الحوار المتمدن - موبايل



في ثقافة التواليت

منير المجيد

2018 / 12 / 26
كتابات ساخرة


اليوم سأتحدث عن التواليات، المراحيض، بيوت الراحة أو الإستراحة، الكبّينات وبقية التسميات، وكيف رافقت نهضة اليابان الصناعية. نعم.

في عام ١٩٠٣ قام المخترع الياباني كازُچيكا أوكُرا برحلة إلى أوروبا فأبهره بريق التواليتات الخزفية. هناك اتّخذ قراراً بتغيير ثقافة التبّول والتبرّز في بلاده.
حينذاك، كانت المراحيض «منشأة» صغيرة خارج البيوت أو في الهواء الطلق، دون صرف صحي. تماماً كما كان الأمر في حيّنا في القامشلي: حفرة للقرفصة تتصل بحفرة أكبر في الشارع، ومُغطّاة وكأنها فخّ يستعمله صيّادو حيوانات أدغال أفريقيا في أفلام طرزان. هذه الحفرة كانت تُنظّف مرّة كل سنتين بجهود «عنسكي» خبير الكبّينات.
يُحضر عربته المجرورة ببغلين والمُحمّلة ببرميلين فيحفر كوّة ويبدأ بنقل محتويات الحفرة الكبيرة، وكأنها اسمنت بناء، إلى براميله ثم يُغطّيها مرّة ثانية، تاركاً قدوربك في غُمامة لزجة من الروائح القاتلة لعدة أيام. حسناً، هذه الحفر لم تكن تُغطّى جيداً في مرات نادرة مما تسبّب في سقوط بعض المّارة فيها، خرجوا بكسور وروائح بقيت ملتصقة بثيابهم حتى بعد غسلها في نهر جغجغ عشرات المرّات. وعلى سيرة جغجغ، حيث كانت مدينة نصيبين، على الجانب التركي، تُفرغ مجاريها فيه، وكنّا نرى كتل الفضلات البشرية تطفو على المياه، دون أن يمنع أحد من السباحة فيه أو صيد الأسماك.
أعود إلى صاحبنا أوكُرا، الذي أنتج عام ١٩١٤ أول مرحاض ياباني وفق النمط الأوروبي، وفي سنة ١٩١٧ قام بتأسيس شركة «تويو توكي» التي صار إسمها «توتو» في العام ١٩٧٠. إثر ذلك صنعوا أول حوض يجمع بين كرسي التواليت الإعتيادي وشطّافة «البيديه».
تُعدّ شركة توتو الآن رائدة في صناعة وإبتكار المراحيض وكافة مستلزمات الحمامات بسمعة عالمية رفيعة، إلى درجة تجعل سيّدات هوليود يتحدثّن في صالوناتهن عن: اليومْ ركّبنا تواليت توتو في البيت، فتقول الأخريات بصرخة «واو».
طبعاً، هناك «لاعبون» كثر الآن في عالم إنتاج أحواض التواليتات، وأدخلوا عليها تقنيات ذكية وريموت كنترول وشيطنات اخرى، إلّا أن توتو مازالت وستبقى الأيقونة الأولى في الإنتاج والپرستيج.

مثلاً، آخر الموديلات، والذي يُكلّف ثروة، فيه تقنيات عجيبة:
يُفتح غطاء التواليت حالما تَفتح باب الغرفة. فينساب نور أزرق باهت من داخل التواليت قد يُفيد في إستكشاف بعض الأمور. ثم تصدح السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، أو أي موسيقى حسب الرغبة، كي تُغطّي طبولها على بعض الأصوات غير المُستحبّة، خاصة إذا كانت الزائرة سيدّة والمكان مقهى صغير الحجم. يصحب ذلك بخّاخ مُعطّر يملأ الغرفة بعطور قد تكون باريسية. المقعد مُسخّن درءاً لصدمة ملامسة المؤخرات للسيراميك البارد المُصقّع ويتحرّك لمنح المؤخرة إياها مسّاجاً ناعماً. يتبع ذلك، بعد آخر حركة لعضلات الأمعاء، ظهور عصا الشطف لرشّ الماء المُعدّلة حرارته بحيث لا هي باردة ولا ساخنة، وهنا يتوفّر خياران للزر المناسب، واحد للسيدات، وآخر للرجال، لأن موقع ثقب مؤخراتنا يختلف جغرافياً بقدرة قادر، وقد تطلّب ساعات طويلة من مهندسي توتو، وبتجارب على ٣٠٠ موظف لديهم، حتى وجدوا الزاوية المناسبة (إسمها الزاوية الذهبية بدرجة ٤٣) في مؤخراتنا التي تصير دريئة مؤقّتة. بعد الشطف تقوم مراوح مخفية صامتة بتنشيف أعضائنا النبيلة. وحين نغادر مجال المقعد، يعود الغطاء إلى وضعية الإغلاق، وتُفتح شلالات المياه الصغيرة في حركة دائرية تسحب معها ما تيسّر من مُخلّفات بصوت بربرة أعلى. الصمت هو سيّد الموقف بعد توّقف الموسيقى. وكرسي توتو ليس كغيره، فسطحه أملس خزفي ومستوى حامضية الماء يمنع تشكلّ الحلقات الجصيّة ويُصعّب إختباء الجراثيم.
رغم كل هذه الجهودالتي تُقدّمها لنا التقنيات، نقوم بغسل أيادينا في حنفيات تتدفق حينما تقترب منها الأيدي. الملامسة غير مستحبة في اليابان، لا مصافحة الأصدقاء، ولا لمس الحنفيات.
طقوس زيارة التواليتات أيضاً مُحكمة، كما دخول البيوت. المعروف أنك يجب، على نحو محتوم، خلع الحذاء في عتبة الباب الكائنة بين الباب الرئيسي وبهو البيت وترتدي حذاءً بيتياً، شحّاطة يعني. هذا يشمل العديد من المطاعم أيضاً، وخاصة التقليدية. وإذا أردت الذهاب إلى التواليت، لن أقول الحمام، لأن معظم التواليتات مفصولة عن الحمام، فلكل غرفة خصوصيّة أدائها، فأنك يجب، ليس التفكير باستعمال الساق اليمنى أم اليسرى وطلب الإذن من الملائكة المختصّة، بل أن تترك شحّاطتك عند الباب وترتدي شحّاطة اخرى مُخصّصة للتواليت. هناك، علاوة على ورق التواليت، ورق آخر بحجم مقعد الجلوس دائري الشكل مثقوب مثل كعكة كبيرة، تقوم بـ «تلبسيه» عليه، وهكذا تتفادى الجلوس على مكان لمسته مؤخرة شخص آخر، قد يكون، عليكم العافية، مُصاباً بمرض جلدي ما، أم ببساطة لا يتبع شروط النظافة الصحية.
آخر التقليعات هي وضع «علّاقة» للأطفال. لأن سيدة البيت لن تترك طفلها يعبث لوحده مُعرّضاً نفسه للأذى، فتأخذه معها، حينما تُناديها الطبيعة، تُعلّقه وتُناغشه بينما تدع حوض التواليت يقوم بتمسيجها وشطفها وتنشفيها.
بعضها مُزّود بحوض وحنفية عليا تُتيح لك غسل يديك، تذهب المياه بعدها إلى عبوة تجميع المياه للإستعمال للمرة التالية. هذا حلّ بيئي لطيف. وهناك أيضاً تطبيق للهاتف يجعلك تتحّكم بكل منتجات «توتو»، أينما كنت في الدنيا الواسعة.

أكتفي هنا بهذا الحديث الذي طلعت رائحته، وليعذرني من إستطاع إليه سبيلاً.







اخر الافلام

.. مهرجان شناء طنطورة يختتم فعالياته بحفل غنائي يكرم الفنان عبد


.. خطة سعودية لإدراج اللغة الصينية في مناهج المدارس والجامعات


.. تعلم اللغة الصينية لن يكون صعبا على الطلاب السعوديين




.. الموسيقى تدخل إلى حياة أطفال مدارس تعز


.. أبرز الأفلام من السودان عرضت في -برلين-