الحوار المتمدن - موبايل



[2]. أدهشني الصَّديق الرّاحل عبدالأحد برصوم بتعاونه المنقطع النّظير مع فدوى عمسيح

صبري يوسف

2019 / 1 / 6
الادب والفن


أدهشني الصَّديق الرّاحل عبدالأحد برصوم بتعاونه المنقطع النّظير مع فدوى عمسيح

2

عبد برصوم فنّان رهيف الإحساس وطبيب مدهش في تقديم أرقى الخدمات لأكثر النّاس حاجةً، في وقتٍ ربَّما كان ينظر إليه على أنّه غير مهتم إلّا بنفسه! ولو لم أسمع وأرى بعيني وجهاً لوجه ما قدّمه عبد برصوم للسيّدة الغالية فدوى عمسيح ابنة ديريك وهي في أوج حاجتها ومحنتها مع ابنتها المريضة مريم، لَما صدّقتُ أبداً ما قام به هذا الفنّان الرَّهيف لهذه السّيدة القادمة من جنون الشّرق وحروبه، وأخطائه الطّبِّيّة الّتي أودَتْ مريم الشّابة الجميلة إلى نتائج كارثيّة مفجعة، وقد ظلَّ الدّكتور عبد برصوم منذ أوّل يوم من وصول فدوى مع ابنتها حتّى تاريخ وفاته، متابعاً قضيّة مريم المريضة والّتي كانت تحتاج لمن يترجم وضعها الصِّحّي الشَّائك للأطباء، ويتابع العديد من القضايا المتعلِّقة بوضعها الصِّحِّي، وتأمين مواعيد معالجتها، وهي في بداية قدومها إلى السُّويد، وربّما يظنُّ الكثير ممَّن لا يعرفون عبد عن قُرب، أنّه شخصيّة غير مبالية، وما كان يهتمُّ بالآخرين أو غير مبالٍ بالكثير من القضايا، ونظراً لأنّنا عشنا في نفس الشّقّة فترةً طيّبة، فقد تمكَّنتُ من متابعته عن كثب، حيث أبدى استعداده التّام لفتح ملف مريم والاطلاع عليه منذ وصولها، واتّصلَ مع الأطباء المشرفين عليها وتابع وضعها الصِّحِّي خطوة بخطوة واطّلعَ على تقارير الأطبَّاء الّذين يشرفون عليها وتابعَ بكلِّ دقّة نتائج تقاريرهم الطّبِّيّة، فوجدها ناقصة في بعضِ الإجراءات الّتي اتّخذونها، إلى درجة أنَّ أحد الأطبّاء الّذي كان يمسك ملف مريم، قال لعبد يا أخي عبد أنت تقول أنّك لستَ طبيباً وأنّك أحد أقرباء مريم، لكنّكَ بحسب ما تقدّمه لنا من ملاحظات وانتقادات، أراك طبيباً وتفهم أكثر منّي ومن الكثير من المشرفين على ملف مريم الطّبِّي، فأرجو المعذرة من كلِّ ما وقعنا فيه من أخطاء، وأودُّ أن أستشيرك بأن تنصحنا ماذا ممكن أن نقدِّم لمريم وما هي مقترحاتك الأسلم في كيفيّة متابعة الإشراف والمعالجة لمريم وتستطيع أن تقدِّم مقترحاتك كي نثبّتها في تقريرنا القادم ونقف مع مريم بالطَّريقة الّتي تراها مناسبة! واستجاب الدّكتور عبد لعرضه، وقدّم وجهات نظره الصَّائبة، حيث كان يعمل الدّكتور عبد في مستشفى كارولينكسا نصف دوام ونصف دوامه الآخر حالة مرضيّة من لجنة الأطباء الّتي أشرفت على عمليّة لعينه اليمنى، ومراراً وجدته يتحدّث مع فدوى ومع الأطباء، ولفترة طويلة، وسمعته أكثر من مرّة، يقول يا فدوى يا عزيزتي في حال لو متُّ تابعوا موضوع مريم بالطّريقة التّالية، وكانت فدوى تنزعج من هكذا تصريحات تتعلّق بموته، كما كنتُ أنزعج أنا الآخر عندما كان يخاطبني بهذا الأمر، فقد كانت تراه يتحدّث ويتابع موضوع ابنتها بكلِّ تفاصيله وبكلِّ ما يتعلّق بها وهو في كامل لياقته الذّهنيّة، وما كانت ولا كنتُ أبداً نصدِّق أنّه بهذه الخطورة، وما أدهشني أنَّ مَن كان يعرفه عن بُعد دون الدُّخول في أعماق مزاجه وعالمه واهتماماته وفكره وثقافته وتخصُّصاته، يظنُّ أنّه مجرّد شخصيّة متعجرفة وغير مبالية بالآخرين، حتّى أنا نفسي كنتُ متصوِّراً أنّه ربما لديه نوع العجرفة واللّامبالاة بالآخرين، ولكنّه تبيّن لي أنّه ليس غير مبالٍ بالآخرين بقدر ما كان لا يفكّر بما كان يراود الآخرون، ولا يفكِّر ببرامجهم وخصوصيّاتهم، فكان شديد الحذر من التَّدخُّل في شؤون الآخرين، فنادراً ما كان يقحم نفسه بخصوصيَّات الآخرين، وكان قليل الكلام في التَّحدُّث مع النّاس، وكما كان يتميّز بعلاقات عريضة وعميقة وقويّة مع عدد معيّن من الأصدقاء والصَّديقات، يعرف جيِّداً كيف يحدِّد أصدقائه، وبنفس الوقت كان من الممكن أن يكون صديقاً وفيَّاً من العيار الثَّقيل مع صديق الطُّفولة والصِّبا والشّباب حتّى الآن ومنهم أصدقاء عاديين غير متخصّصين، لكنّه كان يرى فيهم إحتراما ًووعيَاً وفهماً عميقاً وتقديراً، فقد أبهرتني حالة الصَّداقة الّتي ما كانَ يخرقها الماء مع صديقه شكري دنحو المعروف بلقبه (شكري زيرّو)، حيث كان يقول لي تعرف يا صبري يا شاعر يا جميل، أنتَ شخصيّة محترمة وصبورة ومتفهّمة لشخصيّتي وعالمي وعندك قدرات تُحسد عليها في كيفيّة تعاملكَ معي أو مع مَن هم على شاكلتي في ارتفاع نسبة المزاجيّة عندهم في الكثير من الأحيان، ولكن مع هذا تحتاج الكثير الكثير من الوقت والكثير من الصَّداقة معي كي تصل إلى نصف محبّتي وصداقتي مع شكري؟! فكنتُ أقولُ له وهذا يسعدني جدّاً أن تكون بهذه الخصوصيّة النّادرة في وفائك وإخلاصكَ مع أصدقائك، وهذا يدلُّ على أنّكَ وفيٌّ وتقدِّر الصَّداقة وتعطيها حقّها، وقد زارنا شكري عدّة مرّات من ألمانيا، ووجدتُ أنَّ عبدالأحد برصوم شخصيّة متواضعة ومحترمة وكلُّ مَن ظنَّ أنّه كان متعجرفاً ولا يتحدّث إلَّا مع الفنّانين أو المبدعين، فهو واهمٌ تماماً لأنّني وجدته بالعكس تماماً، حيث ما كان يطيق مَن هم متعجرفون ومتعالون على غيرهم، فالانطباع الَّذي لصقوه به كان عكس ما هو عليه، وأغلب انطباعات الآخرين عليه كانت غير دقيقة وغير صائبة، وكانت ناجمة على الأرجح عن عزوفه الكبير عن الدُّخول في عوالم المجتمع الكثيف، حيث ما كان يطيق حضور مناسبات الحفلات كالزَّفاف والخطوبة والعماد والمهرجانات والنَّدوات الكبيرة والمعارض ضمن حشد من الجمهور، حتّى أنّه عندما كنّا نسير في شارع ما ونصادف بعض النّاس، فلا يتوقَّف ويتحدَّث معهم ويسألهم كيف حالهم وكيف أخبار أمهاتهم وآبائهم وما شابه، حيث كان يعتبر أنّ حواراً في الشّارع بهذه الطَّريقة، كلام عابر ولا يجدي نفعاً له ولا للذي يلتقي به، ولا للطبيعة التّي يتمتّع بها، فلماذا لا نتابع سيرنا ضمن برنامج المشي ونتمتّع في الطَّبيعة، بعيداً عمَّا لا نعرفهم معرفة عميقة؟! ولِمَ لا يكون سلامنا عابراً مثلما هم عابرون في طريقهم عبور الكرام؟ بالحقيقة لو دقَّقنا في كلامه هذا، نجدُ أنّه عين الحقيقة، فغالباً ما نجد نصف المجتمع الشَّرقي عندما يتوقّف ويتحدَّث مع بعض الَّذين يصادفهم بحرارة، وحالما يدور كليهما ظهريهما لبعضهما بعضاً، نراهم يتحدَّثون عمّا صادفونه في طريقهم، وكأنّهما على خلاف مصيري مع بعضهما، فلماذا هذه المصافحات المجوَّفة بالنِّفاق، وأيُّهما أفضل أن يترك المرء النّاس وشأنهم ولا يسلِّم عليهم، إلّا سلاماً عابراً، من أن يسلِّم عليهم ويعانقهم وبعد أن يقطع متراً أو مترين نراهم يهمسون لمن معهم وهو لا يعرف الشّخص الّذي سلّم عليه، بكلامٍ تقشعرُّ له الأبدان؟ هذه النّاحية في عبد هي إيجابية تماماً لأنّه عندما يترك النّاس وشأنهم، فهو على الأقل لا يتحدّث عليهم ولا معهم طالما هم ليسوا أصدقاءه ولا تربطه بهم علاقات وطيدة ولا يرى فيهم أنّه من الممكن أن تتطوَّر علاقاته معهم إلى حالات وطيدة لهذا فإنّ كل مَن يدقّق في سلوك عبد ويقترب منه في العمق، سيكتشف أنّه يحتاج سنيناً طويلة كي يفهم الفهم الّذي يفهمه ويحلّله عبد في الكثير من تصرّفاته!
تواصلَ عبدالأحد برصوم لآخر رمق في حياته مع فدوى عمسيح لمتابعة وضع ابنتها مريم المريضة وقد كان يمنح فدوى كلَّ الأمل بشفاء ابنتها مريم، وساعدها بكلِّ صغيرة وكبيرة بما يتعلَّق بموضوع الهجرة والإقامة، وتواصلَ مع أغلبِ الأطباء الّذين لهم علاقة بمعالجة مريم من أطباء فيزيائيين وأقسام التَّصوير، سارت الأمور وكأنّه في يوتوبوري مع أنَّ كل تواصله كان عبر الهاتف والحوار الصَّوتي والكتابي من ستوكهولم، وقدّم كل هذه المساعدات وهو مريض وكان يعرف حقّ المعرفة أنَّ أيّامه قريبة، وكان يداوم دوامه في مستشفى إلى أن خرج من المنزل في حالة إسعاف منذ أيّام، دون أن يخبّرني أنّه خرج في حالة إسعاف كي لا يقلقني، فهل وجدتم أحبّائي في حياتكم إنساناً بهذه العطاءات وهو في طريقه إلى فراش الموت، يقدِّم حتَّى آخر لحظة في حياته كل هذه الآمال لأمِّ شابة مريضة؟!
وكم قدّم للسيدة جانيت عمسيح خالة مريم شقيقة فدوى من الخصال الجميلة من خلال تواصله الإنساني معها، وقدّم لها من النّصائح والحوارات المفيدة، وقد كانت إحدى النّتائج المفيدة إهتمامه بمريم وأمّها، هكذا يوماً بعد يوم اكتشفتُ من خلال تواصلي اليومي معه ومع تواصله مع فضائه الرّحب، كيف يترجم أرقى أنواع التّواصل مع بعض محبّينه وأصدقائه، وكم كان يكنُّ اِحتراماً واِهتماماً لصديق الأصدقاء جميل آحو، يتّصل به ويتحدّث باستفاضة كأنّه خشبة الخلاص في الكثير من هموم الدُّنيا، ماسكاً قلمه يخطُّ أفكاره، بجرأة نادرة، وبدا لي أنّه محاور من العيار الثّقيل وغير عنيد في آرائه عندما يجد محاوره مقنعاً في تفنيده وتحاليله، كما أنّه يأخد رأي محاوره وإن اختلف معه برحابة صدر عالية، كان عبد شيوعيَّ النّزعة منذ يفاعته وظلَّ شيوعيَّاً، إلى أن هاجر البلاد وحطّ به الرِّحال في أرض ممكلة السُّويد منذ تسعينيات القرن الماضي، وعندما حطَّ به الرِّحال في موسكو قاصداً أن يدرس الطُّب بعد أن دخل في عقده الخامس، وهو الأكاديمي المتخرّخ أصلاً من كليّة الفنون الجميلة قسم النّحت بتقدير جيد جدّاً وكان متفوِّقاً في تخصّصه، ومع هذا انقلب بطرفة عين من الفن والنّحت نحو الطّب البشري وبدأ يقرأ اللُّغة الرّوسيّة بشغفٍ كبير وتابع دراساته إلى أن نجح في دراسة الدّكتوراه في الطّب قسم الجراحة العامّة، حتّى أنّه قال لي منذ شهور أنّه بصدد قراءة اللّغة الألمانيّة لمتابعة أحد التَّخصُّصات، فجنَّ جنوني منه وقلت له يا رجل أنت طبيب تحمل الدّكتوراه في الطّب وتبحث عن تخصُّصٍ جديد وأنتَ في السّتين من عمرك، فكان يقول لي ولماذا حضرتك قرأتَ وأنتَ في الثالثة والخمسين من العمر دراساتك الأكاديميّة في جامعة ستوكهولم، فكنت أضحك وأقول له، المشكلة يا صديقي ما وجدتُ أكثر منِّي جنوناً في الطُّموحات غير حضرتكَ، لهذا نلتقي على كلِّ الجبهات، فكان يضحك من أعماقه قائلاً، قويّة طلعت معك عبارة جنون الطُّموحات، ثمَّ كان يرطّب الجوّ وهو في أوج مرحه قائلاً أعزمك على الشّاي يا صديقي، كنتُ أجيبه لِمَ لا، فكرة رائعة، وأنا سأقدّم لكَ أغنية "آيلا كُلِيْ كُلَا منِي .... شِيرِينا لبَرْ دلِي منِي" وحالما كان يسمع عرضي هذا كان يضحك ويقول أغنية كرديّة رائعة ولحنها جميل، وحالما كنتُ أعزفها وأبدأ بالغناء كانت ترتسم البسمة على وجهه ثمّ نغوصُ في القهقهات، كأنّنا كنّا نترجم عبر قهقهاتنا أصفى تجلِّيات الحنين إلى ربوع ديريك!

29. 8. 2018







اخر الافلام

.. أفضل فيلم مصري في عام 2018


.. شاهد..وزيرة الثقافة تعلن ضم الأقصر لـ-ابدأ حلمك- بحضور محمود


.. (ما رح ندفع.. ما فينا ندفع) مسرحية تنتقد اوضاع لبنان




.. وزيرة الثقافة تفتتح أول ناد سينما أفريقية بالأقصر


.. شدو الموسيقى يغدو أروع وسط أحضان الطبيعة الخلابة في قلب موسك