الحوار المتمدن - موبايل



أين تكمن العلة؟ 1

خسرو حميد عثمان

2019 / 1 / 9
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


كنت في مدينة أربيل خلال الشهر الأخير من العام الذي مضى من حيث التسلسل الرقمي والذي لم يغير شيء على أرض الواقع، كنت أفضل، خلال تلك الفترة وكلما سنحت لي الفرصة، أن أغوص في الأعماق من خلال التأمل في الوجوه والتعابير الجسدية بدلاً من الإستماع الى الكلام الذي يُعاد منذ أمد بعيد، أو من خلال لجة وسائل الإعلام المحلية، خواء في خواء. نادرا ما كنت أرى أطفالا يلعبون أمام منازلهم، فالسيارات مسرعة في جميع الاتجاهات والأماكن، الحرية المطلقة لإركانها تعتمد على نفوذ الجهة التي تعود المركبة اليها وقربها من مركز القرار و حسب مزاج السائق، لم أجد رصيفاً مخصصاً للمشاة، له حرمته و غير متجاوز عليه، حاله حال كل ما هو يُصّنف، على الورق، ضمن "ثروة المجتمع" ...... ظواهر أخرى ذكّرتني بما كانت تجري في العصور الوسطى؛ عندما كانت هيمنة القوي على الضعيف مشرعناً، وتختلط ضجيج الأجراس التي كانت تُقرعُ في كل حدب وصوب .
الغالبية العظمى تشكو لسبب أو لأخر بطريقة أو بأخرى من دون أدنى مساهمة في إيجاد الحل، و لا يلوح في الأفق أمل غير زائف، العجز المطلق عن ايجاد الحلول بادية للعيان، التمييز ظاهرة في كل مكان: في التعليم، أمام القانون، في الرواتب، في الحصول على الرعاية الصحية الضرورية، عدم التكافوء في فرص الحصول على عمل إن وجِد .............
يلتقي المرء بمَن يُعزي هذا التراجع الشامل الى الدور السلبي للسياسة والسياسيين المتنفذين وأخر الى تخلف المجتمع أو الى التعليم والآعلام و وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة...وهلم جرا..
ولكن الآبحاث العلمية الحديثة تُشير الى دور التركيب البايولوجي للدماغ في السلوك الفردي للإنسان وخصوصاً "المنظومة الحوفية" المسؤولة عن السلوك الغريزي للإنسان و"القشرة المخية الحديثة" التي تُعتَبَرْ مستودع التفاعلات الاجتماعية والخبرات والمعارف الفردية.
لكي تتوضح الصورة أكثر ولأجل إستيعاب مسببات هذ العلة - ظاهرة تراجع المجتمع حضارياً عندما تُزيل السلطة المطلقة الدولة المؤسساتية من الوجود ـ بصورة أعمق وأشمل سنعرض إعتباراً من هذه الحلقة أراء المتخصصين في علم الدماغ حول تأثير الأجزاء المختلفة للدماغ على سلوك وتصرفات الفرد وأراءه:
1: نشرتRT؛من خلال برنامجها الأسبوعي "رحلة في الذاكرة " مقابلة مع البروفيسور سيرغي سافيلف بتأريخ 09.08.2017 شريط فيديو* بعنوان:" الإنسان ودماغه .. من. يتحكم بمن وهل نملك حرية الاختيار اصلاً؟ الرواية البديلة لتأريخ البشرية"
ننقل أدناه، كتابة؛ نص ماورد في المقابلة التي يُلقي من خلالها البروفيسور سيرغي سافيلف الضوء الأسئلة والتساؤلات التالية:
تبين من خلال ما توصل إليه علم الأعصاب البيولوجي من استنتاجات أن تطور البشرية هو تطور الدماغ قبل كل شيء والذي ما زال يخضع لهذه العملية بنشاط بخلاف جسم الإنسان. لكن ما تبين من خلال دراسات علم الأعصاب البيولوجي أيضا هو أن حجم ونشاط المناطق المسؤولة في الدماغ عن الغرائز البدائية (المنظومة الحوفية) وتلك المسؤولة عن الرصانة وضبط النفس والتفاعل الاجتماعي (القشرة المخية الحديثة) قد تختلف فطريا من إنسان لآخر. فإذا كان الأمر كذلك هل يعتبر الإنسان مخيرا أم مسيرا من طرف دماغه في تصرفاته السليمة منها أوالخاطئة؟ وهل تطور البشرية هو تطور الإنسان أم دماغ الإنسان؟ وماذا يعني مفهوم "الإصطفاء الدماغي" في علم الأعصاب البيولوجي وكيف ينعكس على ديالكتيكية التاريخ؟.

نص المقابلة:
(ـ مشاهدينا الكرام مرحبا بكم الى حلقة هذا الأسبوع من برنامج "رحلة في الذاكرة"ويسرني أن استضيف في هذه الحلقة البروفيسور سيرغي سافيلف تابعوا هذا الملف ثم نبدأ الحوار:
قبل ميلاد المسيح بحوالي ثلاثة آلاف عام كان علماء مصر القديمة يسجلون على أوراق البردي ما يُعد وصفا لخطوط الالتحام بين أجزاء الجمجمة وللسحايا وللسائل الشوكي في دماغ الإنسان ومنذ ذلك الحين وحتى أيامنا هذه جرى بقدر كبير من الدقة والتفصيل وصف وقياس بنية الدماغ البشرى ووظائف أجزاءه وأسس التفاعل بينها. وبعد قرون عديدة أخذ البشر يدرسون كيفية تشكل دماغنا وألية عمله وكيف نتخذ هذه القرارات أو تلك ولماذا نقوم بهذا الخيار أو ذاك وما الدور الذي يلعبه الدماغ في كل ذلك. بات من المعروف الأن أن بنية دماغنا تحتوي على قطعات مسؤولة عن غرائزنا وأخرى تمنحا القدرة على التقييم الذاتي والتفاعل الاجتماعي إذ تتطلع المنظومة الحوفية بالمسؤولية عن السلوك الغريزي عند الإنسان أي الحصول على الغذاء والسلوك الجنسي وتربية الذرية والحفاظ على الذات، هذه المنظومة هي مجموع عدد من بِنى الدماغ التي تحيط على شكل حزا م بالجزء العلوى من جذْع الدماغ وتشكل حافته، ومن ناحية أخرى وكما يقول ضيفنا اليوم البروفيسور سيرغي سافيلف فإن قشرة نصفي الكرة الكبيرين من الدماغ الأمامي أو القشرة المخية الحديثة إختصاراً تعمل بخلاف المنظومةالحوفية، فهي مستودع التفاعلات الاجتماعية والخبرات والمعارف الفردية ولهذا السبب غالبا ما تكون القرارات التي تتخذ على مستوى القشرة متناقضة مع الأشكال الغريزية لسلوك المنظومة الحوفية وهذا ما يجعل الشخص مخيرا في تصرفاته، لقد تبين من خلال ما توصل اليه علم الأعصاب من نتائج أن دماغنا يتشكل فطريا ونحن لا نستطيع التأثير على الكيفية التي بُنى بها . في حديثنا مع ضيف حلقة اليوم سيرغي سافيلف سنتناول هذه المسألة من جوانبها كافة :
ـ بروفيسور سافيلف سعيد بلقائك من جديد.
+ مرحبا بكم وأنا سعيد بذلك.
ـ تقول في كتابك "الإصطفاء الدماغي" مايلي : كي تظهر لدى الإنسان أليات مستقلة للاصطفاء الدماغي كان لا بد من ظهور عدة عوامل في آن واحد: أولا، ظهور خصائص فردية في السلوك مرتبطة بتكوين بعض الأجزاء في الدماغ وبحجمها.
ثانيا، إظهار الفردية في سلوك بعض الناس كان، من المفروض، أن يكون مهما للغاية للبقاء على قيد الحياة... ثم تتابع لقد حدث هذا، على مايبدو مع نهاية ما يسمى ب "عصر الجنة" لنشوء البشرية والتحول إلى تنازع البقاء إجتماعيا. ما الذي أثار إهتمامى هنا أولا ذكرك لما يسمى ب "عصر الجنة" اصطلاحا وثانياً ضرورة ظهور خصائص فردية في السلوك وكما هو معروف طبعا من الأديان الإبراهيمية فإن اول من أظهر السلوك الفردي هو أدم أبو الأنبياء فقد عصى ربه وفعل ما أراد وبالتالي هو أول من أظهر هذا السلوك الفردي. برأيك هل ظهور روايات كهذه تدل على تطور الوعي الذاتي لدى الإنسان وإدراكه بالحدْسْ، إن ثمة إزدواجية في تركيبة الدماغ بين(أريد) وبين (يجب ) إن فكرة وجود الخير والشر أو الإله والشيطان داخل الإنسان ذاته أي داخل وعيه وبالتالي بين دماغه. كما بات معروفا اليوم لقي رواجا في الكثير من الأديان والمذاهب وأرى هنا إرتباطا قويا بين الفلسفة السلوكانية الدينية وبين ما جاء في كتابك على الممارسةالعلمية.
+ نعم لهذا بالذات دعاني ذات يوم البطريارك أليكسي الثاني ذات يوم للمشاركة في ندوة أعياد الميلاد الدورية والتحدث عن ذلك.
ـالبطريارك الروسي دعاك الى ندوة ميلاد المسيح.
+ نعم تصور!
- يا له من أمر مثير !
+نعم وألقيت محاضرة في ندوة عيد ميلاد المسيح، لم يتمكن آحد من الحاضرين من مواجهتي بإستثناء مشاعر الإستياء المخفية من بعض المخالفات من وجهة نظر الشرائع الدينية. إذْ قلت أن هذا الصراع بين الخير والشر يجري في الواقع في الدماغ بالتحديد، ومما هو في داخلنا ويجري بغض النظر عن أي دين أو عقيدة ثَمة شيئان يعتمد عليهما أساس كل شيء.
-كل الأديان السماوية في الواقع تقول بالصراع بين الخير والشر.
+ نعم لأنه يتم فيها طوال الوقت مقارنة بعض الصفات البشر الإيجابية والسلبية، الشيء السلبي فينا هو عمل ما يُسمى ب"المنظومة الحوفية" داخل دماغنا وهي المسؤولة عن السلوك الغريزي عند الإنسان. مثلا عندما يكبر أطفالنا ويُصبحون نشطين هرمونيا لا تكون عندهم عوامل رادعة لهذا فإن جميع الثورات يقوم بها الشباب أي في مرحلة نمو الإنسان، عندما تكبت الهورمونات الوعي الرصين. وقد كتب عن ذلك كثير من الفلاسفة حالما يبلغ الناس مرحلة النضوج يُصبحون أكثر ميلا إلى جناح المحافظين، هذا مرتبط بالدماغ أيضا، كما أن إتخاذ القرارات يوميا مرتبط بالدماغ كذلك: ما الذي يجب أن أفعله؟ هل أتوجه للعمل لكسب المال أم أقوم بسرقته والسرقة بطبيعة الحال أفضل من وجهة نظر المنظومة الحوفية المسؤولة عن الغريزة، والتي سبق أن تطرقنا اليها، لأنه في حال السرقة سيوفر الجسم مزيدا من الطاقة للدماغ، أكبر مستهلكة للطاقة في الجسم نسبة الى حجمه، أما الجزء العقلي من وجهة نظر المنظومة الحوفية فهو أسوأ إحتمال ممكن وتقابل المنظومة الحوفية ما يُسمى بقشرة نصفي كرة الدماغ أو القشرة المخية الحديثة الموجودة عند الإنسان فقط إذ تقوم هذه المنظومة بكبت الغرائز وتدفعنا بإتجاه العمل بدل السرقة هنا تكمن إزدواجية وظائف الدماغ عند الإنسان.
-يتبادر الى ذهني الأن سؤال فيه شيء من الهرطقة، إذ كما فهمت من كتابك فأن حجم ونشاط هذين الجزئين لدماغنا أي القشرة الدماغية الحديثة و المنظومة الحوفية فطريٌ تماماً؟
+نعم إنه فطري.
ـ أي أن لدى بعض البشر ميولا فطرية تجاه التصرفات الغريزية بينما لدى البعض الأخر ميولٌ فطرية تجاه الرصانة.
+أي أن القشرة الدماغية الحديثة عنده أكثر نشاطاً وقوة.
ـ إذا كيف يتوافق ذلك مع مفهوم حرية الاختيار الذي يتحدث عنه رجال الدين والفلاسفة على حد سواء، إذ يتضح أن تصرفات الإنسان محكومة بنشاطٍ وحجمٍ فطري لهذا الجزء من الدماغ أو ذاك أي أن الدماغ يتحكم بالإنسان.
+بالطبع فالدماغ يتحكم أيضا بالفلاسفة الذين يكتبون سخافات كهذه عن حرية الاختيار.
ـ ولكن كل الأديان أيضا مبنية على هذا الأساس أي على حرية الإرادة التي وهبنا الله إياها.
+الديانات شيء رائع لكنها تستند إلى نظام دماغٍ مسؤول عن العقل والمنطق وعلى مفاهيم مثل الجنة والنار الخير والشر، هذه المقارنة موجودة حتى في أفلام الأكشن الأمريكية حيث يجري صراع بين الخير والشر فمن جهة فإن كل دوافع البطل الجيد تستند الى قشرة الدماغ الجديدة أي على أساس المسؤولية الإجتماعية وعلى أساس ما يُعرف بمراكز الفرملة في جبهة الرأس أي فيما يجعلنا بشراً ويميزنا عن الحيوانات، من جهة أخرى تعمل لدى البطل الشرير أليات بايولوجية وغريزية بحتة نابعة من المنظومة الحوفية فلا يريد إلا القتل وإغواء النساء وفرض الهيمنة.)
يتبع: تكملة الشريط في الحلقة القادمة
‏(https://ar.rt.com/j54)*







اخر الافلام

.. مئات الكازاخ قيد الإقامة الجبرية في شينجيانغ


.. ترويج/ وثائقي -في سبع سنين-


.. بافل طالباني :- العلاقة بين الشعب الكردي وأمريكا أعمق من معر




.. بافل طالباني: - المهم الان استعادة ثقة الشعب الكردي والمجتمع


.. شاهد.. سرقة 215 ألف ريال في عملية سطو في السعودية