الحوار المتمدن - موبايل



بصدد السترات الصفر

فلاح علوان

2018 / 12 / 26
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


تجتاح فرنسا منذ أسابيع موجة احتجاجات واسعة اتخذت من ارتداء السترة الصفراء شعاراً أو رمزا لها، وسرعان ما اتسعت الحركة في عدة مدن اوربية متخذة نفس الرمز. أصبحت الحركة ملهمة للعديد من التحركات الشعبية في عدة بلدان، سواء من الناحية الرمزية والمعنوية أو من ناحية تشابه المطالب والشعارات.
تناولت العديد من الاوساط هذه الحركة بالتحليل والوصف، ورغم الاشادة بالجرأة والاندفاع فان النقد الاساس الموجه لها هي انها تعلن عن استقلاليتها عن أي حزب أو تنظيم، وقد انتقدت العديد من الاوساط اليسارية هذه السياسة، واعتبرتها حركة عفوية ترفض التنظيم.
وفي الحقيقة فان منطلق هذا النقد هو غير علمي، فهذه الحركة ليست عفوية بمعنى انها ليست طارئة أو عابرة. ان تحديد الهدف والتعبئة باتجاهه ليست عفوية، واستخدام وسائل اجتماعية للتنظيم الجماهيري ليست عفوية، وتحديد أماكن التجمعات والشعارات والهتافات، وتوقيت الاحتجاجات وتنظيمها بالتجمع العام ليست عفوية، والقدرة على ادامة زخم حركة واسعة ولعدة اسابيع لا يمكن ان تكون عفوية. أي ان هناك الهدف المحدد، والوسائل النضالية، والمادة البشرية التي تتبنى الهدف وتنفذ السياسة، وهي حركة قابلة للنمو والتطور والتنظيم.
ان تردد بعض النقابات في الانخراط في الحركة، بدعوى وجود قوى يمينية وراءها أو ما صار يعرف باليمين الشعبوي، له ما يبرره، ولكن لا يعطيه مشروعية وصف الحركة او التعبير عن تطلعاتها واهدافها. حيث ان سيطرة اليمين على الحركات المطلبية الشعبية هو الشكل الذي اتخذه مسار تطورالعديد من الحركات الشعبية خلال عقود، أو الحركات التي تطورت الى انتفاضات وثورات، مثل الثورة الايرانية، الثورة المصرية، الحراك في اليمن وتجارب أخرى. بحيث كانت الحركات تبدأ مطلبية شعبية عمالية ثم تنتهي بانتصار التيارات اليمينية.
هذه الحركة وبدرجة ما بدأت تقلب تلك المعادلة، وبدأت تسير في خط متصاعد، من حركة شعبية عامة، الى حركة معبرة عن الصدام مع رأس المال في داخل المدن. وهو التعبير عن درجة تسليع كل الحياة الاجتماعية، ليس في ميدان تجارة البضائع فقط، بل في كل ما يخص الخدمات والمعيشة والصحة والنقل. وهذا ما أشار اليه منذ سنوات الاقتصادي الامريكي ديفيد هارفي، وهي احدى نقاط قوة هذه الحركة، كونها أعطت صبغة طبقية أوضح للنضال داخل المدن، بعد ان كان يوصف بالشعبوي، حيث لم يكن اليسار يعتبر سوى نضال المصانع، نضالاً طبقياً.
الجانب الهام الاخر؛ هو ان فئات المفقرين والكادحين والعمال هم من يرفع المطالب العامة للمجتمع اليوم وليست البرجوازية. اي انهم المعبر عن المجتمع والممثل السياسي له، مقابل عجز البرجوازية عن رفع شعار تمثيل كل المجتمع، والذي كانت تستخدمه لدى انخراطها في الحراك الشعبي وتوجهه الوجهة التي تريد وتمرر سياساتها من خلاله. وهذا برهان على كون الحركة في مسار تصاعدي، وكون البرجوازية في أزمة فعلية.
اصبحت هذه الحركة ملهمة للحراك في عديد من البلدان، مما يؤشر الترابط العالمي بين مصالح الفئات المفقرة، ومعاناتها من نفس التوجهات النيوليبرالية، ونفس السياسات التقشفية التي تسببت في تشديد حرمان وفقر الملايين، حيث انطلقت حركات مماثلة في المجر والنمسا وهولندا.
لقد تعلمت الجماهير خلال الحركة، وستبني وسائلها النضالية في أطوار متقدمة، وتبني سياستها ونظريتها اذا تطلعت لتحقيق أهداف أعلى.
ويمكن للقوى الاشتراكية بناء نظريتها وسياستها على أساس فهم تصاعد الحركة، والبرهنة على ان المطالب الراهنة هي شكل تجلي الصدام بين مصالح رأس المال ومطالب الانسان المضطهد. والرأسمال لا يمكنه العيش بدون تعظيم أرباحه التي لا تأتي الا بتشديد الاستغلال. ان النضال ضد الاستغلال هو حرمان رأس المال من القدرة على تعظيم ارباحه، أو اجباره على التخلي عن قسم منها لتأمين الخدمات العامة للمجتمع عبر الضغط، أي ادخال الرأسمالية في أزمة اقتصادية وسياسية أعمق، وبالتالي ازمة ثورية. وهنا يبدأ بناء التكتيك الثوري والبرنامج الثوري، أي ان يستمد مشروعيته من أساس موضوعي للحركة والثورة.
ليست هذه الحركة من يرفض التنظيم، بل ان التنظيمات اليسارية الحالية والنقابات، لا توفر اطراً تنظيمية وبنى مرنة يستطيع العامل والكادح ان يعبر عن نفسه من خلالها. التنظيمات الحزبية تريد اعتناق تعليماتها، وتريد طاعة القائد مهما قال. والنقابات، حتى العريقة منها، تضع سياساتها على اساس تناسب القوى الحاكمة وتوازن النظام السياسي القائم. وكلا السياستين لا تجيبان على متطلبات حركة الطبقات الثورية في المجتمع، ولا على درجة تفاقم الصراع.
يصف بعض اليسارويين والسياسيين من اصحاب الجمل المدوية هذه الحركة باللا تنظيم والعفوية وينتقدونها، ولكن انتقادهم نابع من عقدة نزعة السيطرة على حركة الجماهير لتصبح تحت قيادتهم. وهم بهذا يفوتون على انفسهم حتى فرصة التعلم من التجارب التاريخية. ان هؤلاء يسعون لوضع انفسهم فورا، في موقع المسيطر والموجّه والقائد المفترض، الذي يخرج من سبات الاقبية ليوجه الجموع.
في الحركة الحالية في فرنسا، يتطور دور القادة الميدانيين والسياسيين من خلال القدرة على الاجابة على متطلبات الحركة، لا أن يجري تصنيعهم في ورش فاشلة اصلاً. وسيكون فشل اليسارويين واصحاب الجمل المدوية وخروجهم من الميدان نهائياً، احدى ثمار الحركة الحالية.
ينتقدون عدم وجود قيادة، وهم الذين يفرضون قيادتهم من الاعلى. وهذا ما جرى في العراق من تنصيب لقائد شيوعي من المهجر، وتم خلع لقب "ليدر" عليه، لا يجوز مناقشته ولا انتخابه ولا التدخل في ترشيحاته لمعاونيه، اي امبراطور شيوعي. وجرى طرد العمال الماركسيين الذين ينتقدونه، وينتقدون النزعة الامبراطورية في حزب العمال. وبعد كل هذا يأتي من تبقى من مجموعة وانصار الليدر لكي يدعو الى قيادة الطبقة العاملة، ولينتقدوا ويوجهوا الحركة في فرنسا، بعد تجربة مخجلة مماثلة خلال الثورة المصرية.
الخلاصة؛ لايعتمد عمق هذه الحركة وتجذرها في أوساط الفئات الاجماعية المحرومة على موقف اليسار منها او موقف النقابات. ان هذه الحركة تمثل طوراً جديداً من النضال ومن التطور السياسي، وايذاناً بأفول العديد من التنظيمات اليسارية والنقابات التقليدية. ولكن تطور الحركة التي اتخذت السترات الصفر رمزا لها، يتطلب موقفاً من النظام الرأسمالي نفسه وتعريف الحركة نفسها على أساس طبقي وسياسي. وسواء انجزت الحركة الحالية هذه المهمة أم لا، فان هذه الاهداف والتوقعات قد دخلت مسار التاريخ بلا رجعة. وهنا تحضرني جملة قالها ماركس " ما ان يبدأ الجديد حتى لا يعود القديم قديماً.







التعليقات


1 - السيد فلاح علوان
فؤاد النمري ( 2018 / 12 / 26 - 23:25 )
كان الأفضل لك أن تمنع التصويت والتعليق على موضوعكم كما يفعل الشيوعيون المفلسون الذين يكتبون الهذر البذر
كبف تفسر يا فلاح أن العمال ومختلف النقابات لم يشاركوا في مظاهرات السترات الصفراء ؟
لو كان هناك نظام رأسمالي في فرنسا لما اضطرت الحكومة لفرض ضرائب جديدة لكي تتمكن
من دفع معاشات التقاعد وهي مدينة ب 7 ترليون دولار
هل تعلم حضرتك مديونية صندوق التقاعد؟
المستفيد الأكبر من صندوق التقاعد هو الطبقة الوسطى وليس العمال
الضرائب الجديدة تستهدف الطبقة الوسطى أكثر من العمال
كل النقود في صندوق التقاعد هي أصلاً من العمال
كل مقالتك تفتقر للحس الطبقي

كنت أول المعلقين على حركة السترات الصفراء باعتبارها ارهاصات نهاية فوضى الهروب من الاستحقاق الإشتراكي الذي أحقته الثورة البلشفية تحت عنوان -نداء إلى الشيوعيين- المنشور في 8 ديسمبر

التحليل العلمي لحركة السترات الصفراء يقول أن فوضى الهروب من الاستحقاق الإشتراكي الذي بدأته البورجوازية الوضيعة السوفياتية بإلغاء الخطة الخمسية في سبتمبر 53 قد أزفت نهايتها وهو ما يرتب على الشيوعيين الحقيقيين تحديدا الاستعداد لمواجهة نهايتها الكارثية كما يتوقع أن تكون

تحياتي


2 - رد الكاتب
فلاح علوان ( 2018 / 12 / 27 - 13:28 )
السيد فؤاد النمري
ساترك جانبا وصيتك التي اوردتها في السطر الاول مع ما فيها من تعابير استفزازية ولا تعبر عن مستوى معتبر في التحاور.
انا قلت ما يلي:
-ان تردد بعض النقابات في الانخراط في الحركة، بدعوى وجود قوى يمينية وراءها أو ما صار يعرف باليمين الشعبوي، له ما يبرره-
وهذا يختلف كثيرا عما تقول. فانت تذكر أو تشير وبغير وضوح وصراحة الى اني اقول بعدم مشاركة العمال والنقابات .. كذا.
تقول في تعليقك - لو كان هناك نظام رأسمالي في فرنسا لما اضطرت الحكومة لفرض ضرائب جديدة -... الخ
يقول ماركس - ان الضرائب هي سعر خدمات الدولة- وهذا كلام منطقي وعلمي، فلولا جهاز الدولة لا تستطيع الطبقات ادارة المجتمع.
انت ترفض اعتبار فرنسا دولة رأسمالية، أو ان الرأسمالية فد انهارت كما تكرر دوما، وهذا شأنك وتصورك. ولكن هل لك ان تجيبني بوضوح أو تجيب القراء عن شكل او نوع النظام الاقتصادي الاجتماعي السائد حاليا في فرنسا؟ اقول السائد حاليا ولا شأن لي بالازمة أو الاستحقاق، فالازمة لا تلغي النظام، لأن النظام الرأسمالي هو نظام ازمة متواصلة منذ 1830.




3 - الرفيق فلاح علوان
فؤاد النمري ( 2018 / 12 / 27 - 18:22 )
قصدت فضح أولئك الشيوعيين الذين يمنعون التعليق على كتاباتهم وهو الدليل القاطع على إفلاسهم وأنت كتبت ما كتبت لكنك لم تمنع التعليق

أما فيما إذا كان النظام الرأسمالي قد انهار في سبعينيات القرن الماضي أم ما زال عاملا فهذا لا يجوز أن يحتمل خلافاً في الرأي بل هو مسألة يبدأ منها أي نضال شيوعي وهو مسألة حاسمة في الاستراتيجيا والتاكتيك الشيوعيين
في العام 92 نشرت كتابي -أزمة الإشتراكية وانهيار الرأسمالية- وظننت نفسي أني الأول في التاريخ الذي يقول بانهيار الرأسمالية في سبعينيات القرن الماضي لأكتشف فيما بعد أن حصلت على النص الكامل لمؤتمر الحزب التاسع عشر في العام 52 أي قبلي بأربعين عاما أن الرفيق ستالين كان قد أكد انهيار التظام الامبريالي في وقت قريب وهو ما اتخذه مؤتمر الحزب قراراً هاما من قراراته

خليك عن فرنسا التي انتهى النظام الرأسمالي فيها حال احتلالها من قبل هتلر وهي مدينة اليوم ب 7 ترليون دولار فائدتها الستوية 250 مليار دولار لا يمكن الإدعاء إذابرأسمالية
الولايات المتحدة مديتة ب 22 ترليون فائدتها السنوية 600 مليار وأميركا لا تتدبر هذه المبالغ بغير المزيد من الاستدانة
مقالي اليوم يشرح أكثر

اخر الافلام

.. الشرطة الفرنسية تفرق المتظاهرين بالغاز المسيل للدموع


.. شاهد: محتجون في ألبانيا يحاولون اقتحام مبنى الحكومة


.. الفصائل الفلسطينية بموسكو.. عود على بدء




.. البرلمان الأوروبي يدين استخدام قاذف الكرات الدفاعية ضد المتظ


.. الأوضاع في فنزويلا - القائم بالأعمال و د.عصام الخواجا