الحوار المتمدن - موبايل



الحراك السكاني التاريخي لبدون الكويت بين هجرة و نزوح

جعفر حاجم البدري

2018 / 12 / 23
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


الحراك السكاني التاريخي لبدون الكويت بين هجرة و نزوح
دراسة في علم الاجتماع

بقلم : جعفر حاجم البدري

1 - مقدمة

ان ظواهر الهجرة و النزوح و اللجوء جميعها مرتبطة بالتنقل الانساني من مكان لآخر سعيا نحو هدف منشود . ان الهدف من هذه الدراسة هم تقريب الاصطلاح الأمثل لحركة ( البدون ) المنحدرين من أصل عراقي – مادة البحث - نحو الكويت . و هنا لابد من وضع الظواهر الثلاثة تحت مجهر التمحيص الاصطلاحي لتقرير ايها أنسب لحركة البدون التاريخية .

اصطلاحا ، الهجرة هي الخروج من أرض الى أخرى أو انتقال الفرد من مكان الى آخر سعيا وراء الرزق ( 1 ) ( مطابق لحالة البدون حتى هذه اللحظة ) ، و الهجرة تتم عن قصد و بتخطيط مسبق . أما النزوح ، فهو الحراك السكاني بحثا عن المرعى و الكلأ و الماء ( مطابق لحالة البدون حتى هذه اللحظة ) ، حيث – و منذ قديم الزمان – ينزح الانسان من مكان لآخر ليستقر في الأماكن التي تلبي احتياجاته من مطالب الحياة اليومية الضرورية . أما اللجوء ، فانه يتم لأسباب قسرية و بلا تخطيط مسبق و في معظم حالاته يكون فرديا ( 2 ) . ( لا ينطبق على حالة البدون )

و هنا يبقى الاختيار قائما بين مصطلحي الهجرة و النزوح و أيهما أنسب لتوصيف حراك البدون السكاني نحو البلد المستضيف ( الكويت ) .

1-1 الهجرة

تصنف الهجرة بنوعين : داخلية و خارجية . فالهجرة الداخلية تتم داخل حدود الدولة الواحدة و تقطع مسافات قصيرة نسبيا . و منها الانتقال السكاني من الريف للمدينة و العكس بشرط توفر الطواعية بالانتقال . و أما الهجرة الخارجية هي التي يقطع بها الفرد مسافات أطول عابرا الحدود نحو دولة لأخرى و هنا لا يضع بحسبانه فكرة العودة للوطن الأم الا زائرا كالهجرة النبوية الشريفة التي أراد من خلالها رسول الله – صلى الله عليه و آله و سلم – أن يؤسس دولة الاسلام في بلد – يثرب اليهودية - لا يمت لبلده الأم – مكة الوثنية – بشيء من الثقافة و العقيدة و طبيعة التركيبة السكانية .



1-2 النزوح

اذا عرفنا النزوح بأنه حركة الفرد أو المجموعة من مكان الى آخر فإننا سنشبهه بالهجرة الخارجية و نعرض اصطلاحاتنا لتشابه يقضي على الحاجة للاختيار . و لكن النزوح يختلف جذريا عن الهجرة الخارجية بأنه يتم قسريا و بلا رغبة أو اختيار من الفرد أو الجماعة . كما أنه قد يكون شاملا يتضمن نزوح قبائل بأكملها . بل أن النازحين قد يتحركون بلا كفايتهم من المواد الضرورية للحياة كالمأكل و الماء .

1-3 استنتاج

السؤال المطروح هنا ...
هل حركة أجدادنا نحو الكويت هجرة أم نزوحا ؟
و الجواب ... كلاهما ببداية و نهاية ... حيث أن بداية الحراك نحو الكويت كانت بألاصل تجوال حر في منطقة جغرافية شاسعة يعتبرها البدوي مملكته بغض النظر عن حسابات الحدود السياسية .. فالبدوي من أجدادنا تتصل لديه الكطيعة ( أراضي قبيلة البدور الزراعية في محافظة ذي قار بجمهورية العراق ) بمراعي الحنية و الدبدبة ( مراعي القبائل البدوية العراقية الجنوبية و منها البدور ) ببراري السعودية و الكويت و يعتبرها وحدة جغرافية .. اما مع تطليق الصحراء و الولوج للحياة المدنية في الكويت كانت الهجرة مع سابق الاصرار و الترصد لتوفر شرط التخطيط المسبق و عقد العزم على الاستقرار ببلد آكثر أمانا و ترك موطن الصحراء المترامي الأطراف . أما عودة البدون للعراق بعد أحداث الكويت لم تكن هجرة أو عودة يلفظها الاصطلاحي بل هي نزوح قسري نحو البلد الأم لأنه جاء بلا ارادة القادمين و بلا ما يضمن لهم حقوق العيش الكريم .. فهو لا يندرج تحت مفهوم الهجرة الاختيارية .


2- الهجرة

2-1 مقدمة

تصطلح الهجرة بأنها ترك الشخص لمنطقته باحثا عن الاستقرار في مكان آخر . و تفسر – أيضا – بأنها حركة الانسان بداخل رقعة جغرافية قبل اقامة الحدود السياسية التي تفصل بين بلد و آخر . تتعدد أسباب الهجرة بين سياسية و اجتماعية و اقتصادية – و ربما عقائدية أيضا . حيث ينتقل الأشخاص و العوائل نحو مناطق جديدة بحثا عن السلام و العثور على فرص عمل لا تتوفر في بلدهم الأم .. و أحيانا يعود هؤلاء المهاجرين لبلدهم الأم بعدما كسبوا من الرزق ما يوسع بحبوحة عيشهم بالأيام القادمة .

2-2 الاختلاف الثقافي و المناطق المغلقة

و أحيانا ينتقل هؤلاء المهاجرين الى بلدان تختلف جذريا أو جزئيا بثقافاتها و بالتالي سيستمر الشعور بأنهم ضيوف ثقلاء في مجتمع لا يستسيغ وجودهم .. و ربما يتطور هذا الشعور بعدم التقبل وفقا لتوجهات ثقافة البلد المقصود و مدى تناقضها مع ثقافات البلد الأم للمهاجر . و لعل الشعور بعدم التقبل يتطور للشعور بالعداء الخطير اذا ابتليت الثقافات باختلافات عقائدية !! و في كثير من الأحيان يعمد المهاجرون للسكن في مناطق جديدة أو مغلقة على أبناء جلدتهم لسهولة التواصل الاجتماعي و التبادل الثقافي و الفكري و العقائدي ، تماما كتفضيل البدون للسكن في مناطق الصيهد و الدوحة و غيره ( قبل توزيع الشعبيات الجديدة ) ثم السكن في الجهراء و الصليبية و الحساوي ( بعد توزيع الشعبيات الجديدة ) مع اعتبار أن الحكومة الكويتية ساهمت بالتكتل الجغرافي للبدون من خلال توزيع بيوت – شعبيات جديدة – على معظمهم في منطقتين لتزداد حالة العزلة الثقافية و لتتقلص فرص التمازج الثقافي بين القادمين من صحارى العراق و القاطنين بمدن الكويت .

2-3 الاختلاف الثقافي المزدوج

و أحيانا يعود المهاجرون لبلدهم الأم بعدما قضوا ردحا من الزمن في بلد الاستضافة و هم متأقلمون كليا مع مساحة واسعة من ثقافة الوطن المستضيف . و هنا ، سيبدأ الصراع بين ثقافة الوطن الأم التي كانت مسيطرة على المهاجر قبل هجرته و ثقافة الوطن المستضيف التي سيطرت عليه فيما بعد و استفحلت سيطرتها بشكل تام على الأجيال التي ولدت في الوطن المستضيف تماما كما عانى البدون عند عودتهم للوطن الأم – الأجيال التي ولدت بعيدا عن وطن الأجداد تعتبره نزوحا و ليست عودة ، و هو كذلك .

2-4 دوافع الهجرة

تنقسم دوافع الهجرة الى نوعين مختلفين يختص كل منهما باحدى الوجهتين : وجهة المنطقة المغادر عنها ( البلد الأم ) ، و وجهة المنطقة المغادر نحوها ( البلد المستضيف ) حيث تسمى دوافع النوع الأول بعوامل الدفع بينما تسمى دوافع النوع الثاني بعوامل الجذب .

2-4-1 عوامل الدفع

تتعدد عوامل الدفع التي تدفع الانسان للتفكير بمغادرة بلده الأم و التوجه نحو مناطق و بلدان أكثر خصوبة سياسية و اقتصادية و عقائدية و منها هجرات مئات الآلاف من الفلسطينيين نحو شتات الأرض ، و هجرات أفراد الكثير من البلدان الواقعة جغرافيا ضمن شبه جزيرة العرب كالسعودية و اليمن و سوريا و العراق . و الكثير من أفراد بلدان الشرق أوسط الاسلامية كايران و باكستان و افغانستان . فعوامل الدفع منها الحروب حيث أدت الحرب العراقية الايرانية لمغادرة الكثير من شباب العراق – خصوصا الأكراد - نحو الكويت أو ايران أو غيرهما . أيضا الأمراض و المجاعات هي من عوامل الدفع الكبرى نحو خارج البلد الأم . الخلافات السياسية لها دور كبير في تشريد أبناء البلد في شتات الأرض كالذي حدث أبان حكم البعث الذي جرد الجنسية العراقية من الكثيرين من العوائل الشيعية في النجف و كربلاء و الكاظمية ليدفعهم نحو خارجها ( طبعا هم مهجرون و ليسوا مهاجرين ) مما حدى بالكثير ممن توجسوا الشر من النظام المتسلط الى الهجرة طوعا خشية البطش بهم.

و من النزوحات ( و ليست الهجرات ) التاريخية القسرية بداخل البلد الواحد ما حدث للأكراد الذين أجبروا لترك مرتفعاتهم الباردة بشمال العراق ليجبروا على العيش في مناطق الجنوب الحارة و منها محافظة ذي قار . و من النزوحات التاريخية الطوعية ما حدث للكثير جدا من ساكني أهوار الجنوب العراقي الذين تعمدت السلطات الحاكمة اجبارهم على النزوح نحو المدن بتجفيف أهوارهم و اختفاء رزقهم بصيد السمك و الطيور. و لعل العامل الأكبر تأثيرا في نفوس و قرارات النازحين هو الفقر و قصر ذات اليد و انعدام الحيلة في استحصال رزق يسد جوع العائلة . فالأراضي الزراعية بدت تعاني من الملوحة ( السبخ ) التي تحد كثيرا من حسابات البيدر و بالتالي كان البحث عن وطن أكثر رفاهية اقتصادية هو مطلب يعني الحياة . و لهذا ، تحينت عوائل البدون المهاجرة من العراق فرصتها التاريخية للزحف الكبير نحو الكويت و نهضتها العمرانية .. و لا شك أن مشوار الألف ميل لا يتم دفعة واحدة بل خطوة خطوة ...

3-2 عوامل الجذب

كل ما تم اعتباره من عوامل الدفع نحسب نقيضه ليكون عوامل جذب . فالبحث عن الرفاهية و دخل الفرد الأعلى و الاستقرار الجغرافي و النفسي و توفر فرص العمل كلها عوامل جذب توفرت في دولة الكويت الفتية التي كانت تسير بخطوات حثيثة نحو نهضة عمرانية و سكانية . فأصبحت الكويت عروس الخليج التي يحلم كل عربي بوصالها و العيش في كنف عزها و بحبوحة عيشها .

4- قيود الهجرة

لم تكن الهجرات نحو الكويت مقيدة بقيود معينة اذ يكفي ان تتنقل عبر مناطقها الصحراوية و تكسب ود مسؤولي مراكزها الأمنية البرية ( مخافرها ) لتخلع عليك نعمة التنقل الحر بين بواديها و مدنها .. و هذا ما لم توفره معظم بلدان العالم التي وضعت قيودا تحد من امكانية هجرة مواطنيها الى بلدان مجاورة كالقيود التي وضعها الاتحاد السوفييتي ( سابقا ) على مواطنيه و سن قوانين صارمة تحد من الهجرات غير الشرعية ( 3 ) .

الهوامش :
1- المعجم الوسيط ، معجم عربي من اصدار مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، 1998
2- كما جاء في قانون تنظيم اللجوء في رقم 45 لسنة 1974م ( قوانين معتمدية اللاجئين)
3- دوتي أن ، حدود مغلقة : التهديد المعاصر لحرية التنقل ، مطبعة جامعة ديالي ،1989 ، ص 69







اخر الافلام

.. ملف السلام.. بين القرارات الأميركية والأطماع الإسرائيلية


.. حماس وإسرائيل.. صاروخ في تل أبيب وصواريخ في غزة


.. تركيا وإيران .. غاز وعقوبات وتحدٍ لواشنطن




.. العراق.. حكومات مركزية ومآسي المحافظات


.. الظروف في المعسكرات الصينية أشبه بالسجون