الحوار المتمدن - موبايل



شعرية السرد في رواية جمهورية مريم

دعاء عادل آل عزوز

2018 / 12 / 19
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات


       كثيراً ما تُثار قضية الأجناس الأدبية والحدود الفاصلة بينها في إجرائيات النقد الحديث, ومع أن هذه القضية قد أثارت تحفظات بعض الدارسين وربما اعتراضاتهم؛ باعتبار أنَّ لكل نوع حدوده الرئيسة التي لا ينبغي أن يتجاوزها إلى غيرها, إلا أنه بات من الواضح الآن أنَّ هذه الحدود بدأت بالتقارب والتجانس, فاستثمر الشعر كثيراً من عناصر الرواية كالسرد وتعدد الأصوات والمونولوج وغيرها, وفي المقابل استعانت الرواية ببعض عناصر الشعر ومرتكزاته كالصورة والرمز والإيحاء والتكثيف واللغة الشعرية المستندة على الاستعارة والمجاز والكناية وغيرها.

       تُعد الشعرية من الموضوعات الهامة التي اهتم بها الدارسون في سياق النقد العربي والغربي, لاسيما أنها من أكثر المصطلحات النقدية اختلافاً في المعنى والقصدية بين ناقد وآخر, إذ يعود هذا الاختلاف إلى تباين وجهات النظر والمرجعية التي يستند عليها المُشتغل في حقل النقد, فأخذ كل منهم يشخِّصها بحسب وجهة نظره ورؤيته النقدية الخاصة, فمنهم من اسماها الانشائية أو الأدبية ومنهم من أطلق عليها تسمية الشعرية وهناك من اسماها الشاعرية.

      وفي الدراسات الحديثة تتمتع الشعرية بأهمية خاصة كونها من أبرز مرتكزات المناهج النقدية التي تحاول استنطاق مكونات النص الأدبي, وإبراز وظيفته الاتصالية والجمالية, ففي مجال السرد ارتبطت الشعرية بالخطاب السردي عن طريق الممارسات الابداعية التي استطاعت أن تخرق الحدود وتولّد جملة من الانزياحات الفكرية المنغرسة في جذور اللغة, فاجتمع الشعر والسرد في بوتقة واحدة. ومن أجل خلق رواية حداثية تراهن على الابداع وتتجاوز المعتاد, وتعيد بناء شكل ومضمون المنجز السردي لابد من خوض غمار التجريب والتجديد, بأن يمزج الأديب ببراعة بين مجموعة من الأجناس الأدبية, فتتعانق الرواية مع الشعر مع الحوار المسرحي مع اللوحة الفنية, وحينها يتجاوز المألوف ويبتعد عن اللغة العقيمة والمحنَّطة, فيجعل من أساسيات لغته التماهي في قالب جديد, كما يرى معظم النقاد أن اللغة الشعرية تقوم بتمويه الواقع, بل تخلق مقاربات مجازية وجمالية لها وقعها المؤثر, فيصل محتواه الشعري إلى غرائبية اسلوبه السردي, فعندما نقرأ لــ(وارد) تأسرنا جماليات اللغة فنتماهى مع عوالم من المجازات الكفيلة بإخراج السرد عن نمطيته وكلاسيكيته.

((امتزج الزمن والضباب, وتحولا إلى كلمات.

انحنى على آخر ورقة مفتوحة أمامه.

هناك خيول تصهل على الورقة.

هناك عصافير تحترق في الذاكرة.

هناك نهر خائف يهرب بعيداً عن الموت.

هناك كلب يقضم الجثث المرمية في العراء.

هناك حقول يابسة وبيوت مأكولة.

هناك بساتين متفحِّمة, وقامات نخل ملتوية.

هناك صفصاف أسير وزرع يبكي.

هناك وردة تستفيق على صراخ غرقى.

هناك عشب مبلل بالدم.

هناك مطر أسود.

هناك كلمات متعسِّرة بالولادة.

هناك صور تغيب ولا تغيب.))ص53-54.

      استطاع الكاتب العراقي وارد بدرالسالم في روايته (جمهورية مريم) أن يعبِّر بلغته الشعرية في سرد أحداث روايته ببناء فني محكم, فاللغة تعد أساس العمل الابداعي والقارئ للرواية يجد أن الروائي استطاع أن يتلاعب بالألفاظ والعبارات بقدرة لغوية اكسبت النص إيقاعاً فريداً من نوعه والذي بدوره حقق شعرية النص وجماليته, إذ تحتوي الرواية على العديد من القصائد النثرية التي تختزل مأساة الانسان العراقي في واقعه الجديد, فالكاتب يبحث لنفسه عن نمط معين في الكتابة السردية, أو تجريب ما يمكن تسميته بالكتابة الشع-روائية, وهي التي تقدِّم للمتلقي متعة الشعر وجمالية السرد.

((هناك جيش يقاتل طواحين الهواء.

هناك حريق بأرجل طويلة.

هناك بوذا المخلّص.

هناك نبي يوزِّع الحلوى على الصغار.

هناك أصابع وزوابع ورياح.

هناك رجل وذكرى.

هناك موت يموت في كل لحظة.

هناك صليب.

هناك جامع.

هناك طفل.

 هناك حلم.

هناك متسوّلة

هناك رصاص.

هناك قتلة.

هناك وطن مرّغوه في الطين.

هناك نحن..صرنا أكثر من الطين طيناً))ص54-55.

      أسس الكاتب  في هذه الرواية رؤيته بلغة شعرية لها دقة الدلالة وقدرة الإيصال, واحتواء التجربة المعاشة بتشخيص غير محدود يحتضن صراعات الواقع عن طريق الانزياحات اللغوية المنثورة على جسد المنجز الروائي والمتمثلة بالقصائد النثرية التي تنماز باللغة الموحية, فتصنع عالماً مكتملاً وجدانياً وتصويرياً وبلاغياً ذات إيقاع نفسي اكتسبته من دقة دلالاتها, تخلق حراكاً شعورياً يعطي مساحة تخييلية نلحظها عبر ملاحقة الجملة الشعرية وهذا ما أبعد الرواية عن السرد التقريري, كما جعلها تنتمي إلى الكتابة الروائية الجديدة التي تبني حداثتها عبر استكشاف الهوية واختلاف الجنس الابداعي, تعاين بمصداقية ماهية التاريخ العراقي الحديث في لحظات تأزّمه, وتغوص في حيثيات الواقع برؤية إبداعية ترتكز على شعرية اللغة المحفزة للتفاعل الانساني, فالقارئ يجد نفسه أمام لغة من نوع خاص تسبر أغوار السرد عن طريق نضحها للمخزون الجمالي المتنمذج بصور الموت وهو يمكث على قلب الوطن, إذ يعمد الكاتب لإعادة تركيبها شعرياً في السياق, فتحقق انزياحاً صورياً ولغوياً في ذات الوقت.

       







اخر الافلام

.. الجيش الوطني الليبي يحرر حقل الفيل النفطي


.. الاتحاد الإنجليزي يفرض عقوبة على يورغن كلوب


.. إيران.. استمرار لغة التصعيد




.. ولي العهد السعودي يصل بكين في زيارة تستمر يومين


.. مظاهرات -موكب الرحيل- بالخرطوم.. مطالبة بإسقاط النظام وتشكيل