الحوار المتمدن - موبايل



الفلسفة في المجتمعات المتخلفة

الفحلي طيب

2019 / 1 / 1
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


قراءة فلسفة الآخرين ضرورة، ولا يمكن أن تنُوب أطروحة عن أخرى أو فيلسوف عن آخر، فقرائتي ل"نيتشه"لا تغنيني عن قراءة "كانط"أو "اسبينوزا" أو"هيغل" أو غيرهم..

كلّ فيلسوف له فلسفته، و لهذا لا نجد تعريفا واحداً للفلسفة، إلاّ من ناحية الإشتقاق "محبة/صداقة/عشق الحكمة...
نيتشه مثلاً مُفيد جداً وضروري بحيث لا يُمكن الإستغناء عن فلسفته، لأنّه أحدث ثورة حقيقية في ميدان الفلسفة، تشبه الثورة التي أحدثها كوبرنيكوس و غاليليو غاليلي في مجال العلم، إذ أصبحنا نتحدث عن ماقبل نيتشه ومابعد نيتشه، والذين أتوا بعده كهيدغر تأثروا بفكره وفلسفته..

الفلسفة أكبر من أن تُختصر في تصور مُعين، فهي منهج في التفكير تتميز بالموضوعية أولاً وبالإخلاص ثانياً، فالفيلسوف يبحث عَن الحقيقة ولاَ يتنازل ولا يُساوَم ولا يُباع ولا يُشترى كما هو حال مُثقفوا اليوم الذين يُباعون ويُشترون في السوق كالنِعاج..

الفلسفة صعبة لأنّ التصوّرات والأُطروحات الفلسفية عميقة جداً في مجتمعات تُحب السطحي وليست لها القدرة على التعاطي مع الأطروحات العميقة سواءً تعلق الأمر بالإبستيمولوجيا أو الأكسيولوجيا أو الأُنطولوجيا، بالإضافة إلى أنّها تصوُّرات تقدمية في مجتمعات إرتكاسية-رجعية..

فمن أراد دراسة الفلسفة عليه أن يكون مُستعدا ً لتحطيم تمثلاته المسبقة والأراء التي سمعها ويسمعها و التي تلقاها منذ الصغر،مطلوب كذلك أن يكون كونياً، أي أن يهتم بالإنسان بما هو إنسان دون تمييز..

-لماذا نتحدث كثيراً عن الفلسفة؟ هل هي ضرورية إلى هذا الحد؟

الفلسفة ليست ترفاً، وليست كلاماً فارغا وثرثرة كما يعتقد الدّهماء والجُهَّال الذين لم يسبق لهم أن قرأوا صفحة واحدة، ومع ذلك يُصدرون الأحكام على الفلسفة ..

هذا غباء ما بعده غباء، كيف تُصدرون الأحكام على مواضيع لا علم لكم بها، وتتبجحون لأنكم قلتم: الفلسفة حرام أو لغو أو شيء من هذا القبيل ، وإذا سألناكم ماذا تعنى "فلسفة"؟ لن تستطيعوا الإجابة، لأنكم جهلة تتكلمون عن مواضيع بعيدة عنكم كلّ البعد ..

هناك أخطاء كارثية يقع فيها عدد من الأشخاص الذين يتطفلون على الفلسفة،وهذا راجع إلى عدم ضبط المفاهيم الفلسفية فمثلاً عندما نقول: "الإنسان حيوان ناطق" أو "موت الإله" فمعناه ليس هو ما يتبادر إلى ذهن هذا الشخص الذي يريد أن ينتقد قبل أن يقرأ ..

فالمفاهيم الفلسفية لها معانٍ مُغايرة، لذلك يجب معرفتها أولاً حتى تتمكنوا من فهم الطروحات الفلسفية ..

أما أن تأتي وتبدأ في إصدار الأحكام دون قراءة ودون دراسة ودون بحث فهذا غباء ما بعده غباء.. ومن يحاول أن يسيء للفلسفة فإنّما يسيء لنفسه فقط، أما الفلسفة فلا يمكن القضاء عليها، فهي لن تموت وتفنى إلاّ بموت وفناء آخر إنسان، لأنها ليس مادة كباقي المواد أو تخصص كباقي التخصصات، وإنّما هي مرتبطة بالعقل، فكلّما أعملت عقلك فأنت تتفلسف، شئتَ أم أبيت َ، كما أنّها تخترق جميع المجالات، مثلا: هناك فلسفة العلم، فلسفة الإقتصاد،فلسفة الدين،فلسفة الجمال، فلسفة التاريخ، الفلسفة السياسية...الخ

الغريب العجيب هو أنّه في مجتمعاتنا المتخلفة يتم إحتقار كلّ شخص يُعمل عقله، كلّ من يُفكر فهو مُتهم ولن تثبت براءته إلاَّ بعد موته بسنوات أو بقرون، هكذا هي مُجتمعاتنا لا تعترف إلاّ بالغائب، الذي ذهب ولن يعود، أما إذا كُنت أمامهم، تُناضل بكلّ الوسائل ،عن طريق الكتابة وعقد الندوات والمحاضرات والخروج في الإحتجاجات فإنَّهم يحتقرونك ولا يُبالون بك، لكن عندما تمُت وتذهب إلى اللاعودة، آنئذٍ وبعد أن يُواجهوا الحرّ الذي كنت تواجهه بدلاً عنهم، سيفهمون أنك كنت على حق،وأنك كنت قوياً إلى حد أنك واجهت الحَرّ الآتي من هُناك، وواجهت خبثهم/سكوتهم وإنتصرت ..

هذه هي حياة العظماء، لا يعيشون في بحبوحة ،و لا يركبون السيارات الفارهة ولا يشترون الملابس الفاخرة ولا يجلسون في المقاهي لساعات ولا يشاهدون المسلسلات ...الخ

لكن التاريخ هو الذي يحكُم، فينتصرون دائماً ويخلدون إلى الأبد .. من يستطيع محو إسم "أرنستو تشي جيفارا" أو "المهدي المنجرة" أو "المهدي بنبركة" .. الخ
أهم شيء هو أن تخلق المعنى، لكي لا تموت، ومن لا يبحث عن المعنى لا قيمة له، سيموت ويُدفن ككلب مات في الصحراء ، لكن التاريخ ليس بسيطا وليس سهلاً.. يجب أن تعمل ليل نهار من أجل الآخر وليس من أجل مصالحك الشخصية .. هذا ما علمتنا إياه الفلسفة وهذا ما علّمنا إياه التاريخ..

لذلك يجب أن ننتبه للمناضل الموجود بيننا، ذاك الذي يُقاتل نيابةً عنّا و نحن في سُبات عميق، لا نكاد نلتفت إليه ولا نُبالي به، حتى نسمع خبر وفاته، فنقول آه لم ننتبه..

هكذا هي مُجتمعاتنا، مجتمعات الجهل والجُهَّال، إهتمامهم مُنصبّ على المغنيين/ المخنثين التافَهين الذين لو وضعتهم جميعا في كفة ميزان ووضعت حذاء تشي جيفارا في الكفة الأخرى لرجحت الكفة التي عليها حذاء الرفيق/تشي.

الفحلي طيب 31/12/2018







التعليقات


1 - هكذا هي مجتمعاتنا
نور الحرية ( 2019 / 1 / 2 - 17:46 )
مذا ننتظر من مجتمعات تحد فيها المقرؤية الى مستويات تكاد تكون منعدمة أو هي منعدمة فعلا لا هم لهم سوى ارتياد المساجد والملاعب والملاهي منشغلون عن فهم واقعهم والوقوف أمام التحديات التي تجابههم .نعم مجتمعاتنا لا تقدس سوى الماضي وكل غائب ويحاربون كما أشرت أستاذ كل محارب ثوري يبغي خلاصهم انها مجتمعات الجهل والخرافة صحيح

اخر الافلام

.. مقتل ثلاثة عسكريين اثر تحطم مقاتلة روسية


.. قتلى وجرحى من تنظيم قاعدة اليمن في انفجار عبوة ناسفة


.. تحطم طائرة تقل مهاجم كارديف سيتي الجديد




.. كأس آسيا.. خيبات عربية بالجملة | #سبورت


.. ألمانيا وفرنسا: من -المصالحة- إلى -الدفاع المشترك-