الحوار المتمدن - موبايل



النبوة (3)

آية الله الشيخ إياد الركابي

2018 / 12 / 21
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات



في الحلقة الماضية إنتهينا  من القول بإن   : - شهادة  أن محمداً  رسول الله -   ،  ليس  شرطاً  في إسلامية المرء ولا هي واجبة في جعل  الإنسان مسلماً  ،  ذلك إن الإسلام   هو دين  الله الذي أرتضاه لعباده  وليس هو دين محمد  ،   قال تعالى : - [  إن الدين عند الله الإسلام ] – آل عمران 19  ،  وبهذا التعريف  كان  كل أنبياء الله من المسلمين  دون إستثناء ، وأما هذه الشهادة المتقدمة  فلا تعني شيئاً  سوى   : -    الإقرار والإعتراف  والقبول  بنبوة محمد بن عبدالله وبرسالته  وإمامته  -   ،  ومن يقر ويعترف  ويقبل  بذلك  فقد أعتبر  من   -  الذين آمنوا  -   ، أي  إنه يدخل في حيز ودائرة  تلك الجماعة التي ورد ذكرها في مقابل الجماعات الأخرى  :  [  كالذين هادوا والنصارى والصابئين ]  ، فهي إذن صفة تعريف لا صفة  تقرير ،  وهي هكذا وردت  في سياقات النصوص     .
ومادمنا  في سياق البحث  عن  النبوة  ،  فإننا نقول  : -  إن النبوة  جوهر مستقل بذاته  دال  على المعرفة  اليقينية  التي بُعث بها  النبي ليكون فاعلاً   -  ،  وهذا يعني : - إن جوهر النبوة  هو تلك  القدرة المودعة فيها موهبةً وإصطفاءاً  - ،  ويكون فعل النبي  من خلالها  في الطبيعة والواقع  مقيداً   بماهو ممكن  بذاته   ، وإذا كان ذلك كذلك  فهذا يعني  : - إن ما يحصل عليه النبي من معرفة  لا يدخل في باب القدوة والأسوة -  ، ولا يمكن تمثله  في الواقع  ،  لذلك لم يرد في شأنه  : -  ولكم في نبي الله  أسوة -  ،  بل ورد ذلك في شأن الرسول  قال تعالى  : - [  لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ] – الأحزاب 21    ،  ذلك  لأن  العلة المنتجة للنبوة هي غيرها التي أنتجت الرسالة  ،  ولذلك فهي  ليست  علة يمكن  التأسي بها والعمل بموجب قوانينها  ،  ولهذا  : -  تعلق التصديق بالنبوة لا بسبب علتها المنتجة بل بسبب  فعلها في الواقع   -  ، والخطاب الموجه للنبي متضمن في العادة أسماء وصفات وأفعال  ، تتعلق  بالواقع وبالتاريخ   وبالغيب   ،  وما يتعلق بالتاريخ والغيب  هي تجليات تظهر له بالكشف  الغير مألوف    ، وليس بالكشوفات العادية  .
  وهنا ندخل بموضوعة  هامة  ألاَّ  وهي  علم الغيب  أو عالم الغيب  : -  وهل النبي يعلم ذلك   ؟    .
ننطلق  هنا أولاً  من تعريف الغيب  كما ورد في اللسان  العربي  الذي قال عنه     : [   إنه  كل ما غاب عنك  ]  فيُعدُ غيباً    ، ومن هنا ذهب  أهل  الميزان  لتبني  مفردتي  : -  الغيب  المادي  و الغيب  المعنوي  - ،  وعرفوا الغيب المادي  :  -  بأنه  ذلك  الشيء الذي يتعلق بالصورة والهيئة -  ،  وعرفوا الغيب المعنوي :  - بأنه ذلك الشيء  الخارج  عن عالمي الوجود والشهود  -     ،  ولكن  في الكتاب المجيد  جعل الغيب بمعناه  المطلق  هو لله  ومن الله  ،  قال تعالى : - [  فقل  إنما  الغيب لله ] – يونس 20  ، وأداة الحصر -  إنما -  قد جعلت الغيب ملكية خاصة به تعالى    ،  وبهذا الإعتبار يصح القول  :  إن علم ُ الغيب أو عالمُ  الغيب  دائرة مفاتحها  عند  الله  قال :  -  [  وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاَّ هو .. ]  -  الأنعام 59   ،   ولفظ  مفاتح  ليس  جمع مفتاح  أي الآلة  التي يفتح بها ما أغلق  ،   بل مفاتح  جمع مفتح  بمعنى  الخزائن  ،  ومعنى النص  : -  إن الله  عنده  خزائن الغيب  التي لا يعلمها  أحد سوآه  -  ،  أما قوله  تعالى  : -  [  عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد ]  -  الجن 26   ،  ففيه إطلاق لمفهوم -  عالم الغيب -  لكن ورود  التقييد اللاحق  بصيغة  الإستثناء  المنقطع   ، يدل على إمكانية  تزويد البعض  من الغيب  ،  يظهر ذلك  في قوله : [   إلاَّ من أرتضى من رسول ] -  الجن   27    ،  والضمير في عبارة  -   من أرتضى -   يعود  على الله   ، و التبعيض  والتنكير  في قوله    -  من  رسول  -  وردت  كدليل على من حمل الوحي  وجاء به  من عند  الله لمن أصطفاه من الأنبياء  
    وأداة الحصر أو الإستثناء  -  إلاَّ  -  إنما تتحدث  عن بعض الغيب  الذي يظهره الله لبعض رسله من ملائكته   ،  ويُفهم هذا  من إطلاق لفظ  -  أرتضى -  كونه مشعر بذلك  ،  وصيغة أرتضى  غير صيغة أصطفى الخاصة  بما يُناسب النبوة والأنبياء  ،  وجملة   - إلاَّ من أرتضى من  رسول  -  دالة على  الملاك  الذي أرتضاه  الله  ليكون  حاملاً  للوحي  ،  والجملة  لا تدل على  من يُبلغ وينفذ الأوامر والنواهي  والأحكام  ،  (   لأن  هذه  الجزئية ليست  من عالم الغيب الذي يتحدث عنه النص   )   ،  وكما قلنا : -  لا بد  أن يكون هذا الملاك  الذي  أرتضاه الله  ليخبر  النبي  قد  أطلعه الله  على هذا الغيب  -   ،   فمثلاً   قصة  إبراهيم   وقصة  لوط  وقصة  موسى أو قصة عيسى أو قصة  مريم وغيرها  ،  بُلغت  للنبي بواسطة هذا الرسول  الذي أرتضاه  الله  ، فأطلعه على ذلك   ،  ويجب أن نفهم   : -  إن  صيغة الإظهار أو الإطلاع  في هذا الباب  ،   (  هي  تجليات وإيحاءات  وليست حروفاً أو كلمات   )   -   ،  وهذا ظاهر في  قوله تعالى : -  [ فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا *  ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ]  -  الجن  27  ، 28   ،  وهذه الحتمية  أو قل هذه  الجبرية  تكون  مع الرسل  الغير مخيرين  والغير  مجتهدين   ،  الذين وصفهم الكتاب  بالقول : [  ..لا يعصون الله ما أمرهم  ويفعلون ما يؤمرون ] -  التحريم  6   (  وهذه  صفات  الملائكة )   .
  لكن  الرسول  الحاكم  الدنيوي  يكون  فعله  وعمله  قائماً  على الإجتهاد  والنظر  ،  وليس  فيه جبرا أو  تفويضا  ،  إنما فعله وعمله خاضعاً  للواقع ومتناسباً مع الطبيعة ،   بدليل قوله  : [  لا يكلف  الله نفسا إلاَّ وسعها ... ] – البقرة 286  ،  ويتعلق هذا  بالكيفية والطريقية في تنفيذ الأوامر والنواهي  ، ونعود  لنقول  : -  إن الإظهار  في معناه  يكون  على شكل وسيلة إيضاح  رمزية -   ،  ولكن  ماذا  نعني بذلك  ؟   ،  نعني به  إن فعل المضارع يسلك لما جيء به هاهنا  ،  أستخدم  كعامل  رصد ومتابعة   في طريقة فهم  الوحي  وإيصال  معناه  ، وفي هذا تكون الإشارة هنا بمثابة الضبط  والإحكام  في عملية الإبلاغ  الموكل  بنقلها الملائكة  للأنبياء  .
لذلك   قيل  :  - وهذا  فعل  وأداة مساعدة  في فهم النبي  جاء بها الوحي  -    ،   ولكن  كيف  وماهي لغة التخاطب بين الملاك والنبي  ؟ ، لغة التخاطب  مرتبطة  بحسب  طبيعة  وكيفية الوحي  ، ولايمكن الجزم بطبيعة لغة الملائكة    إذ  ليس هناك  لغة  معينة ومحددة  يمكننا وصفهم بها  ،  إنما اللغة التي نفهمها عنهم  هي عبارة عن   رموز وإشارات  (  إيحاءات )   تُحاكي عقل النبي ومُقدار فهمه   ،  ومن خلال  ذلك  تتم عملية إيصال المعنى المطلوب للنبي   ،  والنبي  مكلف بوضع هذه المعاني في قوالب لفظية دالة ومناسبة للمعنى المطلوب  ،   ويعني هذا  إن ما يحصل  عليه  النبي من الملائكة هو عبارة عن  معاني  وليست إلفاظاً  وكلمات   ، لكن النبي  فهم هذه المعاني بلغته  وصبها في قوالب لفظية مناسبة وبنفس السياقات المطلوبة  ،  وكأن  هناك تماهياً  وليس تخيلاً في المعاني والألفاظ  بين الملائكة والنبي      .
  يجري  هذا  وبنفس السياق  حتى في النصوص التي  نسمع  بها  انه قال  – إنني أنا الله -  ،   أو -  لاتخافي ولا تحزني -   ،   أو  -  قال إنما أنا رسول ربك -  ،   أو -  قالوا نحن رسل ربك -  ،  وكأن هذه الصيغ وغيرها  وردت بصيغة  كلمات  وحروف  ،  والحق إنها لم تكن كذلك  ،  أي إنها لم تكن كلمات وحروف  ومفردات لفظية  ،  إنما  كانت  معاني تصورها النبي  ووضعها  في قوالب لفظية  متناسبة معها   ،  وإلى ذلك يُشير صاحب الكفاية في قاعدة التناسب بين الحكم والموضوع  ،   تلك القاعدة  المضطردة  والتي  تجري في كل ماهو متصور وممكن    ،  وفي بيان ذلك والرد عليه  قال تعالى   : - [  وللبسنا عليهم ما يلبسون  ]  - الأنعام 9  ،  أي بالإستحالة  في  مستوى الهئية والصورة ،  وهذا القيد يسري حكمه  على كل الإطلاقات الواردة في الصيغ المتقدمة  (  سواء في حكاية إبراهيم  وقصة العجل الحنيذ أو لوط وقصة قومه الذين جاوءا يهرعون )    ،  والتي قد يفهم منها ذلك المعنى البعيد  .
  وبنفس الدليل  يمكننا القول  : إن لغة الله  غير قابلة للتصور ،  حين نفهم  أو نريد منها هذه الكلمات والحروف  ،  وحين يوصف  بالمتكلم  فالوصف  صفة بيان للمخاطب  لا تدل على الذات  ولا تخبر عنه   ،  وقد قلنا في غير مناسبة  (   إن  صفاته  غير ذاته )  ،  وللتوكيد  ورد القول التالي : - [  .. ليس كمثله شيء .. ] -  الشورى 11  والكلام عن الذات  .
ونعود للقول   : -  إن النبي  لا يعلم الغيب  -  ،  وأما ما يحصل عليه  من علم  فهو  معرفة  غير مسبوقة  يأتي بها  الوحي  ،  ومع العلم بهذه المعرفة تصبح حقيقة طبيعية أو علماً طبيعياً   ،   وكل  شيء  لا يُعلم  أو يكون مجهولاً  يُعدُ  غيباً  ،  ومع العلم به تنتفي عنه صفة الغيب ويصبح واقعاً  يُفهم من خلال علله   ،  التي تكون بالفعل قد أصبحت معلومة  [  ومن هنا نقول : - ليس في كتاب الله غيب  -  ]  ،  وقد دل على ذلك  ماقاله  الإمام علي  عن معنى الغيب في الكتاب  ،  نعم هناك إشارة للغيب  كما يظهر في قوله تعالى   : - [  1 – إن الله عنده  علم الساعة ، 2  -  وينزل الغيث  ، 3  -  ويعلم ما في الأرحام  ، 4  -  وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ، 5  -  وما تدري نفس بأي أرض تموت .. ]  -  لقمان  34  ،  وقد أختُلف  في معنى و مفهوم  - علم  الساعة –   ،  فمنهم  من أعتبر العلم بالساعة دليل على يوم القيامة  ،  والمُراد بيوم القيامة  هو   قيامة الإنسان  التي تكون  عند موته مباشرة   ، ومنهم من أعتبر العلم بالساعة  هو العلم بنهاية الكون   .
  وفي الحالة الأولى :  تكون الساعة أو العلم بالساعة حكاية عن موضوعة الموت عن الكيف وعن الزمن ، بمعنى إن العلم بكيفية الموت وزمن الموت  هو مما أختص الله بعلمه ،  وبما  إن الموت هو قيامة الكائن البشري ،  فيكون  العلم بالساعة بهذا المعنى هو العلم  بزمن الموت وكيفيته  ،  يعني العلم بقيامة الإنسان  .
  وفي الحالة الثانية :  يكون العلم بالساعة  هو  العلم بنهاية الكون  ،  ونهاية الكون مرتبطة  بمعرفة  العلل  المنتجة لهذا الكون ،  أي  العلم بالغاية من وجوده  ، وفي هذه الحالة  تنتفي الغاية  من وجود هذا الكون ،  فينتهي إلى زوال بعد أن يفقد مبررات وجوده  ، فيكون العلم بالساعة  بهذا اللحاظ  أيئذاناً بنهاية الكون  ، ولكي يكون ذلك ممكناً  لا بد من عمل وجهد يقوم به -  الراسخون في العلم  -  لمعرفة هذه العلل وغايات وجودها   ، وهؤلاء  وحدهم القادرون على تحليل الكون ومعرفة خفاياه ومعرفة العلة من وجوده   ،  هذه النقطة قال عنها الله إنها من علم الغيب الذي هو من أختصاصه    .
  والموضوعات الأربعة  الأخرى المذكورة في سورة لقمان   تقع في تلك  الدائرة  ،  أي في دائرة البحث  عن العلل  المؤدية  إليها ،  وكشف ذلك من مهمات  -  الراسخون في العلم  -  ، أعني  معرفة  تلك العلل   ممكن  في ظل  تطور أدوات وآليات البحث العلمي   .  
ولكن هل النبي  هو من  - الراسخون في العلم -  ؟   ،  في تعريفنا للراسخين في العلم  قلنا : إنهم  تلك الجماعة التي تعتمد في تحليل الموضوعات على البحث والإستقراء والبرهان  ،  وفي ذلك الطريق يستخدمون أدوات بحث علمية ومعرفية خالصة  ،  وبما إن النبي   ليس باحثاً  علمياً  أو يستخدم أدوات  البحث العلمي  ،  لذلك فهو بهذا اللحاظ ليس راسخاً في العلم   ،  إنما  هو  موجه  للعقل  لكي يستخدمه ويسخره  في المجال العلمي ،  وإخراجه  من دائرة الصمت إلى دائرة الحركة والبحث    ،  وإلى ذلك  أشار النص الآتي حين قال    : - [  إن أستطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلاَّ بسلطان ] – الرحمن 33  ، والكلام فيه  عن القابلية وعن الإمكانية  ودعوة  العقل  لإكتشاف المجهول  ،  عن طريق  البحث العلمي  والنظر من خلال  الآليات  و الأدوات   ،  والتي بها ومن خلالها يمكنه  النفاذ  والتحرك  ،  لمعرفة العلل الحاكمة لهذا الكون  ،  وقد أستخدم فعل الأمر  -  أنفذوا -  ولكن  بشرط  التمكن  من  معرفة  العلل  التي من خلالها يتم النفاذ  أو المساهمة في عملية النفاذ ،  وهذا  يعني  إدراك ما يوافق قانون  الطبيعة  و الوجود   .
يُميز  العرفاء في مقولاتهم  بين  الصورة اليقينية   و المعرفة اليقينية  ، كتلك التي يحصل عليها النبي عن طريق الوحي ، فالمعرفة  اليقينية  هي معرفة  بالرموز والإشارات  ( الإيحاءآت )  ،  والصورة اليقينية سابقة للمعرفة  وتظهر عند الكلام عن متلازمة  الوحي والنبوة   ،  والإيحاء أو الوحي  مشتق  في العهد القديم    من لفظ  -  روا  -  التي تدل على كلمة  -  روح  -  في العربية   ،  ومعناها    -  الريح -  ،  ولها إشتقاقات متعددة في اللغة  العبرية   ، منها الذي  :
1  -   ورد بمعنى   -  نسمه  -  كما في المزمور 135  النص  17  قوله (   وليس في أفواههم  نسمة )  .
2  -  ورد  بمعنى   - نفخ فيه -    كما في سفر صموائيل -  الأول 30 : 12 -  قوله  ( وعادت إليه روحه )  أي نُفخ فيه   .
3  - ورد  بمعنى   - قوة   -  كما في سفر يشوع ( 2: 11 )  قوله  (  ولم يبق في أحد روح )   -  .
4  - ورد  بمعنى  - صفة  للقدرة -   كما في سفر أيوب  (  32 : 8 )  قوله  -  لكن في البشر روحاً -  ،  أو كما قال في سفر العدد  (  26 : 18 )  -  إنه رجل فيه روح -  .
5  -  ورد  بمعنى   - رأي  -  كما في سفر العدد (  14 : 24  )  قوله  -  فيما أنه كان له روح آخر -   اي رأي آخر  أو فكرة أخرى  ، قال في الأمثال :  (  1 : 23 )   - فإني  أفيض عليكم  من روحي -  .
6  -  ورد  بمعنى  - نفس الإنسان  -  كما  في سفر الجامعة  (  3 : 19 )  ،  قوله -  ولكليهما روح واحد -  أي  نفس واحدة   .
7  -  ورد بمعنى   - جهات العالم  -  كما في سفر حزقيال  (  37 : 9  و42  )  ،  قال -  بسبب الرياح التي تهب منها -  .
وفي - أشعيا وروحكم نار تأكلكم  -   ،  إذن  فكلمة  (  روا )   العبرية التي مرت ترجمتها ، إنما  تعبر عن  الروح  في كل هذه المعاني  المتقدمة  ،  ويظهر ذلك  في شرح التوارة  البابلية  لمعنى  روا على أنها  الروح أو هي الروح   ، وبحسب المزمور السابع  فالروح ليست واحدة بل هي أرواح متنوعة  تكون بحسب الطبيعة  والوضع  ، فمنها العالية ومنها  الهابطة ومنها الشريرة ومنها الطيبة  ،  وهذا المعنى يقترب من المعنى الوارد في سورة الشمس  النص رقم  8  ،  قوله تعالى : -  (  ونفس وما سوآها فألهمها فجورها وتقوآها )     ،    ولابد من التذكير  هنا  بأن اللغة العبرية حين تستعمل المصدر ، تستخدمه  بصيغة الصفة   وهذا شائع جداً    ..
 ونعود لنقول : -   أن  لا  ملازمة  عقلية  بين صورة اليقين  ومعرفة اليقين  -  ، كذلك لا ملازمة  عقلية  بين المعرفة  وبين طبيعة  الذات   ،  ونقصد بالمعرفة  تلك  التي يحصل عليها النبي  بواسطة الوحي ،  وهذه  المعرفة  من صفاتها النسبية  والمحدودية  لكونها تتعلق  بموضوعات معينة   ،   ولهذا  لا يصدر عنها إلاَّ فعل مخصوص واحد ، وحتى يتمكن النبي   من هذه المعرفة  لا بد  أن يكون بينه  وبين  الملاك  شيء مشترك  ، وهذا الشيء  هو الذي يُسهل عليه  عملية الفهم  والإدراك   ،  ولولا ذلك الشيء المشترك بينهما   لما تمكن النبي من فهم إيحاءات الملكوت ورموزه وإشاراته ، ولولا ذلك أيضاً  لمتنع وجود المعاونة بينهما  ، ويدخل في ذلك  الشيء  المشترك  الغاية الفاعلة والغاية القابلة والغاية التامة ، وشرط وجود أياً من هذه الغايات   مرتبط بوجود علة من سنخها لا تنفك عنها ولا تحول  .
 وتكون النبوة بهذا الوصف معقولة لمن يؤمن بها ولمن هو شاك أو ناف لها ، لأن هذا يأتي  من طبيعتها أو من خلال ما تتم به في التتالي أو في التبدلات .
وقد أعتبرت  المباحث الكلامية  هذا الشيء  هو -  مبدأ اللطف  -  والذي يعني  :  -  إن وجود النبوة لطف من الله   -  ، وبما إنها كذلك  فهي  تنقسم  عندهم  إلى  ثلاث معان
أولها   :  أن يكون اللطف  بمعنى التفضل الدال على  التقدم على الغير ، كما نقول فلان فائز بتفضله على غيره .
وثانيها :  أن يكون اللطف  بمعنى  التفضل  أي (  الموهبة المجانية )  ،  كقولنا أنا أوليك هذه المكرمة .
وثالثها :  أن يكون اللطف   بمعنى التفضل  عرفان الجميل ، كقولنا  أنَّا نقابل الفضل بالنعمة .
وثاني هذه المعاني يتوقف على الأول ،  [  فإن هبة شيء ما إلى بعض الناس مجاناً  ]   ،  إنما ينشأ عن الحب الذي يظفر الموهوب إليه بحظوة عند الواهب  ،  والمعنى الثالث  يصدر عن المعنى الثاني ، فإن -  المنُ يتبع الصنيعة -  ،  وواضح إن الفضل بالمعنيين الأخيرين يوجب في مقابلها شيئاً ، وهو في الأول الموهبة المجانية ، وفي الثاني عرفان هذه الموهبة ، ولكن اللطف بالمعنى الأول فيه فرق بين لطف الله ولطف الإنسان ، إذ إن لطف الله بمعنى محبة الله الأزلية التي يحظى بها  من قد أصطفاه وقربه ، وهذا هو الذي يُبنى  على يقين خالص ..
آية الله الشيخ إياد الركابي
14 ربيع الآخر 1440







اخر الافلام

.. معلومات طريفة ومثيرة للدهشة لم تسمع بها من قبل معلومة


.. خلافات ترمب مع خصومه وصلت إلى مواجهة مع زوج مستشارته


.. ماي تعلن .... بريطانيا لن تغادر الاتحاد الأوروبي في الموعد ا




.. إعصار إداي يسبب كارثة كبرى في زيمبابوي وموزمبيق


.. خامنئي وروحاني يعترفان بأزمات إقتصادية في إيران