الحوار المتمدن - موبايل



[3]. عبدالأحد برصوم ورعايته واهتمامه الكبير بابنة أخيه -جِيْدَا- زهير برصوم

صبري يوسف

2019 / 1 / 6
الادب والفن


عبدالأحد برصوم ورعايته واهتمامه الكبير بابنة أخيه "جِيْدَا" زهير برصوم

3

كان الفنّان الدُّكتور عبدالأحد برصوم متعلِّقاً جدَّاً بـ "جِيْدَا" ابنة أخيه المهندس زهير برصوم، والدتها مدرّبة الفتوّة المعروفة في ديريك السَّيّدة كفى كبرو أم غالي، كم كان يرى عبد في "جِيدا" صبيّةً موهوبة في الغناء وفي التّحصيل العلمي، لهذا خصَّص لها وقتاً طيّباً للاهتمام بها اهتماماً عميقاً في الموسيقى وقد عزفَ لها مراراً على العود وكانت ترافقه في الغناء بصوتها الحنون، كانت تغنِّي لفيروز ولبعض الفنّانين والفنّانات، وغنَّت أغنية عن الأم كان عبد قد كتبها عن أمّه الرَّاحلة، كلاماً في منتهى الرّقة والحنين، وقد قرأ لي هذه القصيدة أكثر من مرّة وقال إنّها قصيدة عن أمِّي وهي خاصّة بـ "جِيْدَا" كي تغنِّيها بصوتها الجميل عن جدّتها وديعة! وسألته منذ متى تغنِّي فأجابني عندها موهبة في الغناء منذ طفولتها ولديها شغف كبير في الموسيقى والفن، تغنّي بشكل رخيم وتمتلكُ صوتاً فيه من الصَّفاء والحنان الشَّيء الكثير، كم كان عبد متعلِّقاً بالجمال، شغوفاً بالفنِّ والموسيقى والإبداع وبكلِّ ما هو بديع في الحياة، ومن شدّة تعلُّقه بها قال لها أكثر من مرّة "جِيْدَا" حبيبتي أنا متعلِّق بكِ كثيراً وأفضل شيء أن أتبنَّاكِ، فكانت تضحك وتقول له إنّي أراك قد تبنَّيتني يا عمّو، ها أنّني أراك تأتي إلى عندنا وتهتمُّ بي وتزوِّدني بكلِّ ما تستطيع من معلومات حول الموسيقى وحول كيفية متابعة دراساتي، فأنا يا عمِّي أحبّكَ كثيراً، ولا أرفض لكَ طلباً، واعتبر نفسك قد تبنّيتني. وكانا يضحكان ضحكاً من القلب، ينظر والدها المهندس زهير بفرح إلى أخيه عبد وهو يقول حلوة فكرة أن تتبنَّى "جِيْدَا" وحلوة أكثر أن تظلَّ "جِيْدَا" في بيت أبيها وتتبنّاها كي تصبح حجّة لأن تزورنا كلّما تشتاقُ إليها، كان الجميع يضحكون ويفرحون ويجيبهم عبد بكلِّ بشاشة، فعلاً أكثر سبب يشدّني لزيارتكم هو "جِيْدَا" لأنّني أحبّها كثيراً، وهي نقطة ضعفي، تتقدّم "جِيْدَا" نحو عمّها وتعانقه وهي تقول، أحلى عمّو عبد في الدُّنيا!
كان الفنّان الدّكتور الرَّاحل عاطفيّاً لأبعد الحدود عندما يتعلّق بشخصٍ ما، ويترجم حنينه وحبّه وعاطفته بعطاءات مجنّحة نحو رحاب الفرح العميق، فيخلق للذين يتعلَّق بهم حالة بهجة وسرور، وهو قنّاص ماهر في سلب قلوب من يحب، لأنَّ لديه طريقة في العطاء تدهشُ الَّذين يحبّهم، وكنتُ أعتقدُ قبلَ أن نسكن معاً، أنّه مبدع عقلاني وبعيد عن هذه العلاقات العاطفيّة المتعلّقة بالحنين العميق للأهل أو الأصدقاء وأولاد الأصدقاء، لكن بعد أن عشنا فترة طيّبة تُخوِّلني أن أحكم من خلالها عليه عبر الكثير من المواقف الحيّة الّتي شاهدتها بأمِّ عيني، حيث شاهدت عشرات المواقف الّتي تؤكّد لي أنّه كتلة من العاطفة المعطاءة عطاءً حقيقيَّاً صافياً دون أي مقابل، نراه يُضفي على عاطفته عطاءً فريداً، سواء كانت الجهة ابنة أخيه زهير أو أيّة ابنة أو ابن يحتاج للعطاء أو المساعدة وتربطه بهم علاقة أو صداقة ما، كما حصل مع ابنة فدوى عمسيح، حيث قدّم عطاءات ممكن أن ندرجها في خانة المعطائين الأنبال الكبار! .. وكنّا أو الكثير منَّا يظنُّ أنَّ الدُّكتور هو مجرّد إنسان منزوي في صومعاته المتتالية عبر المدائن والعواصم التّي وطأتها قدماه من خلال محطّات عمره المحفوفة بطموحاتٍ لا تنتهي، وإذ بي أراني أمام إنسان عميق للغاية في إنسانيّته وعطاءاته على أكثر من صعيد، وكم وجدته يسهر اللَّيالي وهو يعدُّ حلقة بحث أو دراسة ما كوظيفة تقدِّمها "جِيْدَا" في الحلقة الثَّانوية، فكنتُ أقول له يا دكتور يا صديقي عبد هذه الوظيفة الّتي تعدُّها لـ "جِيْدَا" بهذه الطَّريقة الحِرَفيّة العالية، تصلح أن تكون حلقة بحث لطالبة جامعيّة، لا تنسى أن "جِيْدَا" طالبة في الحلقة الثّانويّة وهي تحتاج أن تقدِّم وظيفتها بمعلومات بسيطة عن الموضوع الّذي تعدُّه، فكان يجيبني أريد أن تحضّر وظيفتها وتقدِّمها لأستاذها بحيث أن تتفوَّق حتّى على أستاذها في المعلومات الّتي بين يديها ولديها كل المصادر الّتي استقيت منها المعلومات الَّتي أعددت منها الوظيفة، كنت أجيبه ولماذا كل هذا التَّركيز على وظيفتها، وسرعان ما كان يجيبني التَّركيز ليس على وظيفتها، بل التّركيز هو على "جِيْدَا" نفسها! وهكذا وجدْتُ في عبد شخصيّة رهيفة في متابعة ما هو مطلوب منه في مساعدة "جِيْدَا" أو مساعدة أي شخص يقوم بمساعدته، ووجدت فيه الكثير من المواقف الّتي تدلُّ دلالة مدهشة في العطاء حيث كان هو ضمن ظروفه الَّتي مرَّ بها في أشدِّ الحاجة للعطاء والوقوف إلى جانبه، لهذا حرصتُ أن أؤمِّن له كل وسائل الرّاحة والهدوء والفرح والطَّمأنينة والتّعاون في كلِّ ما يحتاج إليه!
بلّغته في بداية اقتسامه السَّكن معي، أنَّ الصَّديق عادل فقّة يسلمّ عليه، فقال لي، عادل كان يغنّي؟ فقلت له بالضّبط ومايزال يغنِّي، فأجابني رائع، معناه ممكن أن نلتقي به، فقلت له طيّب لو عادل أراد أن يزورك ستستقبله، فأجاب طبعاً بكلِّ سرور، عادل صديق محترم وفنّان! ونادراً ما نرى عبد يتقبّل أن يزوره شخص ما بهذه البساطة، وأحياناً ممكن أن يكون الصَّديق من الأصدقاء المقرّبين، لكنّه بدا لي متهلّفاً لهكذا لقاء، وبلّغت الصَّديق عادل على رحابة صدر عبد للقاء به، وبلّغت عبد وكان اللّقاء جميلاً، وتتالت اللِّقاءات، ثمَّ تطوَّرت إلى أن وضعنا برنامجاً كي نتمشّى في الهواء الطّلق رياضة المشي، وبعد شهور من اللِّقاءات، دعا عبد الصّديق الفنّان الكردي الشَّهير عادل فقّة والمعروف بصوته العذب خاصّة عندما يقدِّم المواويل الكردية مثلاً "شاهينو" وعشرات المواويل الّتي يغنِّيها بطريقةٍ تشعر أنّه يطير فرحاً وإبداعاً وأداءً، دعاه كي يزورا معاً أخيه زهير للقاء بـ "جِيْدَا" واختبار صوتها من قبل عادل فقة باعتباره فنّان وله خبرته في تقييم الصَّوت الغنائي لفنّان أو فنّانة ما، حيث أن ابنة عادل، الفنّانة نارين فقة تعتبر الآن من الفنّانات الكرديات البديعات والّتي أشرف عليها والدها وقدَّمها للوسط الفنّي إلى أن غدت فنانة معروفة على السّاحة الفنّيّة الكرديّة، وهكذا ذهبا إلى بيت زهير وجهّز عبد عوده وبدأ يغّني لـ "جِيْدا" ورافقته في الغناء وعادل يصغي إليها بكلِّ اهتمام، وبعد أن قدَّمَتْ فقرة صغيرة، جاء وقت تقييم الصَّوت، فقال عادل بدون أيّة مجاملة أن "جِيْدَا" تمتلكُ صوتاً أفضل بكثير من بعض الفنّانات اللَّواتي يغنُّون في بعضِ الفضائيّات ولها مستقبل كبير في الموسيقى والغناء فيما لو تابعت التّدريب والتّركيز على صقلِ موهبتها، وهذا ما جعل "جِيدا" مهتمّة بالموسيقى أكثر، وفيما كنتُ في إحدى المرّات في المنزل، أراجع وأدقِّق إحدى فصول رواياتي، حيث يطلُّ مكتبي على مدخل المنزل، فلمحت عبد يفتح الباب بكلِّ هدوء وبرفقته فتاة جميلة، سلّما ودخلا الممرّ المؤدِّي إلى المطبخ، حيث كان قد اتّخذ من مطبخ المنزل بمثابة غرفة استقبال صغيرة لضيوفه وفسحةً لاستراحاته، وفيما كنتُ أراجع تدقيق نصوصي، وإذ بعبد يعزف على العود وبدأت الفتاة ترافقه في الغناء، حيث أنّني لم أركّز أثناء دخولهما مَن هي الفتاة وإذ بها "جِيْدَا" فتركتُ متابعاتي في التَّصحيح والمراجعات بعد أن انتهَتْ من أداء أغنيتها ولأوَّل مرّة أسمع صوتها، ذهبت وسلّمتُ عليها وقلتُ لها حبيبة قلبي أنتِ فنّانة بكل معنى الكلمة، ما هذا الصَّوت الجميل! من أنتِ فقالت عمّو أنا "جِيْدَا"، أنت وعمو عبد اتيتما إلى عندنا زيارة والتقيتَ بي، ولكنِّي ما كنتُ أعرف أنَّك تغنِّين بهذا الشَّكل الرّائع، فقالت عمّو عبد يشجّعني على الغناء وعمّو عادل قال لبابا ولعمو عبد، "جِيْدَا" صوتها أفضل من الكثير من المغنِّيات الّذين يغنُّون، جميعكم تشجِّعوني على الغناء، بكلِّ تأكيد نشجِّعك لأنّك تغنِّين بطريقة مرهفة وبديعة. كان عبد مسروراً لكلِّ هذا الإطراء وفيما كنّا ندردش دخل زهير والد الصَّبية الرَّائعة، فقلت له يا رجل عندك ثروة فنِّيّة ولا ندري، فضحك وقال خفِّفوا على "جِيْدَا" العيار، لئلّا تصدّق نفسها فعلاً أنّها فنّانة، فقالت طلّع عمّو بابا ما يشجِّعني مثل عمّو عبد ومثلك، فقلت لها يبدو أن بابا يريدك أن تصبحي مهندسة مثله، فضكنا وقالت هذا بُعده وهي تنظر إلى عمِّها عبد وقالت عمُّو عبد هو يعرف ماذا ممكن أن أكون في المستقبل لأنّه عبقري، وكيف عرفتِ أن عمّو عبد عبقري، ولو يا عمّو صبري، أنت بالذَّات قلتَ لي في زيارتكم الأخيرة، تعرفي يا "جِيْدَا" أن عمّكِ عبد هو عبقري، هل نسيتَ؟ لا لم أنسَ يا عزيزتي، هل تعلمي يا جِيْدَا" أنّ عمّكِ صبري لديه ذاكرة حجريّة؟! ضحكت وقالت حلوة جدّاً عمّو عبارة ذاكرة حجريّة! نظرتْ إليّ ببسمة وتأمُّل وهي في غاية الفرح، ثم قالت طلّع عمُّو بكلِّ هذه اللّوحات الجميلة الّتي رسمتها، أحلى لوحات، كلّها فرح وسلام وأمل، لقد تحدَّثَ لنا عمّي عبد عن مواهبكَ طويلاً، عن كتاباتك وقصصك وأشعارك ولوحاتك، كنتُ أفكِّر أنّه يبالغ، والآن هل صدّقتِ أنّه ما كان يبالغ؟ طبعاً صدّقتُ الآن وقبل الآن، نظرتْ إليّ وهي تغمزني غمزة الحاذقات وهي تقول، لا تنسى يا عمّو كمان أنتَ عبقري، نظرتُ إليها بكلِّ حبورٍ قائلاً، ها أنتِ محاطة بالعباقرة ولا بدَّ أن تصبحين يا عزيزتي عبقريّة بجهود وعون العباقرة، فضحكتْ وقالتْ ناقصنا عباقرة، كان والدها زهير ينظر إلينا وهو بأشدِّ فرحه، يرى ابنته منطلقة ومسرورة مع عمِّها وأصدقائه. وهكذا من دون أيَّةِ مقدّمات باغتنا برحيله هذا الصَّديق العبقري المدهش في طموحاته الَّتي حقَّقها، رحل الصّديق عبد قبل الأوان، وتركنا ونحن في أوجِ انسيابِ دموعنا، نحُنُّ إليه وإلى موسيقاه ونقاشاته وأفكاره وبحوثه وعالمه الفسيح الّذي كان يقودنا إلى فضاءاتٍ رحيبة من أرقى وأصفى آداب الحوار!

30. 8. 2018







اخر الافلام

.. أفضل فيلم مصري في عام 2018


.. شاهد..وزيرة الثقافة تعلن ضم الأقصر لـ-ابدأ حلمك- بحضور محمود


.. (ما رح ندفع.. ما فينا ندفع) مسرحية تنتقد اوضاع لبنان




.. وزيرة الثقافة تفتتح أول ناد سينما أفريقية بالأقصر


.. شدو الموسيقى يغدو أروع وسط أحضان الطبيعة الخلابة في قلب موسك