الحوار المتمدن - موبايل



قراءة تحليلية حول مظاهرات ديسمبر السودانية أسباب إندلاعها، تطوراتها، مستقبلها، و إمكانية نجاحها أو فشلها ٤_١

عبير سويكت

2019 / 1 / 1
الثورات والانتفاضات الجماهيرية



قراءة تحليلية حول مظاهرات ديسمبر السودانية أسباب إندلاعها، تطوراتها، مستقبلها، و إمكانية نجاحها أو فشلها ٤_١


عبير المجمر (سويكت)


مما لا شك فيه أن على مر التاريخ السياسي السوداني يعتبر نظام الإنقاذ هو الأسوأ مقارنة بالأنظمة الديكتاتورية التي سبقته.
فعلى سبيل المثال إذا قارنا بين فترة حكم الديكتاتور المستنير الفريق إبراهيم عبود و الذي تلاه على الحكم جعفر نميري، نجد أن في فترة حكم الفريق عبود الذي كان رئيساً لجمهورية السودان في الفترة ما بين (١٩٥٨١٩٦٤) مؤسس البنية التحتية في السودان بعد الإستقلال و رائد التنمية الإقتصادية المتنوعة التي شملت مصانع النسيج و السكر (مصنع سكر حلفا، ومصنع سكر ملوط، مصانع الفاكهه و الألبان، مصانع الغزل والنسيج ... إلخ) ،و قام بانشاء الخطوط الجوية السودانية والخطوط البحرية، و انشأ خزان الروصيرص و خشم القربه و مشروع المناقل و مشاريع الزراعة الآليه، كما أنشأ بنك السودان.
قام بمد السكة حديد حتى شملت مناطق عدة في السودان ، خزان الروصيرص، كهرباء سنار، كبري شمبات، طريق مدني الخرطوم، كما أهتم بالقطاع التعليمي و عمل على تطوريه و تجويده و قائمة الإنجازات طويلة .

إضافة إلى أنه لم يأتى للسلطة بطريقة دموية أو غير شرعية لكن أتى في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني 1958 عندما سلمها له عبدالله خليل رئيس الوزراء و مجموعة المدنيين.
و عندما هبت إنتفاضة أكتوبر الشعبية في 21 أكتوبر/ تشرين الأول 1964 تنحي عن السلطة طوعياً و هو لا يملك حتى منزل شخصي حيث اتصف الفريق عبود بالنزاهة و عفة اليد و لم يعرف عهده الفساد المالي ثم سلم السلطة إلى حكومة انتقالية برئاسة سر الختم الخليفة.

كما أنه كان يتمتع بعلاقات خارجية جيدة و زيارته لأمريكا في عام ١٩٦١ خير دليل على ذلك حيث استقبله الرئيس الأمريكي كينيدي شخصياً في المطار ورافقه حتى مسكنه على عربة مكشوفة مع هتافات الشعب ثم بعدها إستقبل الفريق عبود في البيت الأبيض بصورة حافله وثقها التاريخ، و كذلك كان إستقبال الملكة اليزابيت له باحترام سياسي و في ذلك دليل على القبول الدولي الذي كان يتصف به.

أما جعفر نميري الذي جاء رئيساً لمجلس ثورة مايو 1969 التي أطاحت بنظام الرئيس الفريق إبراهيم عبود حيث حكم نميري منذ 25 مايو 1969 إلى 6 إبريل 1985 ،و من سلبيات حكمه آنذاك تطبيق القوانين الإسلامية
و ترحيله يهود الفلاشا من إثيوبيا إلى إسرائيل و من المعروف التعاطف السوداني الكبير مع القضية الفلسطينية ،و لكن السبب الرئيسي وراء الإنتفاضة الشعبية التي أطاحت به آنذاك هو تردي الأوضاع الاقتصادية و المجاعة التي حلت بالبلاد و خطاب الرئيس نميري الذي صنفه الشعب بالخطاب الإستفزازي عندما قال : من يأكل ثلاثة وجبات عليه أن يأكل وجبتين، و من يأكل وجبتين يأكل وجبة وأحدة، و من يأكل وجبة واحدة فعليه أن يأكل سبع بلحات، و عندها كانت الطامة الكبرى و حدثت الانتفاضة و انتهى الأمر به لاجئ في مصر عندما خرج الشعب السوداني إلى الشارع تقودهم النقابات والإتحادات والأحزاب ، و أعلن عندها وزير دفاع النظام آنذاك الفريق عبد الرحمن سوار الذهب إنحياز القوات المسلحة للشعب.

و ما أشبه الليلة بالبارحة فالتاريخ يعيد نفسه و ها هي الأزمة الإقتصادية و الضائقة المعيشية التي ألمت بالشعب السوداني في ظل عهد الإنقاذ الذي تردي فيه الوضع التعليمي و الصحي و الإقتصادي، و دمر فيه إقتصاد الدولة، و بيعت فيه الخطوط الجوية السودانية، كما بيع خط هيثرو في صفقة فاسدة و هو الذي كان يربط الخرطوم بدول أوربا و يعمل مباشرة (الخرطوم _لندن) حين كانت الخطوط الجوية السودانية تعمل بطريق (الخرطوم ـــ القاهرة روما _لندن).

و نهب المال العام و موارد الدولة سخرت لخدمة أفراد النظام و أسرهم بدل أن تسخر لتنمية البلاد و تعميرها و تحسين الوضع الإقتصادى و المعيشي للمواطن، و تفشي الفساد و الإستبداد و ظهور القطط السمان، و الفساد و الرشوة و الولاء السياسي التي كانت من أكبر مهددات الإقتصاد السوداني.

و تدهورت الحركة التجارية في السودان بين الصادرات و الواردات، و إنعدم الإنتاج و أنهار الإحتياطي من النقد الأجنبي، ثم حلت أزمة الجنيه السودانى و هبوطه الكارثي أمام الدولار في الوقت الذي عجزت فيه الجهات المسؤولة الوصول إلى سعر التوازن بين العرض والطلب الحقيقي للجنيه، كما فشلت في إلزام الآخرين بآلية السوق الحره المستقلة، و ارتفعت أسعار العملات الأجنبية التي صحبها إرتفاع مضطرد في أسعار السلع في الوقت الذي سعت فيه الدولة إلى تحرير قيمة الجنيه تارة و تعويمه و خفضه تارة أخرى.

و في الوقت الذي نادي فيه بعض الخبراء الإقتصاديين السودانيين بثورة إقتصادية تبني اعتماداً على التكنولوجيا و البحوث العلمية لزيادة الثروة الإنتاجية و تحسين الجودة و الإكتفاء الذاتي و بناء المخزون الإستراتيجي للغذاء و زيادة الصادرات، و لكن فشلت الروشتات العلاجية في ظل تقزيم النظام لميزانية الصرف على القطاع التعليمي، و الإنفاق على البحوث العلمية، و احتكار المنح الخارجية لأصحاب الولاء والانتماء السياسي و الإيديلوجي للنظام بدلاً من الإعتماد على أصحاب المقدرات و الكفاءات و التجارب المهنية الناجحه.

إضافة إلى ذلك تفائل المختصين في الشأن الإقتصادي بالرفع الجزئي للعقوبات عن السودان في أن يساعد ذلك في رفع القيود عن الحركة التجارية (الصادرات، و الواردات) و أن يفضي ذلك إلى تطبيع العلاقات و التعاملات المادية و البنكية و يجلب المستثمرين الأمريكان و الأوربيين الأمر الذي قد يساعد في إنفراج إقتصادي لكن للأسف الشديد مع الرفع الجزئى للعقوبات لم يتحقق اي شئ من ذلك و السؤال يطرح نفسه لماذا؟

علاوة على ذلك تحجج البعض بقضايا الهامش و الحروبات في إعاقة إحداث التنمية و النهضة الإقتصادية و استهلاك ميزانية كبيرة لعلاج المشاكل و الميزانية الهائلة التي تصرف على الأمن في الوقت الذي نرى فيه نموذج إثيوبيا الدولة الشقيقة التي استطاعت أن تحدث قفزة إقتصادية هائله في عهد الإصلاحي أبي أحمد مانديلا أفريقيا، حيث نجحت إثيوبيا في توظيف و استثمار الأثنيات و الطائفية التي تمكنت من التعايش في سلام و أحدثت نهضة إقتصادية نسبية جعلت من إثيوبيا "صين أفريقيا" في الوقت الذي فشل فيه السودان حكومة و شعباً في إدارة التنوع و فقدت الإرادة الصادقة في تحقيق هذا الهدف لمصلحة الجميع حيث أن النعرات الإثنية و القبلية متأصلة في الشعب السوداني منذ زمن بعيد .

كما أن البلاد خسرت عوائد البترول بعد أنفصال الجنوب الذي كانت الأركان الرئيسية المسؤولة عنه أمريكا و حكومة الإنقاذ و الحركة الشعبية الأم بعد وفاة القائد قرنق، و تلك المؤامرة التي حكيت ضد الشعبين من قبل الجهات الثلاثة، و لكن مع ذلك بعد إنفصال الجنوب ظل السودان يملك مقومات النهضة الإقتصادية و لديه موارد طبيعية هائله و بشرية قوية لكن فشل أيضاً إقتصاديو السودان في إستغلاله الإستغلال الذي يفضي للإزدهار الإقتصادى.

كما أن البند الخامس في إتفاقية الخرطوم لسلام الجنوب ينص على تبادل المنافع النفطية بين البلدين الأمر الذي في إمكانه إنعاش الخزينة العامة لمصلحة الشعب.
إلا أن هناك حالة إخفاق و فشل أدت إلى إرتفاع نسبة الفقر و العطالة و عدم توفر فرص العمل و إنعدام الدعم لصغار المنتجين و المستثمرين في الوقت الذي تذهب فيه موارد الدولة الإنتاجية و المالية إلى جيوب القطط السمان و الصرف الحكومي البذخي و جميعها معضلات نخرت في جسم الإقتصاد السوداني المعتل في الأساس و لا يمكن فصل الكارثة الإقتصادية عن النظام السياسي فكلاهما مرتبط بالآخر.


تابعونا للمقال بقية


عبير المجمر (سويكت)
٣١/١٢/٢٠١٨








اخر الافلام

.. -لا لعهدة خامسة- للرئيس بوتفليقة.. شعار رفعه آلاف المتظاهرين


.. آلاف المتظاهرين احتجاجا على ترشح بوتفليقة للانتخابات الرئاسي


.. زعيم حزب العمال البريطاني في بروكسل..لماذا؟




.. كيف يتذكر الشباب المغربي حركة -20 فبراير- بعد ثماني سنوات من


.. بوتين يهد الولايات المتحدة: مستعد لأزمة صواريخ كوبية أخرى إذ