الحوار المتمدن - موبايل



38 سنة وأمنيات العراقيين..هي ىهي!(توثيق للتاريخ والأجيال)

قاسم حسين صالح

2018 / 12 / 20
المجتمع المدني


اعتدت من ثلاثين عاما ان استطلع توقعات العراقيين وامنياتهم في كل عام جديد،ولو انني جمعتها من يوم نشرت عنها اول مقالة بالصفحة الاخيرة في جريدة الجمهورية عام (95)، واطلّع عليها الناس لما صدّقوا أن امنيات العراقيين في سنواتهم الثمان والعشرين كانت بسيطة للغاية:(أكل رغيف خبز أبيض مو نخاله،تناول وجبة لحم ولو مرة بالاسبوع..وذلك في 13 سنة حصار،تلتها: توفير الكهرباء في حر تموز وبرد كانون،وشرب ماء حلو... في 15 سنة ديمقراطية).
وبالمناسبة..كان طاغية الدكتاتورية يأكل لحم الغزلان المطعم برائحة الهيل والشعب يأكل خبز النخالة المعجون بفضلات الصراصير،فيما كان حيتان الديمقراطية ينعمون بالكهرباء والشعب يتبرّد بالمهفة في الصيف وتغرق بيوته في الشتاء..واهل البصرة يشربون الماء المالح وانهار مدينتهم (سيان)..مع ان مدينتهم هي الأغنى في العالم.

أمنيات 2012
كان أول المسؤولين،وأصدقهم،الذي تحسس خيبات العراقيين هو الرئيس العراقي الراحل جلال الطالباني الذي تمنى في العام 2012 ان يكون "عاما لترسيخ مبادئ الوحدة الوطنية والتعايش المشترك على قيم العدل والمساواة ولترسيخ الأمن والإستقرار وتنظيف البيئة الوطنية من عوامل الشر والإرهاب والجريمة والفساد".وللأسف فان ما حصل كان عكس ما تمناه..فباستثناء التخلص من الأرهاب عسكريا ،فان العراقيين ظلوا يتمنون تحقيق الأمن،الذي يعد ثاني اهم حاجة سيكولوجية في هرم حاجات الانسان لكونها تتعلق بحاجة الانسان الى البقاء،وظل الطائفيون يعزفون على وتر الكراهية ويستمرون بنهب ثروة البلاد التي فتحوا لها خزائن احزابهم من عام 2005،وظلوا يسألونها هل امتلأت وتقول هل من مزيد!..فيما تخطى عدد من هم دون خط الفقر الخمسة ملايين.
امنيات 2015

وتوثيقا للأجيال وذاكرة التاريخ..فاننا كنّا توجهنا في الاسبوع الاول من آخر شهر في عام 2015 باستطلاع الى القرّاء تضمن هذين السؤالين:
• بماذا تصف عام 2015 بايجابياته وسلبياته؟
• ما هي توقعاتك الايجابية والسلبية في العام 2016؟
كان الهدف من السؤال الأول هو معرفة موضوعية التقييم او الحكم لدى العراقيين.فوجدنا ان المستجيبين توزعوا على صنفين(أسود وابيض)..اذ وصفه الفريق الاول بأنه:(عام الحروب والفقر والألم،والتوتر والصراعات،وقلّة الخبرات وتقشف الحكومات،وعام الحزن على هجرة الشباب العراقي..وعام ماساة النازحين.ومنهم من ذهب ابعد بوصفه انه عام اعداد مشروع التقسيم،ومنهم من سخر قائلا:(الله يخليك دكتور..ليش هي اكو ايجابيات).فيما وصفه الفريق الثاني بأنه عام:( الانتصارت على الارهاب،عام انتصار القوى المدنية من خلال حراكها الشعبي المستمر،وتزايد التظاهرات الاحتجاجية،وتسمية الفاسدين..وعام تقديم حزم الأصلاح..).


وللتوثيق ايضا:حملت الاسابيع الأخيرة من عام 2015 احداثا ومفاجئات سارة.ففيها كان مولد النبي الكريم محمد (ص) ومولد السيد المسيح(ع).وفيها تزامن- بحالة نادرة- صلاة قدّاس المسيحيين وصلاة جمعة المسلمين في آخر جمعة من 2015..وكأنهما اجتمعا ليذكّرا العراقيين بأن تعاليم القرآن الكريم تدعو الى التسامح واحترام الآخر بقوله(وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم)،التي تلتقي مع تعاليم الأنجيل القائلة(لله المجد في العلا وعلى الأرض السلام)..والأسلام تحيته (السلام)!.
ومع ان الاخوة المسيحيين اعتذروا حينها عن قبول التهاني لأنهم،بوصف بطريرك الكلدان في العراق روفائيل ساكو،حزانى على ما لحق بأحبتهم في أسوأ عام يمر عليهم في العراق..واجبار 120 الف مسيحيا على مغادرة الموصل في ليلة واحدة،فأن مدينة (القوش) بسهل نينوى صنعت شجرة ميلاد هي الأكبر في تاريخها وعاشت ليلة استثنائية من مظاهر الاحتفال باعياد الميلاد برغم انها ما كانت تبعد عن وحوش داعش سوى بضعة كيلومترات..في حالة تحد شجاع لأعداء الأسلام والمسيح.
وما يعجبك في العراقيين انهم برغم المحن التي حرمتهم من ابسط الأمنيات فانهم محبون للفرح والسلام،ففي مدينة الحلة كانت دمى بابا نوئيل يحملها اطفال بابل،وأشجار اعياد الميلاد تزين الساحات والشوارع،وأهلها المسلمون يحتضنون أخوتهم المسيحيين.والمفرح أن مدينة النجف الأشرف احتفت بحضور بابا نوئيل وزينت شوارعها باشجار ملونة..وقال أهلها النجفيون اننا نريد ان نردّ الجميل لأخوتنا المسيحيين الذين شاركونا أحزاننا في اربعينية الأمام الحسين بأن نشاطرهم أفراحهم بمولد السيد المسيح وعيد رأس السنة.وفي اربيل امتزج فرح المسيحيين بمشاعر محبة أخوتهم من الكورد والعرب..وتزينت محلات وشوارع مدينة (عينكاوه) بأجمل اشجار عيد الميلاد وانواع الأحجام الجميلة الملونة لرسول المحبة..بابا نوئيل..مشاعر لا اجمل منها ولا اصدق نتمنى ان نفتتح بها عام 2019.

امنيات 2016
وكان الهدف من السؤال الثاني هو معرفة حجم التفاؤل والتشاؤم لدى العراقيين بخصوص ما سيحدث في عام 2016..فتوزعوا ايضا على صنفين،اذ رأى المتفائلون ان العام الجديد سيشهد:(تغييرا على الصعيد السياسي افضل بفعل زيادة الوعي الشعبي لصالح القوى المدنية،وسيكون الاحتجاج اكبر،وستنهار المحاصصة،والعام الذي سيؤدي فيه السخط الشعبي الى ان يتوحّد العراقيون،والعام الذي سيشهد هزيمة القوى الطائفية).فيما توقع المتشائمون بان العام الجديد سيكون:( أسوا من سابقه..وسيكون عام قحط،وحالة من اليأس على الصعيد الاجتماعي،وزيادة معاناة الناس وحالات القتل والتهجير،والعام الذي سيشهد الصراع بين الكتل بسبب انخفاض تردي الوضع الاقتصادي).

امنيات 2018
وفي الشهر الأخير من عام 2017 توجهنا بهذا السؤال:
حدد أمنية شخصية واحدة،وامنية وطنية واحدة تريد ان تتحققا في العام الجديد 2018.
وكانت النتيجة ان توزعت امنياتهم الشخصية كالآتي:
أسرية تمثلت بـ"لم الشمل"،ما يعني ان الكثير من العوائل العراقية قد تفرقت في بلدان الشتات،و"الأطمئنان على الاولاد والأحفاد" ،ما يعني خوف الوالدين على حياة ومستقبل واولادهم. وسكنية تمثلت "ببناء بيت او التخلص من الايجار" ،ما يعني ان العراقيين يعانون من ازمة سكن.وفردية تمثلت "بالعودة الى حياة الريف والتخلص من صخب المدينة،والتحرر من الهموم النفسية وعدم التفكير بالرحيل عن العراق،وتحقيق زواج ثاني!،والحصول على مقعد في الدراسات العليا،ونشر مسرحية (وشاركته حينها أمنيته بان يتم اخراج مسرحيتي " قيامة العراقيين" التي عمل الفنان عبد المطلب السنيد على اخراجها ولم تساعده وزارة الثقافة.
فيما توزعت امنياتهم الوطنية كالآتي:

أن تنخسف الارض بالسياسيين اينما حلّو مثل انخساف الارض بقارون،خفض رواتب وامتيازات السياسيين في البرلمان والحكومة،ان تكون في البلد حكومة تكنوقراط منتخبة من قبل الشعب،ورؤية دولة مدنية ديمقراطية اتحادية في انتخابات السنة الجديدة،ان تكون انتخاباتنا وطنية تشهد صعود قوى مدنية نزيهة تكون رقما يؤهلها لتشكيل حكومة وطنية لا حكومة محاصصات وسرّاق.،وان يرتفع وعي المواطن لينتخب الكفوء والنزيه
،وان تحل مشكلة الخريجين،ما يعني كثرة البطالة بين خريجي الجامعات،واعادة الاعتبار للتعليم العالي في العراق،ما يعني تدهوره بسبب المحاصصة السياسية.

وكانت هنالك امنيات ساخرة،نلتقط منها الآتي: "ماتت في ادمغتنا خلايا التمني!"، "في بلدنا الحبيب كل ما تتمناه يتحقق لكن عكس المطلوب..تتمنى طماطه يجي خيار"،"ان ارى القانون هو السيد وليس السيد هو القانون"، "أن لا ارى ملتحيا في القنوات الفضائية"،"ان يتم القاء القبض على حوت فاسد ونرى كيف يفر الحيتان الآخرون من العراق كالجرذان"..وآخرها ساخرة موجعة:"عزيزي الدكتور هي امنية واحدة لا اكثر، ان يكون لي وطن!"
والفاجعة..ان ما تحقق هو عكس ما تمنوه..فلم تخسف الأرض بالسياسيين،باستثناء رفع بعض القطع الكونكريتية عن الخضراء(الأبتلاء) التي عزلوا بها انفسهم عن شعبهم لوجستيا ونفسيا،وانتقلت الأمور من المحاصصة السياسية الى المحاصصة العائلية،وصارت المناصب تباع وتشترى،والتزوير صار افضع وأشنع في الانتخابات..وظل العراقيون يتظاهرون ويحتجون من 2011 الى 2018 ،والحكومة والبرلمان منهم يسخرون..وظلّ لسان حال اليائسين القائلين: ( لم يبق لنا اماني نتوق لتحقيقها في وطن مات فيه كل شيء بفعل فاعل).

وما تخلص اليه سيكولوجيا ونحن نستقبل (2019)ان العراقيين ينفردون عن شعوب العالم بأن امنياتهم هي نفسها من ثمانية وثلاثين عاما!،وانهم يسيرون عكس الزمن،من سيء الى اسوأ.وان مزاج العراقي صيرته الأحداث ليكون أشبه بـالأرجوحه..(رايح..جاي)بين أزمة،انفراج،أزمة..فتراه يلطم وينوح صباحا في مأتم حزن صديق راح بانفجار، ويرقص "ويدك اصبعتين" مساءا في عرس صديق جادت عليه به الأقدار.

وتستنج ايضا ما يعدّ نظرية سيكولوجية عراقية هي أن عدوى التشاؤم تكون سريعة الانتشار في أوقات الأزمات،وعدوى التفاؤل سريعة الانتشار في اوقات الانفراج،لكن التفاؤل يكون بحذر عند القلّة ومعدوما عند الكثرة اذا كانت مناسبات الأزمات بحالات اكثر وبمدد أطول..وهذا هو الحال الذي سيبقون عليه في عامهم الجديد( 2019)،وما نخشاه..ان ياتي يوم نكتب فيه مقالة عنوانها:(امنيات العراقيين..هي نفسها بعد نصف قرن!)
.ومع ذلك فان العراقيين سيبقون يمارسون الاحتجاجات والتظاهرات في المدن وساحات التحرير مع انها وصلت جمعتها المئة والثلاثين..وما لهم من ناصر او معين! وما يدهشك..أنهم مع كل هذا يبقون متفائلين!







اخر الافلام

.. كندا تحذر من السفر للصين.. بعد حكمها بإعدام كندي


.. الأمطار الغزيرة تفاقم معاناة النازحين في مخيمات غرب إدلب - س


.. العواصف الثلجية تزيد معاناة اللاجئين السوريين بمخيم عرسال ال




.. تحذير دولي من سوء الأوضاع في مخيم الركبان للاجئين السوريين


.. -الجبهة الثلجية- تزيد من معاناة اللاجئين في مخيم الركبان