الحوار المتمدن - موبايل



العالمانية (بالألف) وعلاقتها بالدين والسياسة

طلعت رضوان

2018 / 12 / 22
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


{كنتُ أسعى إلى الفضيلة، كى نتمكن من ممارسة حريتنا على نحوأفضل. كنتُ أومن
ببلد يخص الجميع، يضم الجميع، مهما كان جنسهم أوعرقهم أودينهم أوعقيدتهم}
(الحكيم سينيكا– فى رواية "كرسى الرئاسة للمبدع كارلوس فوينتس)
{حاول رؤساء الفاتيكان شراء عقل وضميرالفيلسوف فولتير(1694- 1778) بــــأنْ
عرضوا عليه منصب (كاردينال) فقال لهم (( لا.. لن أكون كاردينالا معقود اللســـان
وأنا أمتلك السيادة الفكرية)) }
{من يبدأ بحرق الكتب، ينتهى بحرق البشر- من كتاب تاريخ البشرية الذى لم يُكتب بعد}
000
يرى الأصوليون أنّ العلمانية تسعى لإقامة دنيا بلا دين، فى حين أنّ تجربة تطبيق مبادىء (العالمانية) فى بعض الدول تؤكد العكس..و(العالمانية) تُكتب بالألف، لأنها تعنى الإهتمام بشئون العالم الدنيوى..وأنّ الربط بين المصطلح ومعنى العالم أدق، لأنّ الترجمة الصحيحة هى (الزمانية) لأنها ((ترتبط فى اللغات الأوروبية بالأمورالزمنية، أى بما يحدث فى هذا العالم وعلى هذه الأرض)) (د.فؤاد زكريا- مجلة قضايا فكرية- أكتوبر85..وأنظرد.مراد وهبة فى كتابيه (جرثومة التخلف)، (ملاك الحقيقة المطلقة) هيئة الكتاب المصرية- مكتبة الأسرة- عام 1998، 1999على التوالى) وكتاب الأسس الفلسفية للعلمانية للمفكراللبنانى عادل ضاهر- دارالساقى– بيروت– لبنان ط 2 عام 1998) وآخرين. أما الإهتمام بالعلوم الطبيعية فيأتى كنتيجة لتطبيق مبادىء العالمانية..ويرى د.صادق جلال العظم أنّ العلمانية مع ((الحياد الايجابى للدولة بأجهزتها إزاء الأديان والمذاهب الموجودة فى المجتمع وبخاصة فى المجتمعات التى تحوى أقليات دينية كبيرة ومؤثرة وفاعلة كما هوالحال بالنسبة لمسلمى الهند ومسيحيى مصر)) (العلمانية والمجتمع المدنى- مركزالدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان- عام 88 ص 8)
العالمانية والقيم الروحية:
إنّ أعضاء أحزاب الخضرليس لهم أى دورفعال إلاّ فى ظل المجتمعات المؤمنة بمبادىء العالمانية لأنهم أحرارفى مجتمع يعترف بحرية الإنسان، فتحدوا حكوماتهم فى دفن النفايات النووية سواء على أراضيهم أوعلى أراضى شعوب أخرى..والمتطوعون الذين يذهبون إلى مناطق المجاعات والكوارث الطبيعية ويُعرّضون أنفسهم لانتقال الأمراض المعدية إليهم هم أبناء ثقافة العالمانية..والفلاسفة الذين أدانوا الحروب وهاجموا رؤساء أمريكا عالمانيون أمثال برتراند رسل وسارتر. بل إنّ أينشتين (موسوى الديانة) رفض عرض بن جوريون بأنْ يكون رئيسًا لإسرائيل..ورفض سيجموند فرويد (موسوى الديانة) الدعاية لقيام دولة إسرائيل وعارض فكرة إقامة الدولة الإسرائيلية لعدم اقتناعه بإنشاء وطن لليهود على أرض شعب آخر..ورفض الكاتب المسرحى آرثرميلرجائزة القدس التى منحتها له الحكومة الإسرائيلية تعبيرًا عن استيائه من سياسة شارون ضد الفلسطينيين.
كما أنّ 37 أستاذًا من جامعة بن جوريون فى بئرسبع وقعوا على مذكرة احتجاج على منح شارون شهادة دكتوراه فخرية. فهل هناك مرجعية أخرى غير(الضميرالإنسانى الحى) وغير(البعد الروحى)؟ وبماذا نصف تصريح وزيرة العدل الألمانية التى قالت ((إنّ سياسة جورج بوش أشبه بأساليب الزعيم النازى هتلر))؟ وبماذا نصف تصريح الكاتب المسرحى البريطانى هارولد بنترعقب شفائه من السرطان الذى قال فيه إنه لن ييأس من السعى لتقديم كلينتون وتونى بليرلمحكمة مجرمى الحرب، وأضاف أنه شاهد بعينيه الفظائع التى ارتكبتها القوات الأمريكية والإنجليزية فى حرب البلقان، وبماذا نصف تبرعات الرأسماليين فى الأنظمة العالمانية للأبحاث العلمية والجمعيات الخيرية والمستشفيات. أليس هوالبعد الروحى؟
وفى الحضارة المصرية ساوى المصرى القديم بين رذيلة الكذب والبراز(أنظركتاب الموتى– ترجمه عن الهيروغايفية- محسن لطفى السيد– روزا ليوسف عام 2004، هيئة قصورالثقافة عام 2010) أما بوذا (563- 483ق.م) فذكرأنّ الوصول للسعادة تتمثل فى مجاهدة النفس حتى تبتعد عن ((الكذب والنميمة وتجنب القتل والايذاء والتعفف عن السرقة والغش والنشاط الجنسى غيرالأخلاقى واحترام الكائنات الحية جميعًا)) وعن البعد الروحى فى البوذية كتب العالم جون كولر((تركت التعاليم الفلسفية الخاصة بالبوذية أثرها فى جانب كبيرمن الحضارة الآسيوية. فقد تغلغلتْ البوذية على نحويفوق أى دين آخرفى الثقافات التى ارتبطتْ بها: بورما،سريلانكا، كمبوديا، تايلاند، لاوس، التبت، الصين، كوريا، اليابان، فيتنام، حيث سيطرتْ البوذية. وفى مقدمة خصائص البوذية الكرامة الإنسانية، التسامح، روح الشفقة واللاعنف)) وعن الكونفوشية كتب ((أكدت المدرسة الكونفوشية أنّ الأخلاق والخيرفوق القوانين)) (كتاب الفكرالشرقى القديم – تأليف جون كولر- ترجمة كامل يوسف حسين- سلسلة عالم المعرفة الكويتية- رقم 199- يوليو- 1995– ص 319)
العالمانية ومؤسسات الدولة:
تتأسس العالمانية على فصل المؤسسات الدينية عن المؤسسات السياسية. أى أنها لاتعنى فصل الدين عن المجتمع..وهى تُفرّق بين الشخص الطبيعى الذى له حق اعتناق مايشاء من أديان ومذاهب وفلسفات وبين والشخصية الاعتبارية (الشركات والهيئات والوزارات) فهى ليس لها دين ولاتتعامل بالدين وإنما بقوانين ولوائح..ويؤكد ذلك أنّ الأنظمة العالمانية فى أوروبا وأمريكا والهند واليابان إلخ تسمح ببناء كل دورالعبادة، وأحيانــًـا تكون الكنيسة والمسجد فى حالة تلاصق..وقد صرّح مفتى جمهورية البوسنة والهرسك د. مصطفى سيريتش أنّ ((السويد تُساهم فى ترميم مساجد ومعالم إسلامية تاريخية فى مناطق مختلفة فى البوسنة بغرض إحياء هذا التراث الحضارى الفريد فى أوروبا لاعتبارات ثقافية وإنسانية)) (صحيفة القاهرة- 25/10/2005- ص 4) فى حين أنّ دولة عربية لاتوجد بها كنيسة واحدة. بل إنّ مصر(رغم أنها ليست ثيوقراطية بنسبة 100%) فإنها تــُـفرّق بين بناء المسجد وبناء الكنيسة.
الفصل بين المؤسسات الدينية والمؤسسات السياسية هوالسبيل الوحيد لدرء توظيف الدين (الثابت والمقدس) لصالح السياسة (المتغيرة وغيرالمقدسة) إنّ هذا الخلط بين مؤسسات شئون التقديس وشئون السياسة جعل رأس المواطن أشبه بكرة القدم، فالإصلاح الزراعى حلال لأنّ السلطة السياسية (عهد عبدالناصر) أرادتْ ذلك . ثم هوحرام عندما تغيرموقف الحكم. حتى الحروب (غزوالعراق للكويت ثم غزوأمريكا للعراق نموذجًا) والمعاهدات الدولية والاكتشافات العلمية بما فيها الطب، تخضع لمرجعية مؤسسات شئون التقديس وليس للعلماء، فينحط البحث العلمى ويتحمل البشرالخاضعين للشيوخ ضريبة التخلف..ولعلنا نتذكرضحايا شركات توظيف الأموال (= نهب الأموال) الذين ردّدوا وراء موظفى الدين: هل نأخذ العوائد الحلال المرتفعة وندخل الجنة، أم نودع فى بنوك الدولة وندخل النار؟
اللغة الدينية وهدم الولاء الوطنى:
مع غياب العالمانية يعلوصوت اللغة الدينية. فلاتجد فى التعليم والإعلام تحليلا نقديًا لخطاب الأصوليين بل تجد تمجيدًا لهم أمثال جمال الدين الإيرانى الشهير بالأفغانى الذى روّج لمقولة (الرابطة الدينية) حيث ((لاجنسية للمسلمين إلاّفى دينهم)) (العروة الوثقى 26/7/1884) أوحسن البنا الذى قال ((نحن نعتبرحدود الوطنية بالعقيدة وليس بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية)) أوأ. مهدى عاكف الذى لم يربأسًا أنْ يحكم مصرخليفة من ماليزيا لمجرد أنه مسلم، بينما العقل الحرمثل أحمد لطفى السيد، يرى غيرذلك فكتب ((الإسلام ليس لمسلم بوطن، فوحدة الاعتقاد الدينى ليست كافية لإقامة وحدة التضامن الوطنى)) (الجريدة 10/3/1907) وكتب عميد الثقافة المصرية (طه حسين) ((من المحقق أنّ تطورالحياة الإنسانية قضى منذ عهد بعيد بأنّ وحدة الدين ووحدة اللغة لاتصلحان للوحدة السياسية ولاقوامًا لتكوين الدولة)) (السياسة31/12/1923)
العالمانية وقانون التغير:
يتجاهل الأصوليون وقائع التاريخ الإسلامى الذى أثبت فى أكثرمن واقعة أنّ قانون التغير جعل خليفة فى قامة عمربن الخطاب يرفض أنْ يكون النص الدينى مرجعًا له مثل موقفه من (المؤتلفة قلوبهم) وعدم قطع يد السارق فى عام المجاعة إلخ..ويتجاهلون ماحدث مع النبى عندما تعرّض لجماعة خالفته فى الرأى فحاول اقناعهم بآيات من القرآن. فتدخل على بن أبى طالب وقال قولته الشهيرة ((لاتحاجهم بالقرآن فإنّ القرآن حمّال أوجه)) وأكثرمن ذلك فإنّ النبى من منطلق نظرته الواقعية نصح (بُريده) أحد قادته فى إحدى الغزوات قائلا ((إذا حاصرتَ أهل حصن فأرادوك أنْ تنزل على حكم الله فلا تُنزلهم على حكم الله..ولكن أنزلهم على حكمك. فإنك لاتدرى أتصيب حكم الله فيهم أم لا)) (المستشارمحمد سعيد العشماوى- الإسلام السياسى- سينا للنشرعام 87 ص 117، 160) وهل تستطيع أية دولة (دينية) أنْ تُصدرقانونًا يُنظم أحكام الرق أو ماملكت أيمانكم المنصوص عليها فى القرآن ؟ إنّ العالمانية هى الأساس لضمان حياد منظومة الحكم ، حياد يعتمد على (أفعال) المواطن وليس على (معتقداته) وبالتالى فهى تــُـعلى من القيم الروحية النبيلة طالما أسّستْ قواعد العدل والمساواة بين المواطنين بغض النظرعن معتقداتهم الدينية والمذهبية. كما أنّ قانون التغيرهوالذى نقل البشرية من مرحلة إلى أخرى أكثرتطورًا. وصدق العلامة الفارسى الشهرستانى الذى ذكرأنّ الحوادث والوقائع والتصرفات يصعب حصرها وأضاف ((ونعلم قطعًا أنه لم يرد فى كل حادثة نص..ولايُـتصورذلك أيضًا. والنصوص إذا كانت متناهية فالوقائع غير متناهية..ومالايتناهى لايضبطه مايتناهى))







اخر الافلام

.. ميليشيا أسد الطائفية تستقدم تعزيزات عسكرية للسويداء - سوريا


.. قتلى مدنيون بقصف لميليشيا أسد على كفرنبودة وقرية الشريعة شما


.. ترامب وأردوغان يتفقان على التنسيق بشأن مناطق آمنة بسوريا




.. ميليشيا أسد الطائفية تستقدم تعزيزات عسكرية للسويداء - سوريا


.. سعوديتان مرتدتان عن الإسلام تعلقان في هونغ كونغ أثناء الهرب