الحوار المتمدن - موبايل



مستقبل الأديان تراجع الدغمائيات والإيديولوجيات وتكريس الروحانيات والتصوف

أحمد محمد زغب

2019 / 1 / 7
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


مستقبل الأديان....
إقصاء الدوغمائيات والإيديولوجيات وتكريس الروحانيات.

هل يمكن أن نتصور حياة من غير دين؟ ما دور الدين في الحياة هل هو ربط الإنسان بعالم القداسة فقط، أم له أدوار أخرى، مثل تفسير مظاهر الكون، ما الذي جعل الدين يتراجع على المستوى السياسي والاجتماعي، وهل هو فكر دوغمائي أو تجربة روحانية. وهل مستقبل الأديان جزء من تطورها أم أننا نعدها ظاهرة اجتماعية أم خصيصة أنثروبولوجية ؟
يقول عالم الأديان الشهير مرسيا إلياد: (( مهما كانت درجة نزع القداسة عن العالم التي وصلت إليه، فإن الإنسان الذي اختار الوجود الدنيوي لم ينجح بإلغاء السلوك الديني ، وسنرى أن الوجود الأكثر تجريدا عن القداسة مازال يحافظ على ملامح تقييم ديني للعالم)) (المدنس والمقدس ص26).
أصل الدين وتطوره:
لم يولد الدين على الحالة التي هو عليها الآن، إنما بدأ صغيرا وتطور كأية ظاهرة اجتماعية أو منظومة فكرية إنسانية. ومن الحتمي أن يتطور إلى حالة تختلف عما هي عليه الآن، فقد اتفق علماء الأديان والأنثروبولوجيا، على أن الدين في بدايات الإنسان لم يكن إلا الفكر السحري.
تنطلق الفكرة من فرضية الفيلسوف الألماني هيجل، والتي تقول إن عصرا ساد فيه السحر قد سبق عصر الدين في تاريخ الحضارة الإنسانية ،ومن ثم قام رائد من رواد الأنثروبولوجيا هو السير جيمس فريزر وصاغ نظريته المعروفة حول أصل الدين وعلاقته بالسحر.
في البداية يفترض فريزر انه قد مرّ على الإنسان عهد ظن أنّه بمقدوره التحكم بسير العمليات الطبيعية بواسطة تعاويذه وطقوسه السحرية. وعندما اكتشف بعد فترة طويلة قصور هذه الوسائل عن تحقيق غايتها، تصور أن الطبيعة وقد تأبت على الانصياع له واقعة تحت سلطان شخصيات روحانية فائقة القدرة،، فتحول إلى عبادة هذه الشخصيات واستعطافها واسترضائها بالأضاحي والقرابين، لتقف في صفه وتلبي له حاجاته، وبذلك ظهر الدين وتحول الإنسان عن السحر، وحل ّكاهن المعبد محل الشامان (فراس السواح :دين الإنسان ص190).
ومن المعلوم أن الأديان كانت في بداية عهدها متعددة، بحكم عقلية الإنسان الذي راقب مظاهر الطبيعة الكثيرة فتصور إلها لكل ظاهرة طبيعية، فاللقى الأثرية التي تعود إلى مرحلة الباليوليت الأوسط دلت على وجود أول دين بشري، فبعد أن قامت النار بتحريك النوازع الدينية للمقدس الأول، انفتحت أحاسيس الإنسان ومشاعره باتجاه تفتح ديني أعلى، فكان الحيوان.
لم يكن الإنسان في الباليوليت الأسفل يتفرج على الحيوان، بل كان يصطاده، لأغراض غذائية أو خوفا من أن يفترسه، لكن تطور الإنسان ونمو ملكاته الروحية والنفسية جعلاه يتطلع برهبة وخوف وربما بقدسية إلى هذه الحيوانات التي هاله تنوعها وظهورها الدائم معه في هذا العالم اللامتناهي، ومنافستها له للحصول على الغذاء، بل وشراستها وقوتها التي لمح فيها تحشد القوة وتمركزها(خزعل الماجدي: الأديان ما قبل التاريخ ص36 وما يليها).
نظرية كامبل والسواح:
ذهل الباحثون لكثرة الكهوف وما عليها من لوحات ورسوم للحيوانات وتماثيل لها، معظمها تتمثل الثور والحصان والبيسون، وصلت إلى أكثر من مائة كهف من جنوب فرنسا إلى شمال إسبانيا، واتخذوا تفسيرات شتى، من هذه التفاسير تفسير جوزيف كامبل ، وهو يرى أن هذه الكهوف ما هي إلا معابد الإنسان الباليوليتي وضع على جدرانها بكل تبتل وعناية روحية ما كان يضفي عليه صفة التقديس، ونعني به الحيوان(الماجدي .م.ن.ص42).
وأما الأنثروبولوجي وعالم الأديان العربي السوري فراس السواح، فقد طور نظرية كامبل، إلى ان الإنسان لم يكن يعبد هذه الحيوانات لذاتها ويقول: (( إن أول ما يلفت النظر في هذه الكهوف تشابه تكوينها الطبيعي وهيئاتها الداخلية، وطريقة توزيع الرسوم في ردهاتها وأروقتها فجميع هذه الكهوف يمتد إلى أعماق موغلة في باطن الأرض قد تصل إلى الميل في بعض الأحيان او تزيد. أمّا الأماكن التي اختيرت كمساحات للرسوم فبعيدة عن المداخل ولا يمكن الوصول إليها إلا عبر ممرات طويلة ،مظلمة ومتعرجة ...وعندما تنفتح هذه الممرات الخطرة أخيرا إلى القاعة الرئيسية، وتظهر الصور بكل جلالها على أضواء المصابيح يكون المسافر إلى هذه البقع النائية الغامضة، قد غادر الجو العلوي بواقعيته وإيقاعه الزمني، وولج إلى بؤرة مكان سحري ينتمي إلى مستوى آخر للوجود وزمن آخر فما الذي تنضوي عليه هذه المقامات السفلى؟)) (دين الإنسان ص140).
وهكذا فقد كان الإنسان يسعى –من خلال هذه المعابد السحيقة والرسوم التماثيل – إلى تواصل مع عالم آخر عالم اللاهوت ’’ من خلال شارات قدسية تصل بين العالمين، وكانت هذه الشارة من العالم الحيواني لا ليعبدها بذاتها بل ليستحضر من خلالها قوة العالم الموازي‘‘ (م.ن.ص150). ثم ظهرت الدمى الأنثوية : العشتارية والخنثوية والذكرية، لتشير إلى تنقل الإنسان من المجتمع الأنثوي إلى المختلط إلى الذكوري في تدرج واضح في مسيرة الحياة البشرية.
وهكذا كانت الآلهة الكثيرة المنحوتة على الصخور والتي لم تكن سوى رموز للقوة والعليا الموازية. وظلت الديانات البشرية ردحا من الزمن يتجاوز مائة ألف عام ، وكانت معايشة روحية للمقدس تلتقي فيها التقديس والطقوس والقوى المتعددة للآلهة المتعددة.
حتى جاءت الديانات الموحدة ، ولعلها كانت معايشة روحانية للمقدس ؛يدل على ذلك تعاليم السيد المسيح،ولم تعد الديانة ممارسة روحية خالصة إنما أصبحت أمبراطوريات، يطغى فيها الدنيوي على الديني.
وأصبح أصحاب الأديان يحوّلون الناس إلى أديانهم ، لأغراض انتفاعية، أمبراطورية روما وغزواتها، وكذلك الأمبراطورية الإسلامية في العصرين الأموي و العباسي ، ولنتذكر مقولة الخليفة هارون الرشيد للصحابة: (( أمطري حيثما شئت أن تمطري فإن خراجك عائد إليّ)).
وعلى الرغم من أن الأديان تحرم سفك الدماء، إلا أن واقع هذه الأديان التاريخي يثبت أن دماء غزيرة سالت باسم الدين أو بمبررات دينية، فإذا كان الإكراه غير مقبول فإن المسيحية التي يقال عنها ديانة متسامحة غير أنها تُكره الناس، فإما أن يخضعوا أو يذبحوا، وجاء في إنجيل لوقا: (( أما أعدائي أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم، فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم أمامي )) إصحاح 19/27. والحروب الصليبية مليئة بالقتل وسفك الدماء والتاريخ يحدثنا عن مجازر رهيبة اقترفت باسم السيد المسيح.
أما في اليهودية فإن القتل ولاسيما قتل الأغيار فهو من صميم عقيدتهم ، كما أنهم لا يتركون طفلا ولا شيخا ولا امرأة ولا حيوانا فقد جاء في سفر حزقيال ما نصه: ((اعبروا في المدينة وراءهم واضربوا ولا تشفقوا، أعينكم ولا تعفوا الشيخ والشاب والعذراء والطفل والنساء اقتلوا للهلاك ولا تقربوا إنسانا عليه السمة وابتدئوا من مقدسي وابتدئوا بالشيوخ أمام البيت)) حزقيال إصحاح9/7-5. أكثر من ذلك فإن سفك الدماء واجب وتركه يستوجب اللعنة جاء في سفر إرمياء: (( ملعون من يمنع سيفه عن الدم)) إصحاح 10/48.
أما في الإسلام فعلى الرغم من أن النصوص صريحة في الحث على القتال وليس على القتل،(قاتلوا الذين لا يومنون بالله واليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله)(التوبة آية29) والآية صريحة : (( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ))(سورة البقرة 256) .
لكن الإسلام امتُطِي لتحقيق امبراطورية سياسية تتحكم في بقاع كثيرة من الأرض، ومن ثم فإن السياسيين غالبا ما يبحثون عن مشروعية لأعمالهم العنيفة والاستبدادية ولا يتورعون على استعمال الدين نفسه.
فالعنف من لوازم السلطة، لكن المشكلة أنه إذا استعملت السياسة الدين وركبته مطية لتحقيق أغراضها للاستحواذ على السلطة، يعيب الناس الدين لأنه استعمل وشوه كما أفسدت السياسة بالدين فقد ابتعدت عن النزاهة التي ينبغي أن تتصف بها، لو كانت مخلصة في الاقتداء بتعليمات الدين.
فحين ندقق في صفحات معارك الماضي، سنجد قصصاً عن رؤوس قطعت، وأخرى أرسلت من مكان إلى آخر، وعن رجال قطعت أجسادهم، وعلقت أشلاؤها في مركز المدينة، وعلى مداخلها وجسورها، وسنقرأ أيضاً عن رفات أموات تنبش لتصلب ويمثل بها، وغيرها الكثير من الفظائع التي كانت واقعاً. إلا أن ذلك لا يختلف عن وصف الحروب التي تمت على طول التاريخ، وفي كل بقاع الأرض، إذ كانت جزءاً لا يتجزأ من توسع الإمبراطوريات وازدهارها.
والأدهى من ذلك أن الفظائع التي ذكرنا حدثت بين المسلمين أنفسهم، وفي زمن التأسيس، ولأقرب المقربين من نبي الإسلام (ص) الذي كان ينبغي أن يحترم في أقرب أقربائه ، فقد قتل الحسين وحمل رأسه مع رؤوس مجموعة من أنصاره من العراق إلى الشام، وقتل عبد الله بن الزبير، وعلقت جثته أياما.
وكي لا نطيل في التجاوزات المقترفة باسم الدين ولأغراض دنيوية محضة، نذكر ما رواه البخاري من قتل خالد بن الوليد لعدد من الرجال في بني جزيمة رغم إعلان إسلامهم، إذ تبرأ الرسول إلى الله من فعلته فقال: (يا رب إني أبرأ إليك مما فعل خالد)(البخاري:4339) كما روى الطبري وغيره فضائع خالد بن الوليد، في قتل الصحابي مالك بن نويرة طمعا في زوجته الجميلة، وأهل الأخبار يقولون إنه دخل عليها في تلك الليلة ولم يستبرئها.(ينظر:عباس محمود العقاد: عبقرية خالد .ص 99 وما يليها).
هذا في عصر التأسيس ، أما إذا انتقلنا إلى عصر الفتوحات أو الغزوات والحروب التي خاضها المسلمون من أجل نشر الدين فحدث ولا حرج، والسبب في العنف هو سلطة الدولة أو استعمال الدين من أجل السلطة، وإفساد الدين بالسياسة.
كما تراجع الدين لصالح العلم لأن الدين كان محاولة لفهم العالم لرد الظواهر إلى الأسباب الغيبية حين كانت تعوز الإنسان الأسباب المباشرة، فقد استطاع الإنسان بفضل العلم فهم ظواهر الكون أحسن بكثير من التفسيرات التي كانت الأديان تقدمها والتي يمكن جمعها في سبب واحد هو السبب الأول، بل وكما استطاع الإنسان استغلال قوانين الطبيعة التي اكتشفها بالعلم لتحسين أحواله المعيشية.
ولعل الإنسان سيستفيق بعد التعب كما صرح الدكتور المختص في علم الأديان خزعل الماجدي لقناة فرنسا24، أن المحاربين سيتعبون بعد قرون من الحروب الدنيوية التي تتخذ الأديان ذريعة لها، وتكتشف أن الحروب الدينية كانت بسبب تضارب المعتقدات والإيديولوجيات.
صحيح ان المعتقد جزء أساسي من الدين، بالإضافة إلى الطقوس والأسطورة، وبين هذه المكونات علاقات وترابطات بنوية إذ لا يستغني أيا منها عن الآخرين. لكن الاتصال بالله يكون في أجلى صوره حينما يكون اتصالا روحيا، أي عودة الإنسان إلى الحدس من أجل ممارسة التعبد الروحاني.
المستقبل للتصوف والروحانيات:
إن مسيرة الأديان متشابهة إلى حد كبير؛ إذ تبدأ بالحدس وتنتهي بالحدس مرورا بالمعتقدات التي تتحول إلى منظومات فكرية متضاربة، ثم الأنظمة الاجتماعية والسياسية التي تعتمد على تشريعات صارمة، منسوبة إلى القوى العليا: الله، أو الآلهة.
فقد مرت المسيحية بصراع عنيف بسبب العقائد المختلفة، كنيسة أوراشليم أو كنيسة الختان، وهي في الأصل قائمة على عقائد يهودية سابقة على المسيحية، وبين كنيسة الأمم، وعلى الرغم من هذا الانقسام المبدئي فقد تبعته انقسامات أخرى على مستوى كل كنيسة، وكل كنيسة تدعي لنفسها الحق في امتلاك الإيمان الحق وحمايته وما عداها هرطقات ينبغي محاربتها (ينظر: فراس السواح: الوجه الآخر للمسيح ،ص60)
وبسبب ذلك ظهرت الحركة الغنوصية التي لا تمتلك نمطا عقائديا إنما تركز على التواصل الروحاني المباشر مع الرب ، وينشدون الحقيقة العارية ويميزون بين علم الظاهر وعلم الباطن، وهي كما نرى حركة شبيهة جدا بالحركة الصوفية في الإسلام، وقوامها الرجوع إلى الحدس. ’’فالغنوصية من الكلمة اليونانية gnosis وتعني المعرفة الحدسية الباطنية أو العرفان بمصطلح التصوف الإسلامي، والعارفون هم الغنوصيون الذين يتواصلون من خلال بصيرتهم الداخلية بالحقيقة الكلية‘‘(فراس السواح: الوجه الآخر للمسيح،ص66)، وغير الغنوصيين يكتفون بالظاهر من التعاليم الدينية ولا ينفذون إلى باطنها.
أما في الإسلام فقد ظهرت الخلافات في عصر التأسيس بعد وفاة النبي مباشرة، (حروب الردة)، وكانت تلك الخلافات ذات حوافز وغايات سياسية، فحروب الردة كانت عبارة عن تمرد وعدم ولاء للدولة في عهد أبي بكر ، إذ لم يكن بعض المسلمين راضون على توليه الحكم ، وخلافته للنبي (ص)، والحروب كانت تتغطى بطقوس من طقوس الدين: أداء الزكاة، ولم تكن الزكاة إلا الوجه الآخر للولاء السياسي، فقد كانت حروب الردة عبارة عن إخضاع القبائل المتمرّدة عن الحكم بالقوة، وقد حدثت تجاوزات خطيرة وقد أشرنا إلى تجاوزات خالد بن الوليد.
والسبب في ذلك أن السياسة في الإسلام ظهرت مع مرحلة التأسيس، فقد شعر المسلمون منذ وفاة الرسول (ص) بضرورة التفكير فيمن يخلفه، وأسرع الأنصار قبل دفنه إلى عقد اجتماع في سقيفة بني ساعدة ليبتّوا في الأمر، وأدركهم عمر و أبوبكر وأبو عبيدة بن الجراح ، وبدأ الانقسام فالأنصار يرون أن الخليفة يجب أن يكون منهم ، والمهاجرون يرون الأمر في صفهم، كما ظهر اقتراح آخر يوفق بين الرأيين وهو تقاسم السلطة بين المهاجرين والأنصار فيكون من المهاجرين أمير ومن الأنصار أمير. لكن المهاجرين رفضوا الاقتراح وتمت البيعة لأبي بكر، ولم يكن علي بن أبي طالب حاضرا، فقد كان مشغولا بتجهيز جثمان الرسول (ص)، ولما بلغه أمر تولي أبي بكر الخلافة لم يرض عنها، وتكون رأي ثالث يرى أن أهل بيت النبوة هم أولى بالسلطة التي كانوا يصرّون على تسميتها الخلافة إشارة إلى خلافة رسول الله الذي كان يحوز السلطة الدينية والدنيوية..
ولم تمُت نظرية أولوية عليّ في الخلافة، فلما تولى عثمان تبرم علي وأنصاره، لا سيما أن عثمان ولى الأمويين الذي أثاروا العصبية القبيلة بعد أن قوض أركانها الرسول وواصل ذلك أبو بكر وعمر، فحرك ذلك ما كان كامنا من العداوة القديمة الجاهلية بين بني هاشم وبني أمية.
وكثرت الجمعيات السرية فبعضها يدعو إلى خلع عثمان ، ومنها ما كان يدعو إلى تولية عليّ مكانه، وفعلا فقد قتل عثمان، وولي علي ، لكن معاوية وطلحة والزبير خرجوا على عليّ، متهمينه بالضلوع في قتل عثمان أو على الأقل القعود عن نصرته، كما وجدت طائفة أخرى اعتزلت النزاع منهم عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص وحسان بن ثابت وأسامة بن زيد، وبدأ القتال ضد علي في موقعة الجمل وموقعة صفين، وأخيرا آل الأمر لمعاوية بعد خديعة رفع المصاحف المعروفة في التاريخ، وتأسست على هذه الاختلافات الفرق المعروفة سنة وشيعة ومعتزلة والمرجئة(ينظر: أحمد أمين، فجر الإسلام.ص254).
ثم أخذت هذه الفرق تتجه اتجاهات عقائدية تختلف أكثر فأكثر، واستولى بنو أمية على السلطة بالقوة والخديعة كما رأينا وسموا أنفسهم أهل السنة والجماعة وسموا ما عداهم فرق ضالة ومنحرفة، وبدأت المعارك السياسية تتخذ العنف وسيلتها الرئيسية والأمثلة كثيرة عن الاغتيالات السياسية ، فقد كان الاغتيال فيما بين الخلفاء وأفراد عائلة بني أمية الحاكمة أولا، اغتيل عمر بن عبد العزيز والوليد بن يزيد بن عبد الملك، ومروان بن الحكم، دون أن ننسى المعارضين مثل الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير و إبراهيم بن الأشتر ومصعب بن الزبير والنعمان بن بشير الأنصاري، وغيرهم كثير وارتكبت مجازر فظيعة في يوم الحرة قتل فيه جمع غفير من الصحابة على أيدي بني امية وذكر ابن كثير في البداية والنهاية أن سبعمائة صحابي قتلوا في ذلك اليوم كلهم من المهاجرين و الأنصار(ابن كثير : البداية والنهاية ج11/ص623).
وانقسمت المذاهب العقائدية ، والويل لمن كانت السلطة خلاف رأيه فقد نكل المأمون ببعض فقهاء السنة في الفتنة المعروفة بفتنة خلق القرآن، ولا نريد أن نطيل الكلام في المعارك الدامية بين من يسمون أنفسهم السنة وبين الشيعة ولا سيما بعد سقوط الدولة العباسية في العراق ، فقد وصل التناحر إلى اشده حتى أصبح القتل على الهوية أو ما سمي بحرب الأبواب(ابن الجوزي : المنتظم في تاريخ الملوك والأمم:ج15/ص125).
وبسبب هذه الفتن المظلمة، رأى أصحاب الرأي انها كلها من أجل الدنيا لا من أجل الدين، فتوجه كثير منهم إلى الزهد، فكان التناحر على الدنيا أحد اهم أسباب التوجه الذي سميناه الغنوصية عند حديثنا عن المسيحية. والزهد هو انصراف القلب والنفس عن طلب الدنيا والرغبة في متاعها وملذاتها إلى طلب الآخرة والجنة ، والرغبة في نعيمها وحصول السعادة الأبدية فيها لأن الآخرة أبقى من الدنيا ،وكذلك فإن متاع الدنيا منغص بالآفات والابتلاءات والأمراض، ثم يقطع العبد عنها كلها نزول الموت ومفارقة الدنيا ، اما الجنة فليس فيها شيء من تلك المنغصات والآفات ، بل وطهرها الله وسلمها من كل ذلك.
ويذكر أحمد أمين أسباب ميل الناس للزهد فيقول إن قوما يئسوا من الغنى وأن نفوسهم لا تطاوعهم للقرب من ذوي الجاه، أو حاولوا ففشلوا وقالوا إن لم تكن ما تريد فأرد ما يكون، ومنهم من عافت نفوسهم ما رأت من شهوات ...ومنهم من يئس من حب أو صدم في منصب أوجاه ، كذلك من زهد تدينا لما في الزهد من خفة المؤونة(أحمد أمين ضحى الإسلام.1/133)، من اوائل الزهاد الحسن البصري وإبراهيم الحربي وأبو العتاهية وعبد الله بن المبارك وغيرهم.
وهكذا كان الزهد المبدأ الأول لبروز مذهب المتصوفة، فصاحب الموسوعة الصوفية يرى أن كلمة (تصوف) لم توضع أصلا للتصوف بالمعنى الذي نعرفه اليوم وإنما وضعت في المبدأ لتدل على نمط من العزوف عن الدنيا، إنها كانت علامة للزاهدين والمتنسكين فسمي بها هؤلاء الذين انصرفوا عن الدنيا (الحسيني معدى: موسوعة الصوفية :ص23). لكن التصوف تطور وأصبح فكرا متماسكا قائما على مجموعة من الثنائيات الضدية :الظاهر والباطن، الشريعة والحقيقة، الكمون والتجلي، الحق والخلق، وتقوم الممارسة الروحانية على الحدس والعرفان وبعد أن يشرح فراس السواح مختلف المعتقدات الصوفية في مفهوم الألوهة،وأن كل الموجودات والظواهر الكونية إنما وجودها مستمد من الذات الإلهية، فالموجود الحقيقي هو الله، وكل الموجودات تجليات للذات الإلهية، وكل المعبودات التي توجه إليها البشر لم تكن إلا تجليات لأسماء الله والتوجه إليها بالعبادة لم يكن إلا طريقا لمعرفة الذات الإلهية الحقة ، وكل عبادة تتوجه لغير الله مآلها إلى الله. يصل إلى أننا نعود في معتقدات الإنسان إلى نقطة البدء فالوثن الذي يراه ابن عربي قائما بين الإنسان والذات الإلهية، ما هو إلا شارة القداسة التي أقامها إنسان العصر الحجري في محاريبه ورسمها على جدران كهوفه، وها نحن نقف بخشوع أمام رأس الثور وندلف إلى أعماق كهف لاسكو حيث الظلال تنعكس على مشهد البسيون وهو يتأهب للانطلاق، وما هذا إلا ذاك ،فكم ذهب الإنسان بعيدا ليعيد صياغة المعتقد نفسه ولكن بأشكال جديدة لقد قام برحلة عقلية طويلة لكنه لم يتحرك قيد أنملة من مكانه في رحلته النفسية (السواح: دين الإنسان: ص307).
والمشكلة المطروحة في هذا البحث عن مستقبل الأديان، إذا كانت الأديان قد أخذت مسارا واحدا أو على الأقل متشابها، من الحدس إلى العقل والدغمائية والإيديولوجية لتعود إلى الحياة الروحانية القائمة على الحدس مرة أخرى، فلماذا لم يصل الإنسان ، الذي أدرك هذه النتيجة منذ الغنوصية المسيحية والتصوف الإسلامي، إلى تحديد دور الدين و تعميم الدين في الجوانب الروحانية بعيدا عن الصراع العقائدي والإيديولوجي .
فهل نتوقع أن يلوذ الإنسان بهذا الخيار الحتمي بعد أن تكاد البشرية تفني نفسها بسبب الصراعات، والجواب لقد كانت الحروب في القديم محدودة التأثير إذ كان الإنسان يستعمل أسلحة تقليدية أو بدائية إن شئنا ، أما في العصر الحالي فقد تطور السلاح ليصبح قادرا على إفناء البشرية إفناء حقيقيا، لذلك فإن هذه الصراعات لن تكون في المعتقدات ،لأن الإنسان سوف يفكر ألف مرة قبل خوض الحرب الطاحنة، والراجح أن المعتقدات ستتراجع وتحل محلها الروحانيات التي توحد البشرية على دين واحد هو دين العصر الحجري القديم، الدين كما بدأ أول مرة دين المعرفة الحدسية الباطنية والتواصل مع تجليات القداسة من خلال البصيرة الداخلية ، وابتغاء الحقيقة الكلية ،أو التصوف بالمفهوم الإسلامي، أو الغنوصية بالمفهوم المسيحي.







اخر الافلام

.. البابا تواضروس مُهنئًا الأقباط بعيد الغطاس:-إنه عيد فرح-


.. شاهد.. المسيحيون يشاركون في احتفالات عيد الغطاس المجيد في مو


.. تمثال ماك المسيح يثير عاصفة غضب في فلسطين «القصة الكاملة»




.. كيف يتكلم وزير خارجية إيران في العراق في ظل الأحزاب الإسلامي


.. تقرير يكشف المجازر الطائفية التي ارتكبتها ميليشيا أسد في سور