الحوار المتمدن - موبايل



من هشّم المرايا ؟ قراءة في رواية -رجل المرايا المهشمة- للبنى ياسين.

محمد عبعوب

2018 / 12 / 23
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات


في "رجل المرايا المهشمة" أول عمل أقرأه للكاتبة العربية السورية لبنى ياسين الواعدة بنجومية تضيء فضاء الرواية العربية بالوان مثيرة، يبرز سؤال مهم:
- من المسؤول عن تهشيم هذه المرايا؟ هل هو الرجل؟ أم هي مسؤولية مشتركة بين الرجل والمرأة؟ أم هي الثقافة الذكورية التي تسيطر على هذا المجتمع؟
في هذه الرواية ترسم لنا الكاتبة لبنى ياسين بلغة مراوغة وعاصفة صورا صادمة لواقع حضاري عربي مؤلم لا زلنا نعيش مآسيه ، و تتحمل الانثى القسط الأكبر من صدماته في ظل مجتمع منغلق على ثقافة ذكورية تجاوزها الزمن..
قصة أم تدفع بابنها المتخلف عقليا الى الشارع على أمل التخلص منه بأن تسحقه أول سيارة تصادفه، التي افتتحت بها الكاتبة مقدمة الرواية .. كأنها تنذرنا بان نعد انفسنا لخوض عواصف صادمة تسردها لنا، و نحن نعيش وقائعها كل يوم لكننا لا نعيها، الى أن تظهر صورها أمامنا مجسدة في وقائع هذه الرواية ..
عند قراءتي السطور الاولى لمقدمة الرواية توقفت، وعواصف الاسئلة تعصف بعقلي:
- ام ترسل ابنها الى الشارع لتتخلص منه وتدهسه اول سيارة قادمة لأنه متخلف عقليا؟!!!
- هل يمكن تشريف هذه المخلوقة بأرفع وسام عرفته البشرية "الأم"؟!!
- هل يوجد على وجه الارض حيوان يمكننا مقارنة هذ الأم به؟!!!
تلك المرايا المهشمة التي تتجسد في صورة صطوف الذي دفعت به الى الدنيا تلك السيدة كذكرى لحالة اغتصاب تعرضت لها في غياب زوجها ، ستظل تدمي قلبها الى ان تفارق الحياة، وصور أخرى تطرحها الكاتبة لا تقل بشاعتها عن حالة الاغتصاب، تلك الصور تشكل شظايا مرآة الرجل المهشمة، تدمي مشاعر القارئ وتحصره في ركن مظلم من ثقافة مجتمع يرفض مغادرة الظلام، رغم ما تدفع به الحضارة الانسانية كل يوم من أنوار تجتاح كل اركان المعمورة الا ركننا الشرقي..
شخصية صطوف في هذه الرواية وما كابده من آلام كراهية منذ أن فتح عينية على هذا العالم من طرف اقرب انسان له أمه ، ومن قبل اخوته وفشله في مغادرة ظلام اوهام تشوه صورته وعقدة النقص التي اوصلته الى نهاية مؤلمة ، كل هذه الصور تعطي أجوبة على تلك الاسئلة التي تثيرها الرواية في وعي القارئ منذ سطورها الاولى..
فشخصية صطوف تجسد نتاجا بغيضا لحالة الفقر التي تحاصر شريحة من المجتمع وتدفع فيها المرأة ثمنا باهظا من مشاعرها وجسدها، فأم صطوف لم تعش لحظة حب في حياتها ، فزواجها من ابوصطوف فرضته حالة فقر اسرتها، كما أن زوجها لم يعرف الحب في حياته، فمشروع اسرتهما كان مشروعا وظيفيا لا وجود فيه لدفئ الحب والانسانية.. هذه الأجواء الخالية من دفئ العلاقة الانسانية هي التي جسدت وصنعت شخصية صطوف ومحيطه التي أبدعت الكاتبة في تحليل خلفياتها الاجتماعية والنفسية تذكر القارئ بأسلوب الروائي الايطالي البيرتو مورافيا الذي يأخذ القارئ في أسفار مشوقة بين طوايا نفسية شخصيات رواياته المحدودة التي لا تتعدى في بعض الروايات شخصين..
كما تكشف وقائع عجز والدته عن معالجة مأساة اغتصابها وعدم امتلاكها الشجاعة لفضح غاصبها وذلك بحكم وجودها في ظل مجتمع يحصر جريمة الاغتصاب في صورة ضحيتها الانثى ويظل الرجل رغم ظلمه وعدوانيته محميا بثقافة ذكورية سائدة متجاوزة لأصول العدل بل منتهكة له، تكشف لنا عن دور غير مباشر للمرأة في تهشيم تلك المرايا.. و لا تختلف عروسة صطوف التي هربت منه و استخدمته كسلم للهرب من فحش وعدوانية من كان يفترض به ان يكون حاميها والذائد عن شرفها والدها، لا تختلف كثيرا عن والدته لجهة ارتهانها لتلك الثقافة الظالمة برضوخها لنزوات والدها الاجرامية .
رسائل عديدة ترسلها الكاتبة باحتراف عبر شظايا مرايا رجلها المحطمة محاولة من خلالها تفجير حالة الغليان الاجتماعي التي تسود مجتمعاتنا الشرقية وإخراج صوت ضحايها التي تجسدها الانثى لتأخذ مكانها كإنسان حقيقي يمكن أن يكون له دور مهم ورئيس في بناء الحضارة الانسانية، إذا ما تجرأت على رفع صوتها و وضع حد لامتهان الذكور لإنسانيتها..







اخر الافلام

.. هذا يومي - الموسم الثاني: نجمة مواقع التواصل التونسية


.. الثلاثاء.. إحاطة جديدة لغريفيث أمام مجلس الأمن


.. داعش يحاصر 200 أسرة سورية.. ونداء دولي للتحرك




.. تونس.. هل تستغني النهضة عن يوسف الشاهد؟


.. برلمان كردستان العراق ينتخب فالا فريد رئيسة له ????