الحوار المتمدن - موبايل



العنف، القوة، الرياضة والمدينة: كيف يهذب الأيكيدو العنف خدمةً للسلم الاجتماعي؟

فؤاد بلحسن الخميسي

2018 / 12 / 22
المجتمع المدني


«اطْوِ عدوك في قلبك!»
موريهي يوشيبا (مؤسس رياضة الأيكيدو)



هل كُتب على الكائن أن يلازِمه العنف العاري كما يلازمه ظله؟ كيف جعل من العنف الجسدي المسلط على المرأة قواما لكمال رجولته؟ هل يملك العنف أي شرعية خارج إطار الدفاع الشرعي؟ هل للعنف من بديل من داخل العنف ذاته؟ كيف يبني العنف الحضارة/الـمَدَنية؟ أسئلة وأخرى تُطرح برسم مساءلة العنف، بعد أن تحرر من الكثير من القيود الأخلاقية لدرجة بدأ يهدد الإنسان في معناه ووجوده. كيف لا والكائن أمسى يُطبِّع مع العنف حتى في صوره الشنيعة؟!! فلا غرابة إن قلنا اليوم أن العنف أمست له ثقافة خاصة بطقوسها وأساليبها ومؤثراتها الصوتية وأدواتها التكنلوجية، إلى درجة أن الإنسان، وهو يخطو في هذا الطريق اللاإنساني، دخل فعليا طور استحداث ضروبا جديدة من الفنون في مجال الجريمة والعنف قوامها فن التنكيل، فن التعذيب، فن الاغتصاب، فن السب والقذف، فن الاعتداء، فن القتل وفن الإرهاب. وأعتقد أنه لن يكون أمرا غريبا في الأمد القريب العثور على دليل مكتوب يحمل عنوان «تعلم فن القتل ببشاعة في 7 أيام»! ألم يكن «التشرميل» مصداقا عمليا لهذا الدليل وهذه الثقافة؟!
تُقدم رياضة الأيكيدو (Aikido)، باعتبارها فنا من فنون الحرب، أجوبة كثيرة من شأنها تقويم الكثير من الانحرافات التي انعرجت بمفهوم العنف إلى حيث يجعل من الكائن خطرا على نفسه. والسؤال الذي يمكن أن ننطلق منه ويطرحه كثيرون هو: كيف لرياضةٍ ما من رياضات فنون الحرب أن تكون وسيلةً لتكريس السلم الاجتماعي داخل المدينة، أي مدينة؟
تأسس الأيكيدو كنسقٍ ذو خلفية فلسفية ورؤية خاصة خلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين في اليابان من قبل الأستاذ الكبير (O’Sensei) موريهي يوشيبا (Morehie Ueshiba)، حينما استكمل هذا الأخير مشوار تدريباته لدى العديد من كبار أساتذة فنون الحرب اليابانية وغير اليابانية. فبعد مشوار طويل من التدريبات الصارمة ورؤية أهوال الحرب العالمية الثانية والاتصال بمجموعة من الفلاسفة ورجال الدين، اهتدى موريهي إلى فكرة ثورية مفادها أنه يمكن أن تكون هناك رياضة تصنف ضمن فنون الحرب لكنها في نفس الوقت أداة لتكريس السلام وخدمة الإنسان.
يدخل الأيكيدو عالم الرياضة والمدينة بعُدَّة نظرية تقلب العديد من المفاهيم والرؤى في مجال رياضات فنون الحرب وعلاقتها بالإنسان والجماعة الانسانية. هنا، في هذه الرياضة، لا مكان للحديث عن الخصم، بَلْه الحديث عن العدو. يكون الآخر في قاعة التدريب (Dojo) شريكا. وتكون العلاقة بين الممارس المهاجم (Uké) والمدافع (Toré) مبنية على الشراكة لتحقيق هدف مشترك: التناغم والمساعدة المشتركة لتطوير الذات. فمنذ البدء، وقبل انطلاق عمليتَـي الهجوم والدفاع، يتواطؤ الممارسان على ميثاق ضمني: نحن هنا لنتعاون، لنتكامل ونربح معا. ولهذا لا توجد مبارزة تنتهي بكسر خاطر أو إراقة ماء وجه أحد الممارسين، من خلال الاعلان عن خاسر ورابح. فلا وجود لمبارزة هذا هدفها هنا، سواء داخل قاعة التدريب أو على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو الجهوي أو الوطني أو الدولي. لا وجود لبطولة وأبطال. هناك فقط ممارسين في سير مستمر، روحي وأخلاقي وجسمي ومهاراتي، نحو تحقيق التناغم (َAi) على مستويين، فردي (تناغم الروح والجسد والعقل وقوى الكون) وثنائي (تناغم في الإيقاع الحركي والعاطفي بين الشريكين). نعم، يتقوى كل ممارس جسديا وذهنيا، لكن قوته المكتسبة تكون موجهة نحو غُلبِ ذاته أولا، من خلال السيطرة عليها وعلى عدوانيتها. فأقصى ما هو مقبول من قبل الممارس هو الدفاع الشرعي مع خط أمر واضح، أن يكون الدفاع الشرعي في حدوده الدنيا حتى لا يؤذي شريكه في قاعة التدريب، ولا يُؤذي المعتدي عليك في الشارع. وللأستاذ الكبير، موريهي ، مقولة بليغة في هذا الباب «أن تتحكم في العدوانية من دون ضرر هو فن السلام». وكثيرا ما يعيد أستاذنا في الصّـنعة محمد خميس على أسماعنا فكرة أن «الأيكيدو رياضة الضعفاء» لينبهنا إلى قضية أساسية في المجال وهي أن استعمال القوة/العنف يتعين أن يخف تدريجيا إلى أن يتلاشى في الذهن وفي الفعل الحركي. أو بعبارة أخرى، أن الانسان من خلال اليكيدو يتعين أن يتخلص من عقدة الضعف الجسدي ويعيد الاعتبار إلى قوة الذهن والروح. بل لا أبالغ إن قلت أن الأيكيدو يجعل من الممارس شخصا أقوى كلما تخلص هذا الأخير من منطق القوة!
هكذا يلتقي الأيكيدو مع العديد من فلسفات الروحانيات والتعاليم الدينية والقيم الانسانية والممارسات الروحية. تعثر على روح الأيكيدو في قيم الشينطو والبوذية والمسيحية والإسلام وفي التجربة الصوفية (أُذكر أن موريهي عاش في إقليم يعد مركزا مقدسا لديانتين كبيرتين، الشينطو والبوذية، اسمه «واكاياما»، حيث جبال «كومانو» والأرض المقدسة في اليابان )، وفي الاعلان العالمي لحقوق الانسان وفي اليوغا، وفي كل فلسفة تحتفي بالتسامح والتعايش المشترك والتقريب بين الأفراد والشعوب والثقافات. ويلتقي معها في كونه يعتبر مشروعا مفتوحا للبحث عن الذات وفي الذات من خلال مجموعة من المفاهيم والتطبيقات الخاصة (تمارين التحكم في التنفس (Kokyo-ho)، تطوير والتحكم في الطاقة الداخلية (Hara)، التأمل في الذات من خلال الدوران حول محورها والبحث عن التوازن الداخلي والتحكم في حركة واستقامة الجسم من خلال المشي في الاتجاهات الأربع (Tai-Sabaki)، اعتبار الفرد جزء من كلٍّ هو الكون بجميع مكوناته، بما فيها الطبيعة والطاقة والإنسان،...). ويلتقي معها أيضا في أنه يركز على تهذيب النفس؛ حيث أن التمارين الكثيرة والصارمة والانضباط للقواعد ما هي في نهاية الأمر إلا رياضة للنفس بعيدة المدى وعميقة، ولهذا كان أول ما قاله موريهي لتلميذه، موريهيرو سايتو (Morihiro Saito)، الذي جاء يبحث عن السبل التي تجعل منه أقوى، التالي: «من خلال فن الحرب هذا – أي الأيكيدو - سأعلمك كيف تكون نافعا لغيرك وللمجتمع ». وبعد أشواط من التدريب، استوعب سايتو الحكمة وراء هذا القول وهذه الرياضة، وصار سفيرا للرياضة ولثقافة السلام.
نعم يلتقي مع الروحانيات في اعتبار السمو الروحي هدفا في الممارسة. حيث يسعى ممارس الأيكيدو إلى التواصل مع قوى شريكه وقوى الكون (Ki)، كما هو الحال مع الروحاني الذي يكرس جهده للاتصال مع هذه القوى عبر التأمل والذكر والسعي المعرفي. يبحث ممارس الأيكيدو باستمرار على محور ارتكاز الجسد في لحظة يقظة من الذهن مستجمعا بذلك طاقته وهدوءه في نفس الوقت (البحث عن الوضعية السليمة والحضور الذهني / Sheizie)، كما يسعى الروحاني إلى تثبيت توجهه الذهني والنفسي نحو مركز الكون ليستمد منه الإشراق الروحي. يرفض الممارس أن يتقوقع على ذاته لأن معه شريك يتعين أن يتصل به ليحققا وحدة ثنائية جديدة، وكذلك الروحاني الذي يرى في آخره ضرورة لمساعدته في مسيرته الروحية باعتبار الغيرية خلقا محمودا من لدن التعاليم المقدسة.
وهكذا، لا يمكن أن تكون ممارسا حقيقيا للأيكيدو (Aikidoka) ما لم تؤمن بالتعاون أو التسامح وحق الآخر في السلامة البدنية والنفسية والوجود. لن تكون ممارسا حقيقيا ما لم تتجاوز ذاتك من خلال وصلها بالآخر. ولتحقيق هذه الغايات، تفرض هذه الرياضة على ممارسها العديد من الطقوس [غالبا ما يجري تضمينها في المواثيق الداخلية للنوادي]، كاحترام وتوقير الأستاذ (Seinsi) والاحترام الممزوج بالحب اتجاه الممارسين القدامى من لدن الممارسين الجدد، ومساعدة الممارسين القدامى للجدد بلا فخر أو استعلاء أو محاولة لفرض وجهة النظر، عدم الاكثار في تقديم النصائح للزملاء الممارسين صونا لكرامتهم وحفاظا على حريتهم في أن يختاروا هم بأنفسهم طريقهم، الحفاظ على نظافة قاعة التدريب (Dojo)، ترتيب اللباس الرياضي وطيـه ونظافته، إعطاء التحية (Rei) لقاعة التدريب وللأستاذ وبين الشريكين عند بداية ونهاية كل ممارسة ثنائية للتقنيات بينهما، ممارسة التأمل والتنفس العميق، شكر كل شخص يقدم نصيحة تقنية ما، الحرص على تفادي أن يظهر الممارسون في حالة من عدم التناغم الجماعي، رفض العنف المتبادل عند التدريب، عدم جعل القاعة ساحة للانتقام أو إثبات الذات ضد الآخرين، عدم الصراخ، تقليل الكلام إلى أقل حد ممكن حتى يصل كل ممارس إلى حالة من السكون الداخلي، الانسيابية تجاه القوى العدوانية وعدم ملاقاة القوة بالقوة، استثمار أقل ما يمكن العدوانية وحصرها في ما هو ضروري لصد العدوان من دون أذِية الغير، بل إنه يدعو كل ممارس إلى أن يكون مبعوثا للسلام في الشارع داعيا إلى التفاهم وعدم حل النزاعات بالعنف بكل أشكاله. بل حتى السلاح جرى ترويضه هنا، حيث تحول إلى سلاح رياضي لا يقتل وإنما يخلق فرجة وجمالا حركيا: تقنيات السيف (Boken Dori)، تقنيات العصى (Jo Dori)، تقنيات السكين (Tanto Dori).
«اطو عدوك في قلبك» عبارة تلخص التوجه الفلسفي والروحي الذي يحكم هذه الرياضة التي تسير في خط تحضير الانسان، أي الدخول به إلى مدنية منفتحة على الآخر، حتى في الحالة التي يكون فيها هذا الآخر مصدرا للعدوان.
يجعل الأيكيدو فكرة التحكم في عدوانية الخصم طريقا للحد من العنف وتكريس السلام. يمسي النظر إلى الشخص مَصدَر العنف أو القوة المؤذية لا كعدو ولكن كشخص فقد طريق الصواب أو أخطأ التقدير والتصرف. يهاجمك ليؤذيك لا لأنه لم يعد إنسانا بل لأنه في تلك اللحظة فقد إنسانيته أو وضعها جانبا لسبب من الأسباب. لذا، فالممارس المضطر للدفاع عن نفسه سيدافع من خلال هذه التقنية أو تلك بقصد أن يُؤذي المعتدي – فيَخرج بذلك عن إنسانيته – بل ليعيده إلى صوابه، ليُذكِّره بأنه خرج عن طوره حينما فكر في إيذاء غيره. هنا تعيد السيطرة على الخصم الحوار سيداً بعد أن جعل الخصم القوة العضلية منطقا للتصرف.
وفي العمق، نجد أن هذا الحوار يكون بين طاقتين، سلبية مهاجمة وإيجابية مدافعة. حيث تسعى هذه الأخيرة إلى عدم الاصطدام مع الأولى، بل إلى استيعابها وتحويل كيمياءها إلى طاقة مجمَّدة (تقنيات التثبيت /Katame Waza ) أو طاقة فارغة (من خلال تقنيات الإسقاط / Nage Waza).
يدخل الأيكيدو وممارس الأيكيدو المدينة ليؤديا رسالة تطهيرية للإنسان من خلال التمسك بثقافة السلم. وعبره يسعى الممارس (Aikidoka) إلى التحكم في عدوانيته الطبيعية. يروضها لتكون في خدمة التعايش السلمي. يخرج الممارس من قاعة التدريب ليس ليستعرض عضلاته أو قوته أو مهاراته الحركية أو قدراته القتالية، بل لينشر قيم التعاون والتواضع والتعارف والتسامح والحوار والاعتراف بالآخر. وما أحوج المدينة إلى هذه القيم.
لقد أخرج موريهي يوشيبا تقنيات المحارب النبيل من ردهات القصور الامبراطورية واحتكار النخبة اليابانية (الساموراي) ليقدمه للعالم ومدن العالم، غضا طريا، من خلال مساعدة نخبة من الأساتذة الذين يَحضون باحترام عالمي واسع: كيشومارو (Kisshomaro)، سايتو (Saito)، تامورا (Tamura)، يامادا (Yamada)، نوكي (Nocquet)، تيسيــي (Tissier)، سوغانوما (Suganuma)، مبارك العلوي، أوكاموتو (Okamoto)، ستيفن سيغال (Steven Segal)جانيت كليفت (Janet Clift)، وآخرين.
أخرج موريهي هذا الفن الرياضي من الدهاليز إلى العموم لتكون في خدمة المجتمع ككل لا لتغذي الأنانيات المرضية التي ترى في القوة أداة للغُلب وتحقيق المآرب الخاصة.
هكذا يظهر هذا البعد الضمني للأيكيدو والذي قد تُحجبه تقنياته الظاهرة عن الرائي البراني، أي ذاك البعد الانساني الذي يهذب تلك القوة المدمرة الكامنة في شخصية كل كائن.
يجدر بنا التذكير أن هذا البعد التربوي ليس حكرا على الأيكيدو، بل نجده في رياضات أخرى كالجيدو والكراتيه وغيرها من الرياضات الجماعية. فجميعها تصلح كأدوات لتهذيب النفس وترويض العنف الكامن فيها من خلال إعادة سَبكها لمفهوم القوة البدنية بما يخدم السلم الاجتماعي. هكذا تُفيد الرياضة في جَسر علاقة الذات بالغير باعتبار هذا الأخير شريكا في اللعب والعمل الجدي على السواء. فبوجود هذه الشراكة ننـهض بمهمة أنسنة الانسان.







اخر الافلام

.. كندا تحذر من السفر للصين.. بعد حكمها بإعدام كندي


.. الأمطار الغزيرة تفاقم معاناة النازحين في مخيمات غرب إدلب - س


.. العواصف الثلجية تزيد معاناة اللاجئين السوريين بمخيم عرسال ال




.. تحذير دولي من سوء الأوضاع في مخيم الركبان للاجئين السوريين


.. -الجبهة الثلجية- تزيد من معاناة اللاجئين في مخيم الركبان