الحوار المتمدن - موبايل



النهضة والثقافة والتاريخ -قراءة في مشروع مالك بن نبي الحضاري

جاسم الفارس

2019 / 1 / 6
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


المقدمة
مشروع مالك بن نبي الحضاري مشروع تجاوزي كبير , يتجاوز الماضي الى الحاضر الفعّال , ويتجاوز الحاضر الى المستقبل المنتج للإبداع, يتجاوز فكر النهايات, نهاية التاريخ ليبدأ منه, نهاية الفلسفة ليبدأ منها, نهاية المثقف ليعيد صناعته, نهاية الإنسان ليعيده الى خلافة الله تعالى, هذا الموقف الذي لا يرضى بغير الخلق والإبداع طريقاً للنهضة, لذلك استفز مشروع مالك بن نبي العقل المسلم بتفجير منظومة من الأسئلة التي تشكل فضاءً معرفياً لأبحاث عديدة ودراسات عديدة وندوات عديدة, محاورها :-
* كيف نبني منهجاً قرآنياً في تفسير التاريخ ؟
* كيف يمدنا القرآن الكريم بالقدرة على الحرية والتحرر ؟
* ما التاريخ في القرآن الكريم ؟
* ما العلاقة بين موقع الإنسان في حركة الحضارة وبين الفكرة الإسلامية, في( الإستخلاف ) ؟
* أين مكانة العقل في صيرورة الحضارة ؟
* ما أهمية أدراك قوانين الطبيعة وسننها ؟
قدم مالك بن نبي مشروعاً في إعادة اكتشاف الذات المسلمة, والوجود الحضاري الإسلامي, والوجود من حوله, مستعيناً بالقرآن الكريم بوصفه مصدر ( الفكرة الدينية) الخلاقة, ومؤشراً على الانحراف عن قيمه الخلاقة .
فالقرآن الكريم لم يطالب البشر بضيق الأفق وضيق الفكر الذي لم يرَ في القرآن الكريم غير أحكام العبادة الظاهرة, إنما يطالب بالانطلاق في رحاب الكون لاكتشاف أسراره .
لم يهتم مالك بن نبي في الإطار المفاهيمي في الدراسة على الطريقة الأكاديمية والمعرفية الصرفة, فهو لم يقصد أن يقدم بحثاً في نظرية المعرفة, إنما قدم (فهماً) لقضية النهضة الحضارية, يعتمد الإجراءات العملية في دراسة الظاهرة الحضارية ومقوماتها الأساسية (الإنسان, التراب, الوقت), بعيداً عن الأحكام الذاتية, وبعيداً عن مفاهيم عقلية ساكنة تفتقر الى القيمة الاجرائية على مستوى العقل .
وسعى مالك بن نبي الى أن يبدأ عمله الحضاري من جديد بالعودة الى خطة الخلق الحضاري القرآنية , واكتشاف مقوماتها في القرآن الكريم, وتجارب الأمم الأخرى .. ذلك أن العمل على اكتشاف المعرفة أكثر ضرورة في المشروع الحضاري من تنمية المعرفة, فتنمية المعرفة جهد أكاديمي نظري في أغلب الأحيان, أكثر مما هو جهد إبداعي يهدف الى بناء حضارة جديدة يشارك فيها الجميع ...
ولم يتخلَّ مالك بن نبي عن رؤيته النقدية في ممارسة فهمه لمشاريع الحضارة السابقة عليه على المستويين الإسلامي والأوربي, وكأن لسان حاله يقول: " إن مشاريع الحضارة السابقة له, لا جدوى منها ولا يمكن أن تحقق نهضة حضارية في ظل الأفكار المتجذرة في عقل يرى في التفكير خطيئة " .
يعبر فهم مالك بن نبي لمشروعه الحضاري عن حقيقة أن الفهم عنده جدل بين الأزمنة في حركة الحضارة, من خلال تغيير أسئلة الحضارة , وتغيير الإجابات بالضرورة .. وأن المنجز الحضاري الإسلامي لهو تعبير عن (فهم) في إطار ثقافة الأمة وفكرها غير أن لا يعبر بذات المستوى عن ( التفاهم ) بين تلك الفهوم, ولذلك ساد الصراع الثقافي والفكري بين تلك المكونات, مدعومة بالسلطة السياسية في أغلب الأحيان .
ومن هنا يسعى البحث الى فك رموز المشروع الحضاري عند مالك بن نبي والوقوف على أسسه, والشرط الضروري لفهم المشروع هو أن نفهم فهمه لمشروعه الحضاري , من أجل قراءة موضوعية لاكتشاف مالها وما عليها, بغية تحقيق قدر معقول من التواصل مع النص وصاحبه.
يقود هذا الفهم الى جملة من العلائق بين قرارات مفهوم مشروع النهضة, في محاولة شبه نهائية لتكوين رؤية موضوعية لمشروع النهضة, تصوراً وبناءً .
وبغية إنجاز هذه القراءة توزع البحث على المباحث الثلاثة الآتية : ـ
المبحث الأول : ـ في المنهج , الفهم وفهم الفهم .
المبحث الثاني : ـ بيان قواعد المشروع .
المبحث الثالث : ـ التطبيق المفهومي للمشروع .
آمل أن نكون قد وفقنا في مسعانا, إسهاماً في وضع لبنة في عمارة حضارة الأمة.
المبحث الأول : ـ في المنهج , الفهم وفهم الفهم
شغلت تحولات إدراك العالم منهجياً ومعرفياً وفلسفياً عقول كبار مفكري العالم على مدى مسيرة التاريخ الإنساني, فهم مشغولون بإعمال العقل في ظواهر الوجود , ونحن نرى أن كل اختراع واكتشاف إنساني إن هو إلا مظهر من مظاهر سنن الله تعالى وقوانينه الطبيعية, بل هو ليس أكثر من أن يكون توضيحاً لعمق هذه السنن ,( بدري, 1992م, ص74). وقبل توضيح معاني الفهم وتمظهراته المعرفية, نبين معنى (الفهم) في اللغة .
الفهم في اللغة : المعرفة والتعقل, فهمت الشيء عرفته وعقلته , وفهّمت فلاناً وأفهمته , عرّفته .( الفراهيدي,-، 4/61) .
والفهم العلم بالشيء .( ابن فارس, 1986م, 1/ 707 ).
والفهم وفرة العقل .( ابن فارس, 1979م, 4/69).
والفهم الفقه .( الرازي, 1999، 1/242)
والفهم الشرب .( أبن منظور,1414هـ، 1/493). وفي هذا إشارة لطيفة الى ارتباط الفهم بالشرب, فيقال الشرب, الفهم , يقال ( شرَب كنصَر) يشرب شرباً, إذا فهم, وشرب ما القي إليه , فهمه .( الزبيدي, 1969م،2/120). وكذلك ذكر ابن فارس في مقاييس اللغة, يقال : شرب يشرب شرباً إذا فهم , والفهم معرفة الشيء بالقلب, فهِمه فهما وفهَما وفَهامة , علمه. وفهمتُ الشيء, عقلته وعرفته, وتفهَّم الكلام, فهمه شيئاً بعد شيء.( ابن منظور , 1414هـ، 12/459) .
والذهن : الفهم والتعقل .( أبن منظور ،1414هـ، 12/174) .
والفقه في الأصل الفهم, يقال أوتي فلان فقهاً في الدين, أي فهماً فيه. ( أبن منظور 1414هـ،13/522).
والفهم هو تصور المعنى من لفظ المخاطب .( الجرجاني،1989م،1/169).
ويفرق صاحب (تاج العروس) بين الفهم والعلم,( فإن العلم مطلق الإدراك , وأما الفهم فهو سرعة انتقال النفس من الأمور الخارجية الى غيرها, وقيل : الفهم, تصور المعنى من اللفظ, وقيل : هيئة يتحقق بها ما يحسن, وفي أحكام الآمدي, الفهم : جودة الذهن من جهة تهيئته لاقتناص ما يرد عليه من المطالب .( الزبيدي،1969م،2/120)
الفهم , إذن هو عملية ذهنية يتم لنا بواسطتها إدراك الإنسانية الحية, إنه العقل الذي يشكل أفضل اتصال لنا بالحياة ذاتها. ويفتح الفهم بوابة الاحتمالات الكامنة في الذات الإنسانية, فهو ليس فعلاً فكرياً وحسب, وإنما هو انتقال واعادة معايشة العالم كما يجده شخص آخر في الخبرة المعاشة .
والفهم في ضوء معانية اللغوية آنفة الذكر, تفكير صامت يتم فيه انتقال المرء بطريقة سابقة على التأمل الى دخيلة الشخص الآخر, وفي هذه العملية نعيد اكتشاف أنفسنا في الشخص الآخر, وللفهم قيمة بذاته بمعزل عن أي اعتبارات عملية, فهو ليس بالضرورة وسيلة لشيء آخر, بل هو حيز بحد ذاته, فمن خلال الفهم وحده نلتقي بالجوانب الشخصية وغير التصورية من الواقع, وفي هذه العملية يبزغ عالم الفرد, ذلك العالم الذي يشتمل على الإنسان وابداعاته .(هيدجر, 2012م , ص143) .
وفي ضوء هذه المعاني , فإن الفهم هو عملية تتعلق بإدراك معاني النصوص ليس على طريقة فهم عملية رياضية مثلاً , وهو ما ذهب إليه (دلتاي) حين أكد على أن كلمة (فهم) هي العملية التي فيها يقوم العقل بفهم عقل شخص آخر, هي تلك اللحظة الخاصة حيث الحياة تفهم الحياة . ( مصطفى , 2007م , ص142).
لقد أهتم كثير من الفلاسفة بقضية الفهم في إطار التحولات الفكرية التي تشهدها ساحة الفكر الفلسفي الأوربي.. فعلى سبيل المثال قدم ( هيدجر) مفهوماً للفهم في إطار تطور الفكر الفلسفي الساعي الى إدراك العالم, والبحث في حقائق الوجود, فالفهم عند هيدجر يختلف عن العلم, وهذا ما أشار إليه القاموس العربي, ذلك أن الفهم عنده من حيث هو مستطاع ـ كينونة, إنما يمتلك هو ذاته إمكانات هي مرسومة سلفاً عبر دائرة ما يقبل من ماهيته إن ينفتح فيه, إذ يمكن للفهم أن يضع نفسه بدّياً ضمن انفتاح العالم, والفهم إما أصيل منبثق عن النفس الأصيلة بما هي كذلك, أو غير أصيل. ويمكن للفهم الأصيل من حيث هو مستطاع ـ كينونة, إنما يخترقه الإمكان بالكلية, غير أن الانزياح في أحد هذه الامكانات الأساسية للفهم لا يلغي الآخر, ذلك أن انزياح الفهم هو تنويع وجوداني للاستشراف في جملته . (هيدجر, 2012م , 286).
إن الفهم عند هيدجر تصور بعيد كل البعد عن التصورات السابقة, الفهم عند (هيدجر)هو قدرة المرء على إدراك ممكنات وجوده ضمن سياق العالم الحياتي الذي وجد فيه الفهم ليس موهبة خاصة أو قدرة معينة على الشعور بموقف شخص على مستوى أعمق, الفهم ليس شيئاً نمتلكه بل هو شيء (نكونه), أنه شكل من أشكال الوجود في العالم, أو عنصر مكَّون من عناصر الوجود في العالم, إنه أساس لكل تفسير, وهو متأصل ومصاحب لوجود المرء وقائم في كل فعل من أفعال التأويل. ( هيدجر, 2012م، ص 222 ) .
والفهم هو عملية كشف للحقائق وتجليها للإنسان, وهو أسلوب حياة, وفي الفهم ننتمي الى العالم وحقائقه المتعددة, وبه تتحقق إنسانية الإنسان, ويسمو وجوده .
وفهمنا للوجود, يجعلنا أكثر حرية. فالحرية ابنة الوعي والاختيار الواعي للقرارات التي تحفظ الكرامة الإنسانية .
وفهمنا للتراث يجعلنا أصدقاء للعقل والحرية, ذلك أن التراث هو محفزات العقل والحرية لفهم الحياة, لإعادة صياغة الذات الفردية والاجتماعية, ذلك أن العلاقة بين التراث والعقل علاقة جدلية, يقف العقل في التراث يرى نفسه, ويمنح التراث العقل فرصة التطور والنمو, ذلك أن فهم نصوص التراث هو العامل الحاسم في كشف آليات التفكير, من خلال عملية التفاعل بين العقل والتراث في الذات الفاهمة . وكذلك فإن التعامل مع التراث في إطار فهم نقدي هي المهمة الأكثر ضرورة في بناء المشروع الحضاري الجديد, ليس من أجل استعادته, إنما من أجل نهضة أكثر فاعلية ورصانة, حاضراً ومستقبلاً, وهو ما يشكل رؤية مالك بن نبي في مشروعه الحضاري, ولذلك فإن استراتيجية قراءة مشروع مالك بن نبي الحضاري يقوم على المرتكزات الآتية :ـ
1ـ الفهم .
2ـ البيان .
3ـ التطبيق .
وهذه الاستراتيجية هي الروح البناءة التي تتعامل مع النص من أجل فهم كفوء ورصين للمشروع .
المبحث الثاني : ـ بيان قواعد المشروع .
تدبر القرآن الكريم وفهمه, تدبر للكون وفهمه، إذا ما علمنا أن القرآن الكريم هو الكون المسطور, هو الكون في لغة, وتدبر القرآن هو فهم الكون بعناصره كافة, هو فهم الذات الإنسانية, والطبيعية وقوانينها, وتشكيلاتها المتعددة, ولذلك كي يتحول القرآن الى كينونة إسلامية لابد من (تدبره), تمهيدا لفهمه .
لقد أدركت الفلسفة الأوربية هذه الحقيقة, فقدمت قراءات فلسفية عميقة ومناهج رصينة في الفهم وفلسفته حين جعلت من الكون المنظور مادة للفهم .. ولم تتمكن الثقافة الإسلامية من تحويل فهم القرآن الى كينونة حضارية , وإنما اقتصرت على التعامل مع أحكام العبادات والمعاملات الشخصية, ومنعوا إمكانية فهمها وفهم مقاصدها, في ما يعرف بالتوقيف, فهي أحكام فرضت وهكذا تمارس, وهي غير قابلة للفهم .
لماذا الفهم ؟
الفهم هو : فعل أساسي لاكتساب المعرفة الثقافية . ( قارة , 1998م , ص45 ) , وتحليل الفهم هو معرفة العمل القصدي نفسه ليستنتج إمكانية تأويل ذي مشروعية كلية . ( قارة ,1998م،ص 43).
ولتحليل معطيات نهضة مالك بن نبي, نعتمد العنصر المشترك لكل أنماط الفهم , لنبين أن مشروع أبن نبي ليس هماً ذاتياً اتجاه موضوع معين, إنما لنبين أنه انتماء الى وجود قابل للفهم .
لقد فهم ابن نبي أن للوعي مقصداً, يعد اكتشافه مساحة الضوء الواسعة في بداية طريق النهضة الحضارية المنشودة, ذلك أن الوجود الحضاري مكوناته ليس وجوداً يقوم بذاته, إنما هو وجود انتجه وعي معين, ونمط تفكير في قضايا الوجود والحضارة, ذلك أن الوعي هو إدراك لحقائق الوجود بطريقة أو أخرى .
لقد أنتج التفكير الإسلامي الساكن الجاهز منظومة حضارية ساكنة لاسيما بعد القضاء على التيار العقلاني في عصر المتوكل وما بعده, إن إدراك هذه المنظومة الحضارية في إطار وعي جديد وتفكر جديد يعيد ترتيب أوليات الفكر, كان أحد المشاغل الأساسية لمالك بن نبي في شروط النهضة, إن الوعي المفارق بالوجود الحضاري للوجود الحضاري السائد, هو نقطة الانطلاق في بناء النهضة الجديدة .
كان (المفكَّر فيه) عند مالك بن نبي هو النهضة وشروطها, وهذه ليست مسألة شعورية, إنما هي قضية موضوعية, إن موضوعية النهضة وشروطها (المفكَّر فيه) , وعمق الوعي الذاتي فيه, يجعل من قصدية الوعي أكثر فاعلية.
لقد أدرك مالك بن نبي أهمية مشروعه الحضاري, وأراد له التحقيق, فأطل عليه من شرفة الموضوعية, وضع ذاته بين هلالين , ليتفحص مشروعه بعيداً عن العوامل التي تحول دون مقاصده المعرفية, هذه الأطلال تعد شرطاً ضرورياً لأي فعل فكري وهو ينجز مشروعاً حضارياً, مثل مشروع مالك بن نبي, لا يخالطه موقف مسبق وانحياز اعتقادي, لتكون هذه الأنا المفكرة, هي المصدر النقي للإدراك ولإنتاج المعرفة .
غير أن مالك بن نبي مع تأكيده على موضوعية الذات المفكرة, لا ينسى أن للأشياء خارج الذات حضورها, فليس الأنسان وحده بؤرة مشروعه الحضاري, إنما ينظر الى التراب بوصفه العامل الثاني في المشروع, وكذلك يعطي للوقت/الزمن، قيمة عليا في ادارة مشروعه الحضاري، وكذلك استفاد مالك بن نبي من معطيات التاريخ المنسجم مع مشروعه الحضاري, فوجد في ابن خلدون مرجعية مهمة في رسم بعض ملامح شروط النهضة, من خلال نقده لفكر ابن خلدون الذي وجد فيه أنه محكوم بعصره وآليات تفكيره, كما سنرى في المبحث الثاني .
لقد مارس مالك بن نبي في تحليله لشروط الحضارة, ما يعرف في الظاهراتية بالرد الفنيومولوجي , وهو رد الأشياء الى ما هيتها الأصلية بإزالة كل ما علق بها من أحكام تراكمت فوقها بفعل التحول والصيرورة عبر التاريخ, فأفقدها نقاءها وصفاءها الذي كان لها في عهدها الأول, وما دور الفنيومولوجي وقتئذٍ إلا أن يزيل بفعل التعليق هذه الطبقات ويكشف الحجب عن ذلك الأصل المغيب.( تارة , 2005م , ص201) .
وحسب هوسرل يجب استبعاد كل شيء ليس محايثاً للوعي, ولابد من معاملة الحقائق على أنها ظواهر خالصة . ( تارة , 2008م , ص201) .
يعتمد مالك بن نبي ( التاريخ) بوصفه ظاهرة حضارية, ميداناً للكشف عن فعله في الوعي سلباً وإيجاباً, كما سيأتي لاحقاً, أنه يعتمد التاريخ منطلقاً في البناء استناداً الى براءته الأولى, لحظة التشكيل الأولى, وهي اللحظة التي أضاءت الروح الإنسانية عند الذين حملوا مشعل القرآن الكريم ليضيء العالم, فكانت الروح صافية نقية , تشرب من الينابيع الإلهية التي لم يكدرها " وعي السلاطين " ومؤسساتهم الدينية .
لم يقف مالك بن نبي عند الأطروحات النفسية من أجل فهم أفضل لشروط النهضة , رغم مرارة الإحساس بالتخلف, إنما اعتمد سياقاً منهجياً علمياً, جمع بين النفسي والعقلي والواقعي, والتاريخي والاجتماعي والثقافي, ليشكل منهجاً موضوعياً في التأسيس بشروط نهضة رصينة تعيد ترتيب حركة التاريخ والنهوض بالإنسان نحو الأفضل والأجمل بدءاً من لحظة اشراقها الأولى .
ينشغل مالك بن نبي في مشروعه الحضاري بـ (فهم) الوجود الإسلامي, وفهمه للمشروع الحضاري, ليس جهداً معرفياً خالصاً, إنما هو جهد معرفي في الوجود, فالإنسان والعالم في المنظور القرآني وحدة متكاملة :ـ" إني جاعل في الأرض خليفة " ( سورة البقرة , الآية 30 ). وفي الوقت الذي تبين الآية وحدة الإنسان والعالم, تبين كذلك أسبقية الوجود على الوعي, ولهذا أعطى أبن نبي (التراب) مكانة مهمة في صياغة مشروع النهضة .
سعى مالك بن نبي الى (فهم) مشروعه الحضاري بوصفه ذاتاً قومية , وسعى الى (فهم) الوجود الحضاري بوصفه موضوعاً قومياً , من خلال الوعي الذاتي والموضوعي لشروط النهضة الحضارية, فتح مالك بن نبي آفاق الوعي الإنساني على إعادة ترتيب حركة التاريخ باتجاه نهضة جديدة, تحمل براءة التأسيس, وعمق المأسسة المعاصرة, فالإنسان في المشروع الحضاري لمالك بن نبي يتحرك دائماً بين وعي التاريخ كنبع وبين المستقبل كهدف, يعيد تشكيل وجوده في ضوء هذا الوعي, وفي ضوء طبيعة علاقته بالعالم, فوعي الوجود مسؤولية إنسانية حضارية لابد من تحملها بأمانة, وإلا فالانهيار حتمي .
فهم التاريخ وفهم الزمان وفهم الإنسان وفهم البيئة هي السمات الأساسية في مشروع مالك بن نبي, بالفهم ينظم علاقاته مع التاريخ, ومع الثقافة, ومع الفكر, ومع الإنسان, وبالفهم ينفتح على الوجود, وبالفهم ينفتح على الآخر, وبالتالي فإن الفهم كشف معرفي لعلاقات الحضارة المنشودة, والفهم أحد أهم أشكال وجودنا في الحياة, وهو أحد أهم محددات توجهاتنا المعرفية, وهو مجمع طاقاتنا الفكرية التي تستعمل في إعادة بناء الحضارة, وتحقيق نهضتها المنشودة ..
يتجلى هذا الفهم عند مالك بن نبي عبر إدراكه للتاريخ والحرية والثقافة والجمال , وآثارهم في صياغة مشروعه الحضاري .
الفهم هو قوة انطلاق الفكر نحو أهدافه الاستراتيجية, وهو الكاشف لحجب المستقبل, وكلما انطلق الفهم من المستقبل الى الحياة .. تمكن الفكر من الحفاظ على معطيات الحضارة في صيرورتها الإبداعية .
والفهم إبداع دائم ونقد دائم, وسيرورة معرفية, وصيرورة كذلك, هكذا تعامل مالك بن نبي مع مشروعه الحضاري, فهو لم يسر في خط مفكري النهضة التقليدي, إنما أعاد اكتشاف قوانين النهضة في ضوء الصيرورة التاريخية, فركز على ما لم يكتشفه الآخرون في شروط النهضة, من خلال السيطرة على المعرفة التاريخية واخضاعها لقوانين الفلسفة, ومن خلال الغوص في أهمية الفكرة الدينية في دعم مسيرة النهضة, في إطار حركة الزمان وتغيرات التراب/ البيئة , في إطار وعي منهجي منظم .
كذلك سعى مالك بن نبي الى إعادة اكتشاف الذات الإسلامية في ضوء العقل والقرآن , بغية اكتشاف كينونة الذات المسلمة, التي تتقدم اكتشاف الأشياء الأخرى, وهذا هو فهم المستقبل الذي يؤسس لانطلاقة حضارية على أسس منهجية رصينة, إنه يمارس (فعل الفهم وفهم الفهم) في إطار السيرورة الحضارية وصيرورتها .
وبذلك يؤكد أبن نبي على أن الفهم ضرورة شرعية من أجل استعادة الذات الحضارية المسلمة التي اسهمت في بناء العالم, وإعادة بناء الذات الحضارية الإسلامية المعاصرة في ضوء حركة التاريخ, وآفاق القرآن الكريم المفتوحة على العقل الخلاق والحرية ..
المبحث الثالث : التطبيق المفهومي للمشروع : ـ
أراد مالك بن نبي أن يعيد للتاريخ الإسلامي نشاطه , من أجل إعادة فهم منجزه الشرعي والعقلاني .
كيف نواجه سطوة التاريخ في تشكيل المعرفة والوعي ؟
إن التاريخ يفرض سطوته على وعينا, فتجاوز بذلك القرآن الكريم ومنظوماته المتعددة, وتجاوز المعطى العقلاني في الحضارة الإسلامية , ووقف بالعقل عند حدود سلطة السياسة وسلطتها المعرفية .
رفض مالك بن بني فكرة الاستسلام للتاريخ وسلطات المعرفة السائدة, وأكد على ضرورة الثورة ضد الاستسلام والتنازل عن العقل والحرية لصالح السكون.. ولابد من كسر محدودية المعرفة, وكسر العقل , وذلك بامتلاك حرية امتلاك المستقبل , وتفتيت كل مظاهر المحدودية في الوعي, من خلال اخضاع التاريخ لسلطة المستقبل عبر (الوعي التاريخاني) الذي هو نتاج حركة الزمان وصيرورة الحضارة, فالحاضر سيكون ماضياً له حضوره في صنع المستقبل, الذي سيكون ماضياً في لحظة قادمة, فالإنسان كائن تاريخاني, ويكون أكثر كفاءة وفعلاً حين يتحرر من أسر التاريخ الى الفعل التاريخاني .
لقد فهم مالك بن نبي التاريخ من خلال التاريخ ومنجزه التراثي, وبوعيه المسكون بالحرية والاحساس الموجع بالتخلف الحضاري, فكان حوار الذات والتاريخ في إطار حركة الحضارة التي يسعى مالك بن بني أن تكون حيوية ومبدعة وجديدة .
يرفض مالك بن نبي اعتبار التاريخ هو الحقيقة, لأننا إذا استمرينا البحث في التاريخ على أنه الحقيقة, فلن تصل الأمة الى نتيجة توحدها, وتنهض بها, لأن معطيات التاريخ ما هو حقيقة عند قوم ليس كذلك عند آخرين, وهكذا يظل الصراع محتدماً, والطاقات تستنزف, فما العمل ؟
لابد من إعادة صياغة كينونة الذات الإسلامية على أسس العدل والحرية والجمال , وهي قواعد قرآنية لم تر حظها من التطبيق .
يعد مشروع النهضة عند مالك بن نبي أحد أهم المشاريع النهضوية الإسلامية التي قدمت لمعالجة واقع الأمة الإسلامية على مدى قرنين من الزمن, إن ميزة مشروع مالك بن نبي النهضوي, أنه لم ينطلق من نقطة معينة يرى أنها الحل لمشكلة تخلف الأمة, كما فعل جمال الدين الأفغاني, حين رأى أن المشكلة الاساسية هي سياسية وتحل بوسائل سياسية, أو كما رآها محمد عبده, أن المشكلة لا تحل إلا بإصلاح العقيدة والوعظ . ( بن نبي , 1986م , ص ) . وإنما انطلق من فهم عميق وشامل لمشكلة الحضارة. ولم يُقم فهمه على تعريفات جاهزة أو مصطلحات متداولة, إنما كان الفهم عنده معاناة معرفية واخلاقية وجمالية تتضافر مع بعضها بغية تحديد طبيعة مشكلة النهضة الإسلامية, فجاءت تشخيصاته دقيقة, ووسائله رصينة, صوب هدف النهضة , فشخص الواجبات قبل الحقوق, وأكد على ضرورة وعي ما يسودنا من عادات مثل أن نحلم بما نريد من رغائب . (ابن نبي , 1986م, ص ) . مؤكداً على ضرورة أن تكون البلاد مصنعاً لإنتاج السلع المادية والقيم الأخلاقية, بدلاً عن أن تكون سوقاً لاستهلاك المنتج الغربي, ولابد أن يكون هناك طبيباً استشارياً يشخص المرض, قبل أن يمارس الجراح عمله, فبدون التشخيص الصحيح للمرض, قد يفقد المريض حياته. لقد اكد ابن بني على أن جوهر المشكلة هو " العقل " .( أبن نبي , ص ). ولذلك فإن الانطلاق للمستقبل يستوجب فهم مسألتين مهمتين هما : ـ
1ـ سنوات الاصلاح وجهوده .
2ـ سنوات الفشل وإنتاجه .
ولغياب مناهج تحليل مشكلة النهضة الحضارية, فقد أثمرت جهود الاصلاح الفشل, لأن العالم الإسلامي دخل صيدلية الغرب وهو لا يعرف طبيعة مرضه. ( ابن نبي , ص ) . بعبارة أخرى, هناك جهود محمودة لبناء حضارة, لكنها جهود سلبية لم تنتج حضارة, مقارنة باليابان والصين, لذلك لابد من تحديد (مقياس حضارة), يؤشر لنا العوامل السلبية وراء هذا الفشل .
لقد وضع مالك بن نبي مقياساً عاماً للحضارة هو: " إن الحضارة هي التي تلد منتجاتها ", فالحضارة الإنسانية لا يمكن أن تبيع كل شيء ولا يمكننا استعمال كل منتجات الحضارات الأخرى, فالحضارة لا يمكن أن تبيع الروح والفكر والثروة الذاتية والذوق, وبدون هذه المعطيات فإن كل الماديات المشتراة لا قيمة لها, ذلك لأن الحضارة عند مالك بن نبي هي وحدة ثلاثة عناصر أساسية تشكل البناء الرصين والجميل للحضارة, هذه العناصر هي الإنسان والتراب والزمن ..
إن فهمنا لهذه العناصر يعيننا على حل مشكلات النهضة, فبدون أن تشخص مشكلات الحضارة, وتحل بفهم عميق, لا توجد حضارة, كما أن فهمنا لهذه العناصر يحدد مكاننا في حركة التاريخ, وبدون أن نفهم مكاننا في حركة التاريخ, لا نتمكن من تقديم الخطوة الأولى الصحيحة في مسيرة النهضة الحضارية .
يركز مالك بن نبي على أهمية ( الفكرة الدينية) في تحقيق تركيب كفوء وفعال للعناصر الثلاثة آنفة الذكر (الإنسان , والتراب , والزمن) , فالفكرة الدينية في ظل القيادة النبوية هي التي حولت القرآن الكريم الى حياة, فأنتجت ( بلالاً الحبشي) .. وأنتجت أول مؤسسة إسلامية شع منها نور الإسلام الى العالم ( المسجد) .. غير أن الأمر تغير بعد وفاة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وبدء تشكيل الدولة الأموية, فقد صنعت هذه أنموذجاً حضارياً, لا يمت الى القرآن الكريم بصلة, كون القرآن الكريم وحكمه هو المصدر المؤسس للدولة والحضارة .. غير أن الذي حدث هو أن النظام السياسي الأموي صنع أنموذجاً مغايراً لمنهج القرآن الكريم, صار هو جوهر الفكرة الدينية التي تمسكت بها غالبية الأمة, الأمر الذي أحدث انشقاقاً تاريخياً قاد الأمة الى ما هي عليه اليوم, وقد أشار مالك بن نبي الى هذه المسألة حين فسر تطور المجتمع الذي أفرزته الفكرة الدينية, وكيف نبني هذا الإنسان الذي ينتج الحضارة, وما هي الحدود التي تقف عندها الفكرة الدينية في تفسيرها للوقائع التاريخية .
لقد أهتم كثير من المؤرخين , كما يذكر مالك بن نبي, بالتاريخ ,غير أنه لا يرى في اهتمامهم قيمة علمية كبيرة .. فالمؤرخ (توسيديد) و (جيزو) على سبيل المثال , أهتما بتجميع الوقائع التاريخية , بدل أن يهتموا بالبحث في تفسير عقلي لهذه الوقائع في إطار معين , حتى المؤرخ (جيزو) الذي طور كثيراً في علم التاريخ كان متحفظاً على الطريقة الديكارتية, فحال هذا التحفظ بينه وبين صياغة تفكيره الخاص في صورة منهجية مكتملة .(ابن نبي , 1986م ,62ص) .
وأبن خلدون كذلك , الذي تمكن من قبل من اكتشاف منطق التاريخ في مجرى أحداثه, وكان بذلك المؤرخ الأول الذي قام بالبحث عن هذا المنطق, غير أن مصطلح عصره وآليات تفكيره قد وقفت به عند ناتج معين من منتوجات الحضارة ونعني به ( الدولة), وليس عند الحضارة نفسها . ( أبن نبي,1986 , 62ص) .وبذلك وفر ابن خلدون فرصة تاريخية للباحثين للانتقال من الدولة الى الحضارة, وكان لمالك بن نبي قصب السبق في هذا المضمار .
ويواصل مالك بن نبي نقده لفلاسفة التاريخ, بغية اكتشاف أدوات بناء الحضارة ونهضتها المنشودة, فهو يرى في الجهد الماركسي نقصاً كبيراً يتمثل في عدم قدرة ماركس ومدرسته على تفسير النقطة الأساسية الماثلة فيما يحدث من تفكك العلاقات الاجتماعية, وتلاشي الحضارات, دون ظهور أي تغيير في طبيعة الحاجات ووسائل الإنتاج, فحضارات أمريكا السابقة على العهد الكولومبي, وكذلك الحضارة الرومانية لم تتلاشَ لفقدها أدوات الصناعة والحاجات .( أبن نبي, 1986, ص 63) .
وهكذا يواصل مالك بن نبي رصد تطور المجتمع الذي أفرزته الفكرة الدينية وعلى النحو الآتي : ـ
1ـ تنشأ المشكلات المحسوسة لهذا المجتمع نتيجة التوسع, وتولد ضرورات جديدة, ولابد للحضارة أن تلبي هذه المقاييس الجديدة, فهو إما أن يكون أوربياً أو أموياً .. وفي كلتا الحالتين فإن المنطق هو منطق العقل.
2ـ لا يملك العقل سيطرة الروح على الغرائز, حينئذ تتحرر الغرائز, فهذا أنموذج المجتمع الأموي .
3ـ أثناء مواصلة التاريخ سيره, يستمر هذا التطور في نفسية الفرد والبنية الأخلاقية للمجتمع الذي يكف عن تعديل هذا السلوك, ليصل الى حالة انحطاط الأخلاق الاجتماعي.( ابن نبي,1986 ,ص69) . وينتهي التطور بسيطرة الطبيعية على المجتمع, في هذه الحالة يبدأ طور آخر مهم من أطوار الحضارة ( طور الغريزة) , هنا تنتهي الوظيفة الاجتماعية للفكرة الدينية, ويدخل الإنسان مرحلة التفسخ نهائياً.. وهنا يشير مالك بن نبي إشارة مهمة جداً الى الفرق بين الإنسان قبل التحضر , والإنسان المتفسخ حضارياً.. فالإنسان المتفسخ حضارياً مخالف تماماً للإنسان الطبيعي السابق على الحضارة ( الإنسان الفطري), والإنسان المتفسخ حضارياً لم يعد قابلاً لإنجاز عمل متحضر, إلا إذا تغير هو نفسه عن جذوره الأساسية, في حين إن الإنسان السابق على الحضارة يظل مستعداً للدخول في دورة الحضارة.( أبن نبي,1986,ص 70 ).
إن فهم عوامل التطور الحضاري, وتشخيص أمراض الحضارة هي المقدمة الضرورة للانتقال الى نهضة حضارية قادرة على العيش في إطار توازنات أخلاقية وعلمية وثقافية وفكرية عميقة ورصينة .
كيف فهم مالك بن نبي مشكلات الحضارة ؟ وكيف حول فهمه الى برنامج عمل يحقق الانتقال المنشود؟
الحضارة عند مالك بن نبي كيان من عناصر هي (الإنسان , والتراب , والوقت) , فما هي متضمنات هذه العناصر .؟!
أولاًً : الإنسان : ـ
يظل مالك بن نبي متمسكاً بفهمه لعناصر الحضارة بعيداً عن المصطلحات المتداولة , فالفهم عنده ليس تكراراً لقانون أو مفهوم أو مصطلح, إنما هو معايشة للفكرة بروح ناقدة بناءة, فهو لم يهتم بالإنسان من حيث المفهوم, وإنما من حيث الفاعلية, سلباً أو إيجاباً, فالإنسان ابن بيئة, ولهذا تختلف المشكلات التي تحيط به باختلاف بيئته, فالمشكلات في أوربا تحتاج الى مؤسسة لحلها , في حين أن المشكلات عند العرب تحتاج الى رجال, ولذلك لابد من صناعة رجال يمشون في التاريخ مستخدمين التراب والوقت والمواهب في بناء أهدافهم, وفي هذه الحالة لابد من فهم كيف يؤثر الإنسان في التاريخ, وكيف يحدث التأثير؟
يحدث التأثير في التاريخ حسب مالك بن نبي , من خلال : ـ
1ـ توجيه الثقافة .
2ـ توجيه العمل .
3ـ توجيه رأس المال .
ذلك لأن التوجيه قوة, وتوافق في السير, ووحدة في الهدف, فكم من طاقات لم تستخدم لأننا لا نعرف كيف نكتُّلها .. والتوجيه كذلك, هو تجنب الإسراف في الجهد ,وفي الوقت, وتوجيه الأشياء الإنسانية يعني تعريفها, ففي التاريخ منعطفات ينبغي تعريفها, منها النهضة الإسلامية, والثقافة, وكلاهما بحاجة الى تعريف, والتعريف يستوجب الفهم, والفهم يستوجب استيعاب الواقع الراهن .
ففي الحديث عن النهضة لابد من ملاحظة أمرين : ـ
أ ـ ما يتعلق بالماضي ( خلاصة التدهور) .
ب ـ ما يتصل بخمائر المصير , وجذور المستقبل .( ابن نبي,1986,ص 80 ).
يعيينا هذا التصنيف على فهم الذات الاجتماعية بغية تصفية عاداتنا وتقاليدنا , وإطارنا الخلقي والاجتماعي, مما فيه من عوامل قتّالة, ورمم عديمة الفائدة, كي يصفو الجو للعوامل الخلاقة والداعية الى الحياة . ( ابن نبي,1986،ص 80). بغية قيادة النهضة بكفاءة .
لقد أهتم الفكر الغربي بتحديد طرق النهضة, ذلك أن هذا التحديد يرسم ملامح الطريق المعبد لمسيرة النهضة, لقد رفض توما الأكويني, أبن رشد, والقديس أوغسطين, وهو يحدد طريق النهضة لينقي نهضته من أي أثر إسلامي, أو الميراث المسيحي البيزنطي, وكذلك فعل ديكارت, حين حدد إيجابياً طريق النهضة الغربية, فرسم للثقافة الغربية طريقها الموضوعي, الذي بني على المنهج التجريبي, المنهج الذي أسهم في النهضة المادية للبشرية قاطبة.( ابن نبي,1986،ص 80).
ولا ينسى مالك بن نبي ما فعله القرآن الكريم حين حدد طريق نهضة العرب بطريقين في آن واحد, التحديد السلبي بهدم أفكار الجاهلية, والإيجابي يرسم طريق الفكرة الإسلامية التي تخطط للمستقبل .( ابن نبي،1986, ص81).
إن هدم الماضي وبناء المستقبل أحد أهم مناهج القرآن الكريم, في بناء الحضارة الخلاقة , لقد رفض القرآن الكريم فكرة " إنا وجدنا أباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون" .( سورة الزخرف , 23). واستبدلها بفكرة " تلك أمة قد خلت لها ما كسبت " .( سورة البقرة , 134). و " كل نفس بما كسبت رهينة " .( سورة المدثر , 38).
هذا المنهج هو الشرط الضروري للنهضة الإسلامية اليوم , غير أن حراس الفكر السلفي ومؤسساته الفكرية الجاثمة على عقل الأمة, قد استبعدت كلياً مناهج القرآن الكريم في بناء النهضة وإعادة تجديد مسيرة الحضارة, بالحفاظ على ما أنتجه الآباء.
ولذلك لابد من تحديد جوهر طريق النهضة من خلال تحديد العناصر الأساسية الفاعلة, وهي كما يراها مالك بن نبي اللازمة للثقافة : ـ
أ ـ الدستور الأخلاقي .
ب ـ الذوق الجمالي .
ج ـ المنطق العملي .
د ـ الصناعة ( بلغة ابن خلدون).
ولكي يكون تحديد عناصر الثقافة فاعلاً لابد من إزالة الخلط الخطر الشائع في العالم الإسلامي بين ما تفيده كلمتا ( الثقافة ) و ( العلم) .
فالغرب يرى في الثقافة أنها ( فلسفة الإنسان ), لأن مشكلتها ذات علاقة وظيفية بالإنسان, في حين ترى الاشتراكية أن الثقافة ذات علاقة بالجماعة, فالثقافة عندها هي ( فلسفة المجتمع ). غير أن مالك بن نبي يرى أن هذين التعريفين يعدان من المنظور التربوي مشتملين على ( فكرة عامة ) عن الثقافة دون تحديد لمضمونها القابل لأن يدخله التعليم في سلوك الفرد وأسلوب الحياة في المجتمع, وهو ما يسعى الى تحقيقه في مشروعه الحضاري عبر ربط بين الثقافة والحضارة, إذ في ضوء هذا الربط تصبح الثقافة نظرية في السلوك أكثر ما تكون نظرية في المعرفة, وبهذا يمكننا أن نقيس الفرق بين الثقافة والعلم. ( ابن نبي، 1986, ص82 ).
إن الاختلافات بين المجتمعات وسلوك الأفراد, نابعة من اختلاف الثقافة لا من العلم , فالثقافة كما يراها مالك بن نبي هي مجموعة من الصفات الخلقية, والقيم الاجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ ولادته, كرأسمال أولي في الوسط الذي ولد فيه, وعلى هذا فالثقافة هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته, وبهذا الفهم يتجاوز مالك بن نبي مفهوم الثقافة في المجتمعات الغربية ليضم في تعريفه فلسفة الإنسان, وفلسفة المجتمع, المنسجمين في كيان واحد, تحدثه عملية التركيب التي تجريها شرارة الروح عندما يؤذن فجر إحدى الحضارات .
غير أن مفهوم الثقافة هذا لا يكفي لوحدة مع بقاء مخلفات مرحلة الكسل الذهني وإفرازاتها الثقافية, لذلك لابد من إزالة الحشو الفكري الذي شوه مفهوم الثقافة وأفقدها حيويتها وفاعليتها في التغيير والبناء, ولابد من عزل ( المتعالمين ) الذين جعلوا من أنفسهم أوصياء على الدين والفكر والتربية, فهؤلاء هم قوى الجمود وصناعة العراقيل في مسيرة النهضة والتقدم, وهم الأشد خطراً على الأمة والثقافة والعلم.
غير أن الثقافة ليست ولادة اليوم, إنما هي ولادة التاريخ, فهي وهو في علاقة وطيدة , وهما حقيقتان من حقائق الحضارة والمجتمع, فلا مجتمع بلا تاريخ, ولا تاريخ بلا ثقافة, ويضيع التاريخ حين تضيع الثقافة, فالثقافة بما فيها الفكرة الدينية, لا يمكن أن نعدها علماً بتعلمه الإنسان, بل هي محيط يحيط به, وإطار يتحرك داخله, يغذي الحضارة في أحشائه, فالثقافة هي الوسط الذي تتكون فيه خصائص المجتمع المتحضر في ضوء غاياته العليا التي رسمها لنفسه, العالم والحداد والتاجر والمهندس والإمام ... وهكذا يتركب التاريخ .( بن نبي،1986, ص85). وهكذا تتحدد سمات الحضارة .
أما على الصعيد التربوي للثقافة, فيرى مالك بن نبي, أن وظيفة الثقافة في المجتمع مثل وظيفة الدم في الجسم, فالثقافة تغذي حضارة الإنسان والمجتمع, وتحمل أفكار الجميع, العالم والراعي على حد سواء, وفي هذا المركب الاجتماعي للثقافة ينحصر برنامجها التربوي بالآتي : ـ
1ـ عنصر الاخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية .
2ـ عنصر الجمال لتكوين الذوق العام .
3ـ منطق عملي لتحديد أشكال النشاط العام .
4ـ الفن التطبيقي الموائم لكل أنواع المجتمع .
يستمر منهج ابن نبي في توضيح عناصر التركيب الاجتماعي للثقافة في إطار (الفهم) الخلاق بعيداً عن التعريفات الفلسفية, فيركز على فهم الأخلاق في بعدها الاجتماعي وليس في إطار نظريات الفلسفة ومفاهيمها, بغية تحديد (قوة التماسك) التي تحدثها البنية الأخلاقية للثقافة في المجتمع من أجل بناء وحدة اجتماعية تاريخية, مؤكداً على قدرة الروح الإسلامية على تحقيق هذه الوحدة والتماسك الاجتماعي, طبعاً, حين نعيد للقرآن الكريم حضوره الخلاق .
وللجمال حضوره الخلاق في مشروع مالك بن نبي الحضاري, فالقبح لا يمكن أن يثير خيالاً جميلاً, والمجتمع القبيح ينتج ثقافة قبيحة, فالقبح الاجتماعي تظهر آثاره في الثقافة والفكر والسلوك, ذلك أن الأفكار بصفتها روح الأعمال التي تعبر عنها أو تسير بموجبها, إنما تتولد من الصور المحسوسة الموجودة في الإطار الاجتماعي, والتي تنعكس في نفس الأشخاص الذين يعيشون فيه, وهنا تصبح صوراً معنوية يصدر عنها التفكير, فالجمال الموجود في إطار من الألوان والأصوات والروائح والحركات الجميلة, يوحي للإنسان بالأفكار الجميلة, ذلك إن الجمال عندما يستقر في فكر الإنسان يجد الإنسان في نفسه نزوعاً الى الإحسان في العمل, وتوخياً لأجمل الأعمال. ذلك أن الإحسان يعد صورة نفسية للجمال .( ابن نبي، 1986 ,ص 91 ).
ويكون الأمر أكثر فاعلية وكفاءة حين يعزز الأخلاق والجمال ( منطق عملي), يعمل في إطار منطق الأشياء والحياة , من خلال ارتباط العمل بوسائله ومعانيه , حتى لا نستسهل شيئاً أو نستصعبه, وهنا أيضاً يواصل مالك بن نبي (فهم) المنطق بعيداً عن طروحات الفلاسفة والمنطقيين, ذلك أننا أحوج ما نكون الى هذا المنطق العملي في حياتنا, فالعقل المجرد متوفر في بلادنا, غير أن العقل التطبيقي الذي يتكون في جوهره من الإرادة والانتباه, فهو نادر في المجتمع إن لم يكن معدوماً .(ابن نبي،1986,ص 95) . ذلك أن ( أللافاعلية) قد طغت على حياتنا, الأمر الذي أدى الى فقدان الكثير من مواهب المجتمع وطاقاته الخلاقة, ولا أدل على ذلك من تعاملنا مع القرآن الكريم, فالمجتمع يقرأ القرآن الكريم, ولكن دون (فهم), ودون قدرة على تحويل الوحي الى حياة, ومن هنا يأتي عمقنا الاجتماعي, فالمجتمع حالم , يحيا بلا منطق عملي .( ابن نبي،1986,ص 96) .
والأمر نفسه في الصناعة , فمالك بن نبي لا يعني بالصناعة ذلك القطاع الاقتصادي الذي له حصة في الدخل القومي, وإنما يقصد تلك الروح التي تحرك كل عامل في ميدانه بكفاءة, من الطبيب الى الراعي, فلكل منهم صناعته, وتتضاعف أهمية الصناعة بالنسبة للمجتمع, لأنها تعد الوسيلة الأكفأ في الحفاظ على كيانه واستمرار نموه. ( ابن نبي،1986, ص97 ).
إن (فهم) هذه العناصر الأربعة تعين على تكوين الإنسان الحامل لرسالته في التاريخ , وتكوين هذا الإنسان كفيل بإزالة (المتعالمين) من ساحة الحضارة . (ابن نبي،1986,ص 98).
إن توجيه أي ظاهرة أنما يعتمد على قدرة القوى القائدة على فهم طبيعة العناصر المقصودة توجيهها, وحل مشكلة الإنسان كما يتصورها مالك بن نبي بتكامل عناصرها الثلاثة وهي :
أ ـ توجيه الثقافة .
ب ـ توجيه العمل .
ج ـ توجيه رأس المال .
وبعد أن وضح مالك بن نبي معنى توجيه الثقافة, يأتي دور " توجيه العمل " وآلياته , ذلك أن العمل هو القوة الأكثر فاعلية في بناء الحضارة, وتحقيق النمو الاجتماعي , وليس هناك كارثة اجتماعية وأخلاقية مثل ( البطالة), وتعطيل قوى الإنسان العاملة في الإبداع والإنتاج المتنوع, وهنا يواصل ماك بن نبي (فهمه) للعمل في إطار الحياة, وليس في إطار المفاهيم والمصطلحات الاقتصادية, فالعمل كما يرى مالك بن نبي هو ( وحده الذي يخط مصير الأشياء في الإطار الاجتماعي, ورغم أنه ليس عنصراً أساسياً كالإنسان والتراب والوقت, إلا أنه يتولد من هذه العناصر الثلاثة, لا من الخطب الانتخابية أو الوعظية . (ابن نبي،1986 , ص 106 ـ 107 ).
يركز مالك بن نبي على البعد التربوي في العمل قبل التركيز على (تقسيم العمل) اقتصادياً, ويرى إن أي خلط بين هذين المظهرين يدفع المجتمع الناشئ الى إهمال شطر من إمكاناته, وإثقال كاهله بالأعباء التي هي مسؤولية مجتمع تطور فعلاً, وهذا ما فعله النبي محمد (صلى الله عليه وسلم), عندما بنى المسجد, فلم يكن العمل يومذاك عملاً كسبياً, أنما كان عملاً تربوياً, وكان المسجد الساحة الأولى لبناء الحضارة الإسلامية الصاعدة, ولذلك يؤكد مالك بن نبي على أن توجيه العمل في مرحلة التكوين الاجتماعي يعني سير الجهود الجماعية في اتجاه واحد, بما في ذلك جهد السائل والراعي وصاحب الحرفة والتاجر والطالب والعالم والمرأة والمثقف والفلاح, لكي يضع كل منهم في كل يوم لبنة جديدة في البناء.( ابن نبي،1986 , 107ص).
وهكذا نكتشف أن توجيه الثقافة وتوجيه العمل يُعِدّان بلا ريب , للفقراء والكادحين والعاطلين مكانهم في المجتمع , في ظل الكرامة والرفاهية . ( ابن نبي،1986,ص 108). ويبقى أثر رأس المال في إدارة الفعالية الحضارية والبناء الاجتماعي , فرأس المال من وجهة نظر مالك بن نبي, وهي وجهة نظر صحيحة, ليس هو المسألة المهمة, إنما نتائجه الاجتماعية هي القضية المهمة, بهذه الرؤية يفسر أبن نبي اهتمام كارل ماركس بالرأسمال, لقد كان ( رأس المال) عند ماركس أداة سياسية بيد البرجوازية تضطهد بها الطبقة العاملة, اليوم تختلف رؤية مالك بن نبي للرأس المال في المجتمعات الإسلامية, فلم يعد رأس المال أداة سياسية, إنما هو أداة اجتماعية تنهض بالتقدم المادي, وفي هذا الإطار لابد من التمييز بين مفهومين يقع فيهما خلط كبير, هما الثروة ورأس المال, فالثروة في المجتمعات الإسلامية تفهم على أنها محدد للمركز الاجتماعي لصاحبها, فلاح أو تاجر, وبالنسبة لاستعمالها, فهي تستعمل في مجال الحرفة, وفي كلتا الحالتين, فإن الثروة لا تدخل في الدورة الاقتصادية, بقدر ما هي شيء محلي مستقر في حقل صاحبه, فهي غير مستقلة كقوة مالية تدخل في بناء الصناعة وتمويلها, أو في تجارة التصدير والاستيراد وما الى ذلك.
أما رأس المال, فإنه ينفصل عن صاحبه إسماً, ليصبح قوة مالية مستقلة لها تأثيرها في البناء الاقتصادي والاجتماعي .(ابن نبي،1986, ص110). لذلك يرى مالك بن نبي ضرورة تشكيل مجلس لتوجيه (الثروة) وتوظيفها لتتحول الى (رأس المال) يسهم في بناء نهضة الأمة . ( ابن نبي،1986,ص 113).
وبهذا التوجيه الذي يسير متضافراً مع توجيه الثقافة والعمل , ويكون الفرد قد استكمل الشروط اللازمة لتشييد حضارة يتطابق معها الإطار الفردي الخاص.( ابن نبي،1986, ص113).
ثانياً : التراب : ـ
نأتي الى العنصر الثاني من عناصر تكوين الحضارة, ألا وهو ( التراب), أي الأرض, أي الوطن, فهو القيمة الاجتماعية التي تستمد من قيمة مالكيه, ولن المجتمع أجدب فترابنا أجدب, وفي ظل بقاء كل شيء على حاله, فإن ترابنا متجه الى التصحر, ومعه الحضارة, والأمر بحاجة الى جهد استثنائي لتشجير التراب بغية تشجير الحضارة.
في فهمه للتراب يواصل مالك بن نبي تركيزه على المعاني الخلاقة للمفاهيم, فهو لا يهتم بخصائص التراب, لأنه ليس في قسم التربة في كلية الزراعة, إنما يهتم بالتراب بوصفه قيمة أخلاقية حضارية معرفية عمليةـ وتعلو قيمة التراب كلما علت قيمة مالكيه . ( ابن نبي،1986, ص131 ).
فكيف نوقف مسيرة التصحر الحضاري ؟
يرى مالك بن نبي أن الحل يكمن في ( الشجرة) دون إغفال غيرها, من الحلول, فهي أداة بيد الذين يعمرون الأرض, لا بيد الذين يدمرونها باستخدام الطاقة الكامنة في الذرة لغير عمارة الأرض, إذ يمكن لهؤلاء أن يستخدموا الطاقة الذرية في توليد الأمطار الصناعية حين تشح الأمطار, بدل استخدامها في تبخير البشر عبر الحروب القذرة .. لذلك لابد لنا ما اعتماد (الشجرة) لإيقاف التصحر, ولنا في فرنسا خير مثل, ففي سنة 1850م, قامت بغرس الأشجار في الناحية الجنوبية الغربية من البلاد, إذ كانت رمال الشاطئ الاطلنطي والمستنقعات الضارة تهدد مصالح أهلها وصحتهم, وتكبدوا من أجل ذلك الكثير, وخلال عشرين عاماً سدوا الطريق على الرمال من مدينة (بوردو) الى مدينة (بياتيز. فانتصروا على الرمال, وحققوا أكبر مما كانوا يحلمون به. (بن نبي،1986, ص135). والأمر كذلك في روسيا وهولندا وبولونيا وغيرها من دول أوربا..
إن العمل الشاق بغية إيقاف زحف التصحر الحضاري ضرورة اقتصادية واجتماعية, ولتكن الشجرة رمزاً نهضة الأمة التي تخضع لإرادتها كل مقومات الحياة
ثالثاً : الوقت : ـ
العنصر الثالث في بناء الحضارة, إنه النهر المتدفق يعبر العالم منذ الأزل, إنه الفرصة التاريخية التي لا ترجع الى الوراء, ولا تنتظر أحداً .. إنه صديق معمري الأرض بالإرادة الخلاقة والعمل الإبداعي, والمعرفة الرصينة, والعلم النافع, إنه ناقوس الخطر الذي يدق في سماء الغافلين حين ينسون أنفسهم في خيمة الكسل الحضاري .. وعند الانتباه بوعي لحركة الزمن, فلا يهم البشر سعادة أو ألم أو جوع أو عطش .. إنما يهمهم إحياء قيمة العمل الخلاق لتجاوز المحنة والركود, لتصبح ساعات العمل هي الزاد الذي به يحيون .. إن مشكلة معظم بلاد العالم الإسلامي, لاسيما مساحته العربية, هي أن العلاقة بالزمن علاقة كسولة بليدة, لا تسمع صوت الزمن الهادر وهو يعبر العالم من مساحة الى أخرى يحدث فيها تحولاته الخلاقة, نحن كما يرى مالك بن نبي نعرف شيئاً أسمه (الوقت) ولكنه الوقت الذي ينتهي الى عدم , لأننا لا ندرك معناه, ولا تجزئة الفنية, لأننا لا ندرك قيمة أجزائه من ساعة ودقيقة وثانية, ولسنا نعرف الى الآن فكرة ( الزمن) الذي يتصل اتصالاً وثيقاً بالتاريخ , مع أن فلكياً عربياً مسلماً هو ( أبو الحسن المراكشي) يعد اول من أدرك هذه الفكرة الوثيقة الصلة بنهضة العلم المادي في عصرنا .. ( ابن نبي،1986,ص 140 ).
لذلك يرى مالك بن نبي ضرورة أن يتعلم (المسلم) علم الزمن, فتعلم الطفل والمرأة والرجل تخصيص نصف ساعة يومياً لأداء واجب معين, فإذا تحقق ذلك فسوف يكون لدينا في النهاية العام حصيلة هائلة من ساعات العمل لمصلحة الحياة الإسلامية في جميع أشكالها العقلية والخلقية والفنية والاقتصادية والمنزلية. ( ابن نبي،1986,ص 141 ).
ولنا في الشعوب العالم خير الامثلة ،المانيا وسنغافورة والصين , الذين خرجوا من ركام الحرب والدمار والفقر الى نور الحضارة والإبداع والتقدم الاقتصادي الكبير ..
الخاتمة
الخطأ حالة إنسانية طبيعية, هي دليل على السعي نحو فهم أفضل بمنهج غير دقيق , ولكن ما هو غير طبيعي أن ندافع عن الخطأ.. ونتمسك به على أنه ليس في الإمكان أحسن منه .. هذا هو جوهر الكارثة الحضارية التي شتت الأمة عن النهضة والتقدم, لم نبحث في مصادر حضارتنا عن منهج يعيد تكوين الأمة من جديد, ويعينها على النهضة من كبوتها, ولم نستفد من تجارب الأمم الأخرى, التي نهضت من غبار دمارها .. قدم مالك بن نبي مشروعاً لاستعادة كينونة الأمة الإسلامية, حاملاً مشعل القرآن الكريم في إضاءة درب النهضة, مستعيناً بالعقل في الحفر المعرفي بحثاً عن كنوز القوة، فكان بحق من مؤسسي التيار القرآني الذي يفسر الوجود في ضوء مناهج القرآن الكريم المتعددة في الحضارة والتاريخ والعلم والمعرفة والحرية .
ومن الرؤية القرآنية انطلق في التعامل مع الحضارات الإنسانية وخبراتها في النهضة ومن وجع الإحساس بالتخلف والسكون الحضاري, صنع أدوية الصحة الحضارية, ومن معايشة الحياة بحب صاغ مفاهيم النهضة الاجرائية بعيداً عن التعقيدات الاكاديمية والفلسفية .. فكان بحق أحد قوى إعمار الأرض ..
>
1- ابن منظور, محمد بن مكرم بن علي أبو الفضل جمال الدين الأنصاري الأفريقي , (1414هـ) , لسان العرب , ط/3 , دار صادر , بيروت ـ لبنان .
2- أبو الحسين , أحمد بن فارس بن زكرياء , القزويني الرازي, (1986م)، مجمل اللغة, دراسة وتحقيق : زهير عبد المحسن سلطان , ط/2, مؤسسة الرسالة , بيروت ـ لبنان .
3- أبو الحسين, أحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي, (1979م), مقاييس اللغة, تحقيق: عبد السلام محمد هارون, دار الفكر, دمشق ـ سوريا .
4- بدري, مالك,( 1992م), التفكر من المشاهدة الى الشهود, دراسة نفسية إسلامية , ط/2, المعهد العالمي للفكر الإسلامي, عمان ـ الأردن .
5- بن نبي، مالك, ( 1986م), شروط النهضة, ترجمة : عبد الصبور شاهين, ط/1, دار الفكر, دمشق ـ سوريا .
6- تارة , عبد الغني, (2008م), الهرمنيوطيقا والفلسفة, ط/1, الدار العربية للعلوم ناشرون, الرياض- منشورات الاختلاف, الجزائر.
7- الجرجاني, علي بن محمد بن علي الزين الشريف, (1983م), التعريفات, ط/1 , دار الكتب العلمية, بيروت ـ لبنان .

8- الرازي, زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنبلي, (1999م), ( مختار الصحاح ), تحقيق : يوسف الشيخ محمد , ط/5, المكتبة العصرية, الدار النموذجية, بيروت, صيداـ لبنان .
9- الزبيدي, محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني, أبو الفيض, (1969م), تاج العروس من جواهر القاموس, تحقيق الدكتور حسين نصار وأخرون, مطبعة حكومة الكويت.
10- الفراهيدي, أبو عبد الرحمن, الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم, (- ), كتاب العين, تحقيق : د. مهدي المخزومي ود. إبراهيم السامرائي, دار ومكتبة الهلال, بيروت ـ لبنان .
11- قارة, نبيهة ( 1998م), الفلسفة والتأويل, ط/1 ,دار الطليعة, بيروت ـ لبنان .
12- مصطفى, عادل,(2007م), فهم الفهم, مدخل الى الهرمنيوطيقا, نظرية التأويل من أفلاطون الى جادامر , ط/1, رؤية للنشر والتوزيع, القاهرة ـ مصر .
13- هيدجر, مارتن, (2012م), الكينونة والزمان, ترجمة : فتحي المسكيني, ط/1 , دار الكتاب الجديد المتحدة, بيروت ـ لبنان .







اخر الافلام

.. مقتل ثلاثة عسكريين اثر تحطم مقاتلة روسية


.. قتلى وجرحى من تنظيم قاعدة اليمن في انفجار عبوة ناسفة


.. تحطم طائرة تقل مهاجم كارديف سيتي الجديد




.. كأس آسيا.. خيبات عربية بالجملة | #سبورت


.. ألمانيا وفرنسا: من -المصالحة- إلى -الدفاع المشترك-