الحوار المتمدن - موبايل



المعرّي فيلسوفاً

عبدالرزاق دحنون

2019 / 1 / 6
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


لدى الاحتكام إلى القواميس في البحث عن أصل كلمة فلسفة نجد أن الكلمة مؤلفة من مقطعين فيلو: حب. وسوفا: حكمة. والكلمة تعني باليونانية "حب الحكمة". فهل كان أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي المُكنى بأبي العلاء المعري حكيماً فيلسوفاً؟
1
يزعم طه حسين أن الناس لا يعرفونه إلا رجلاً ملحداً، فإذا سألتهم عن علة إلحاده، رووا لك أبياتاً في اللزوميات، تنطق بإنكار الشرائع، وازدراء الأنبياء، وهذا القدر هو فقط ما عرفه الناس عن فلسفة الرجل. طرح السؤال للجدل عميد الأدب العربي في كتابه القيم "تجديد ذكرى أبي العلاء" و الذي قدمه إلى الجامعة المصرية ونوقش بين يدي الجمهور في الخامس من أيار سنة 1914 ونال مؤلفه شهادته العلمية ولقب دكتور في الآداب. وكان في جوابه بعد دراسة وتمحيص, نعم يمكننا أن نسميه فيلسوف المعرة.
2
اجتمعت في فيلسوف المعرة المقوّمات النموذجية لمفكر حر، ألمَّ بفكر العرب وثقافتهم، واستمدَّ من تلك الثقافة رموزها الفلسفية، فأنضجها في أتون العقل، وصنع منها مشروعاً حضارياً عملاقاً نستطيع القول إنه ما زال حياً إلى يومنا هذا. وهو بهذا القيد المعبّر الأمثل عن منحى التنوير في الإسلام. وبفضل طه حسين وعائشة عبدالرحمن عاد فيلسوف المعرة رمزاً من رموز الاستنارة وحرية الفكر وشجاعة العقل في العصر الحديث.
3
تنصبُّ في فيلسوف المعرة خلاصات حضارة عملاقة، كان هو جزءاً متميزاً منها, وعنصر تمرد أساسي ضدها؛ فهو نتاجها، الذي تُوجتْ فيه حتى بلغت النقطة الحرجة التي تؤذن بالانعطاف في مجراها الرئيسي لكي تستحيل إلى شيء آخر ينفيها في مجرى جديد، تنحل فيه تناقضاتها المدمرة لتبني كياناً آخر ينطلق منها دون أن يتعثر بأشلائها. ولعلها لو استجابت له حين بلغت الذروة لما سقطت شهيدة العجز عن التفتح والتجدد و الديمومة. لقد استطاع بفكره الفلسفي المبثوث في مؤلفاته تجاوز زمانه ومكانه ليكون حاضراً في أي مسعى منشود لفيلسوف حرّ يريد أن يوحد بين الذات والنص لتوطيد سلطته الثقافية والفكرية.وقد استعملت لقب فيلسوف المعرة في أكثر من مقال منشور في الصحافة العربية, وأحببت أن يشيع هذا اللقب بين الناس, وهنا أعيد تأكيده ما استطعت إلى ذلك سبيلا. وقد شجعني على هذا الأمر ابن العديم صاحب كتاب "الإنصاف والتحرّي في دفع الظلم والتجرّي عن أبي العلاء المعرّي" وهو كتاب وضعه في الدفاع عن فيلسوف المعرة.
4
في حادثة تؤكد أن ارهاصات التفكير الفلسفي بدأت مذ كان أبو العلاء صبياً يتعثر في طرقات معرة النعمان المتربة. قال ابن العديم :
خرجت جماعة من أهل العلم في حلب الشهباء إلى ناحية معرة النعمان, وقصدت أن تشاهد أبا العلاء, وتنظر ما يحكى عنه من الفطنة والذكاء, فوصلت إلى المعرة, وسألت عنه, فقيل لها هو يلعب مع الصبيان, فجأت إليه وسلمت عليه, فرد عليها السلام. فقيل له: إن هؤلاء جماعة من علماء حلب جاؤوا لينظروك ويمتحنوك, فترك لعب الصبيان, وقال لهم : هل لكم في المقافاة بالشعر؟ فقالوا نعم. فجعل كل واحد منهم ينشد بيتاً وهو ينشد على قافيته, حتى فرغ محفوظهم بأجمعهم, وقهرهم. فقال لهم: أعجزتم أن يعمل كل واحد منكم بيتاً عند الحاجة إليه على القافية التي يريد؟ فقالوا له : فافعل أنت, فجعل كلما أنشده واحد منهم بيتاً أجابه من نظمه على قافيته, حتى قطعهم كلهم, فعجبوا من فطنته وانصرفوا.
5
حين نمعن الفكر في كلمة فيلسوف ودلالاتها في الثقافة العربية نجدها مبهمة غامضة الحدود، يمكن إيجازها بمن درس العلوم الطبيعية والإلهية والخلقية درساً متقناً وكانت حياته موافقة لنتائج بحثه، ونطلق عليه اسم فيلسوف أو حكيم. وغالباً ما يكون المنهج المتسق والقدرة على الإبداع شرطين لا غنى عنهما لتفرقة الفيلسوف عن غيره.
6
قال محمد مهدي الجواهري شاعر العراق الأكبر مخاطباً فيلسوف المعرة في قصيدة مشهورة جاءت في واحد وتسعين بيتاً أنشدها أول مرة في المهرجان الألفي لأبي العلاء المعري في ذكرى مرور ألف سنة على مولده وذلك في حفل الافتتاح المهيب يوم الأثنين الخامس والعشرين من أيلول سنة 1944 على مدرج جامعة دمشق في العاصمة السورية. حضر الحفل رئيس الجمهورية السورية السيد شكري القوتلي و كان طه حسين حاضراً في تلك الأمسية:
أحللت فيك من الميزات خالدة
حرية الفكر والحرمان والغضبا
ويعلق هادي العلوي على هذا البيت قائلاً: مع مراعاة قيود التعبير الشعري لا أود أن ينحصر الذهن في أن فيلسوف المعرة لم يتميز إلا بهذه الخصال الثلاث العظيمة، حرية الفكر، الحرمان الطوعي، الغضب، النقد، نزعة التمرد، حالة العصيان ضد الثوابت المترسخة في مجتمع متمدن.
7
هذا ما جعل عسكرياً يفك الحصار عن بلدة المعرة، ويتراجع عن خطة لاجتياحها واستباحتها بمناشدة منه. وهي حالة نادرة، أن يتراجع عسكري أمام فيلسوف، فقد كانت جيوش أسد الدولة صالح بن مرداس، صاحب حلب، تحاصر أسوار معرة النعمان وتتأهب لاقتحامها. فهرع أهلها إلى فيلسوفهم، الذي سفه أخلاقهم وعاداتهم ومعتقداتهم وخرافاتهم، فتوسلوا به إلى صالح، فخرج إلى ظاهر البلدة. وقيل لصالح: إن باب المدينة قد فتح وخرج منه أعمى يتوكأ على قائد له، فقال صالح: هو أبو العلاء، فدعوا القتال للنظر ماذا يريد؟ وكان قد أعد لهذه اللحظة لزومية قال فيها:
تغيبت في منزلي برهة
ستير العيوب فقيد الحسد
فلما مضى العمر إلا الأقل
وحُمَّ لروحي فراق الجسد
بُعثتُ شفيعاً إلى صالح
وذلك من القوم رأي فسد
فيسمع مني سجع الحمام
واسمع منه زئير الأسد
ورد عليه القائد: «بل نحن الذين تسمع منا سجع الحمام وأنت الذي نسمع منك زئير الأسد». ثم سأله عن حاجته فأخبره بها، فأصدر أمراً فورياً بالانسحاب، وترك المعرة لأهلها.
8
فيلسوف المعرة، رهين المحبسين، وبصير زمانه. درس على أبيه حسب ما ورد في كتاب «أبو العلاء المعري» لعائشة عبدالرحمن. رحل إلى حلب حيث كانت الحركة الثقافية لا تزال نشيطة. وزار أنطاكية وطرابلس الشام ومرَّ باللاذقيَّة وأخذ من علوم اليونان وآرائهم الفلسفية.
في أواخر العقد الثالث من حياته رحل إلى بغداد ومكث فيها بحدود العامين عاد بعدها إلى معرة النعمان ليجد أمه قد لحقت بأبيه، فاعتزل الناس إلا خاصة طلابه وخادمه، حتى وفاته. ترك فيلسوف المعرة أكثر من خمسين كتاباً، فُقدت معظمها في اجتياح البيزنطيين لمعرة النعمان بعد وفاته بزمن، وإحراقهم مكتبتها، ومنها مكتبته الشخصية التي كانت في منزله وتضم مخطوطات فريدة لمؤلفاته.







التعليقات


1 - احسنت استاذ ولكن هل انت متاءكد من 1944 الالفيه
الدكتور صادق الكحلاوي ( 2019 / 1 / 7 - 08:58 )
هنالك اكثر من سبب يجعلني اشك بالتاريخ المذكور للالفيه منها حضوري احتفالا بالالفيه عقدها السوفيت في موسكو اثناء مهرجان الشباب والكلاب عام 1957ولم ينوه احد ان الالفية قبل هذا التاريخ-تحياتي


2 - الأستاذ الفاضل الدكتور صادق الكحلاوي
عبدالرزاق دحنون ( 2019 / 1 / 7 - 16:37 )
أسعد الله أوقاتك بكل خير ...أقول أولاً نحن أهل إدلب في الشمال السوري نفتخر بأن تربتنا تحتضن رفات ذلك الفيلسوف الجليل. ثانياً المهرجان الألفي لأبي العلاء المعري أشهر من نار على علم دام المهرجان أسبوعاً كاملاً من 25أيلول إلى 1 تشرين الأول 1944حضر حفل الافتتاح في مدرج جامعة دمشق الرئيس السوري شكري القوتلي وكان من أبرز الحضور من مصر الدكتور طه حسين, أحمد أمين, إبراهيم عبد القادر المازني, والدكتور عبدالوهاب عزام. ومن العراق الأستاذ طه الراوي, الشاعر محمد مهدي الجواهري, والدكتور مهدي البصير. على كل حال هناك كتاب صادر عن هذه المهرجان من مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق تحت عنوان: المهرجان الألفي لأبي العلاء المعري ... لو كنت أعرف بريدك الالكتروني لأرسلته لك على الرحب والسعة ...تحياتي القلبية لك ودمت بخير.

اخر الافلام

.. مئات الكازاخ قيد الإقامة الجبرية في شينجيانغ


.. ترويج/ وثائقي -في سبع سنين-


.. بافل طالباني :- العلاقة بين الشعب الكردي وأمريكا أعمق من معر




.. بافل طالباني: - المهم الان استعادة ثقة الشعب الكردي والمجتمع


.. شاهد.. سرقة 215 ألف ريال في عملية سطو في السعودية