربي الذي تمنح الدولة مواطنيها كثيرا من الاستحقاقات الاجتماعية والاقتصادية غير موجودة في مجتمعاتنا التي لا يشارك الشعب في اختيار النخب الحاكم وان تمت فهي صورية وشكلانية لا تشكل ضغوطا حقيقية تمنع هذه النخب واداراتها من ممارسات خاطئة وغير نزيهة في الشأن الاقتصادي والسياسي .
في هذا السياق يمكن القول انه رغم مرور خمسون عام على ثورة الشباب عام 68 لم تستطع الرأسمالية سحق المواطن كليا فلايزال غالبية المجتمع قادر على التفكير الحر الناقد للنظام السياسي ورفع صوته بلا للسياسات الاقتصادية الظالمة للمواطن والتي تجلب مليارات للشركات الرأسمالية المتوحشة ومن هنا فان الاقتصاد الفرنسي والاوربي سيتم مراجعة اسسه وفلسفته تجاه مصلحة المواطن وهو الخيار العقلاني او تتغلب النخب الحاكمة على تلك التظاهرات وهنا يكون الاتجاه نحو مزيد من الشمولية وتربع اليمين السياسي على دوائر صنع القرار .
ان نقد العولمة لم يقف عند الخطابات ونشطاء الفيس بوك وتويتر بل تحرك عبر الشارع وهنا تعلو اصوات الليبرالية الكلاسيكية التي قامت على اثرها وفي ضوئها النظم الاوربية في القرن التاسع عشر والعشرين ثم تحولت الى نظم مُستملكة من الرأسمالية المتوحشة التي تعمل من اجلها النخب الحاكمة حتى لو كانت منتخبة مثل ترامب الذي لولا شركات الاسلحة وبنوك متلاعبة بالتأمينات لما وصل الى السلطة ناهيك عن شركات السمسرة العقارية التي ينتمي اليها وصعد من اوساطها .
ان المجتمع المدني الفرنسي الذي تم استقطابه في السنوات العشرين الاخيرة لصالح احزاب سياسية مدجنة لصالح النظم الحاكمة او الشركات الرأسمالية خرج من سباته وغيبوبته وفق تظاهرات الشارع جددت فيه بعضا من الحيوية والنشاط المدني وفق وعي حقيقي بمظاهر الازمات الاقتصادية التي تطحن الطبقة الوسطى ومحدودي الداخل ناهيك عن المهاجرين وتزايد معدلات الفقر والبطالة وهنا يبلور المجتمع المدني ومعه دعم اليسار الديمقراطي خطابا لتجديد النظام الاقتصادي بل والنظام السياسي وهو عكس توجه اليمين السياسي الذي يريد القفز على هذه الحركات الشعبية للوصول الى السلطة كهدف اولى ورئيسي له .
على اوربا بقيادة فرنسا والمانيا تأسيس نظام متعدد الاقطاب والخروج من اثر التبعية للأمريكان كما الخروج من مواصفات النظام العالمي المرسوم عشية انتهاء الحرب العالمية الثانية ..فالمبررات الموضوعية والذاتية جاهزة لتكون اوربا بقوتها الاقتصادية والعسكرية قطبا فاعلا في السياق الدولي مقابل القطب الامريكي بل والعمل على دعم وتشجيع تشكل قطب ثالث من الصين وروسيا ومعهما دول اخرى وربما يتشكل قطب رابع يبلور حضوره بصورة اكثر فاعلية قريبا . والاهم في هذا إعادة صياغة النظام السياسي وتوجهاته الاقتصادية المنحازة للمجتمع وهنا نكون بصدد أنسنة العولمة ووضع بدائل ترنو لنظام اقتصادي وسياسي في خدمة المجتمع ولا يكون الانسان ومجتمعه مجرد ارقام وكائنات في رهانات اقتصادوية لامجال للإنسان بكينونته الثقافية والاجتماعية والروحية فيها .
هنا على مجتمعاتنا العربية وقطاعات الشباب والمجتمع المدني ان يستلهم الدروس من حيوية المجتمع المدني الفرنسي وعامة الشعب في تحركه نحو التعبير عن مصالحه الاقتصادية والاجتماعية وان لا يسمح للحكومات بالعبث الاقتصادي وفرض ضرائب لا تخدم سوى الطبقة الرأسمالية دونما أي محاولات جادة لمحاربة الفساد وخلق استثمارات اقتصادية حقيقية تستقطب القوى العاملة وتدر دخلا في الموازنة الرسمية . فالسياسات الاقتصادية الراهنة مدمرة لغالبية افراد المجتمع ناهيك عن ضعف الخدمات التعليمية والصحية وتعميق الفجوة بين اقلية ثرية واغلبية من محدود الدخل إضافة الى استمرار تدهور حالة الطبقة الوسطى وغياب كبير للخدمات الأساسية في كثير من سكان الريف خارج المدن الرئيسية . ولهذا فأكثر الشعوب حاجة للخروج والتظاهر( هم العرب )وفق رؤية واجندة واضحة ووفق وعي تضامني بان الخروج الشعبي ليس ترفا ولا مجرد فلكلور يتم استخدامه إعلاميا لصالح الحكومات او صناعة نجوم فاسدة بل من اجل قضايا مجتمعية تضع بدائل للسياسات واذا امكن بدائل للنخب والقيادات أيضا لا ان يكون التظاهر طريقا لقوى غير مدنية تجعل منه منصة للقفز نحو السلطة وإدارة ظهرها لمن اوصلها مثلما تم في تظاهرات الربيع العربي منذ سنوات سابقة .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بمشاركة بلينكن..محادثات عربية -غربية حول غزة في الرياض


.. لبنان - إسرائيل: تصعيد بلا حدود؟ • فرانس 24 / FRANCE 24




.. أوروبا: لماذا ينزل ماكرون إلى الحلبة من جديد؟ • فرانس 24 / F


.. شاهد ما حدث على الهواء لحظة تفريق مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين ف




.. البحر الأحمر يشتعل مجدداً.. فهل يضرب الحوثيون قاعدة أميركا ف