الحوار المتمدن - موبايل



هل النظام السوري طائفي؟

مروان عبد الرزاق

2019 / 1 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


هل النظام السوري طائفي؟
مروان عبد الرزاق
مقدمة
البحث في الطائفية، وطائفية الأنظمة أمر معقد بعض الشيء. وعندما يتم مواجهة الشعب لنظام طائفي يصبح الأمر بالغ الصعوبة، وذلك للانشقاق المجتمعي الذي سيحصل بفعل طائفية النظام والطائفيات الأخرى المتصارعة معه، كما يحصل في سوريا واليمن والعراق ولبنان. حيث تم تدمير سوريا بالكامل، وتم تهجير نصف الشعب تحت عنوان "اما انا، او سنحرق البلد". كما حصل خلال ثورة الشعب المجيدة. وهذ البحث يسعى الى مقاربة بنية النظام السوري الطائفية، والاقتراب من "المسكوت عنه تاريخيا"، علما بأنه لا يوجد صراع طائفي صافي، انما هو صراع سياسي على السلطة، لكن مهمتنا عزل العامل الطائفي بقصد توضيح دوره، وحجمه، والعوامل التي غذت استمراره، في بنية النظام. وبالتالي هو ليس الوحيد، لكنه الأهم والأخطر. وهذا البحث أهمله المثقف السوري الديمقراطي، بحجة تجريم النظام الحديث عنه، كي لا يوقظ المكبوت تاريخيا، وكي لا يلتقي مع الطائفية السنية المضادة، وإننا شعوب موحدة، والطائفية مؤامرة خارجية. لكن توضحت خرافة وحدة الشعب بعد انتفاضات الربيع العربي.
-انقلاب (-19701963)
كان تشكيل اللجنة العسكرية المؤلفة من ثلاثة علويين واثنان من الإسماعيلية، ( محمد عمران ، وصلاح جديد، وحافظ الأسد، والمير، والجندي)، مقدمة للسيطرة على الجيش والقيام بالانقلابات العسكرية في (1963-1966-1970). والتي اعتمدت على القوة العسكرية، أو العنف بالدرجة الأولى، والسرية، والتآمر، وتجريم الطائفية، والقوة المفرطة تجاه الآخر المشبعة بالانتقام والثأر.
وفي البداية تحالفوا مع الضباط الناصريين والوحدويين. ثم تم تصفيتهم بعد انقلاب "جاسم علوان"، وتم استدعاء العديد من الضباط وصف الضباط التي تربطهم بهم أواصر عائلية او عشائرية والذين كانوا من الأقليات. و"كان الولاء الطائفي يعلو على الانضباط العسكري" (1)
واتهام امين الحافظ لصلاح جديد بالطائفية، ترسخ انقسام جديد بين العلويين والسنة، وانتهى بانقلاب 1966)، حيث سيطر جديد والأسد على السلطة، وتم التخلص من تصفية الضباط الدروز، والحوارنة، وقد وصف سليم حاطوم النظام بأنه "دولة علوية ذات رسالة خالدة". "وقد بقي الكثير من الضباط السنة، لكن أهميتهم، أن كانوا مهمين، كونهم أفراداً، لا جماعات، وبالمعنى الاحترافي أكثر منه بالمعنى السياسي" (2). ثم انتقل الصراع داخل البيت العلوي الواحد، بين صلاح جديد، والأسد، وتمت السيطرة للأسد كونه يسيطر على الجيش، في انقلاب (1970)، باعتبار الزعامة الطائفية تستدعي وجود زعيم واحد فقط، وتم إيداع القيادة السابقة في السجن لمدة أكثر من عشرين عاما حتى وفاتهم.
مع نجاح الانقلاب بدأت الخطوات الأولى "لأول حاكم على سورية من أصول فلاحية" لتثبيت واستقرار السلطة. حيث بدأ الطاغية بتشكيل القوات الخاصة النخبوية (الحرس الجمهوري، والقوات الخاصة، والفرقة الثالثة، وسرايا الدفاع) ومهمتها حماية النظام الجديد، وكان القادة الكبار الاثنا عشر من عشيرته الكلبية، وعشيرة زوجته الحدادين. وكان سبعة من هؤلاء الاثني عشر من أقرباء الأسد المباشرين بالدم والزواج، مثل رفعت وعدنان مخلوف وشفيق فياض. إلخ الذين قادوا أهم وحدات النخبة العسكرية والأمنية الضاربة بين 1970-1984.. إلخ "(3).
كما نجح أيضاً بإبعاد الجيش عن السياسة، ومنع تشكل أي تكتلات معارضة، وذلك بإعادة تنظيمه من جديد. وتحويله إلى جيش عقائدي، وأصبحت مهمة "القوات المسلحة ومنظمات الدفاع الأخرى، مسؤولة عن سلامة أرض الوطن، وحماية أهداف الثورة في الوحدة والحرية والاشتراكية"، كما ورد في دستور (1973).
وأصبح الضباط العلويون هم القادة وأصحاب القرار في كل الفرق العسكرية ولم يكن للضباط السنة القادة أي دور مهم، أو أي قرار مستقل. وقد اعتمد الأسد على عدد من الضباط السنّة بمواقع قيادية عليا، وكانت سلطتهم مستمدة من الأسد، ولم يكن لهم أي دعامة عسكرية خاصة بهم " (4). وقد تم وصف طلاس مثلاً، بأنه "لا يحل ولا يربط، وليس له دور في الجيش إلا دور الذيل من الدابة"(5).
وعلى المستوى السياسي، تم الاستيلاء على الحزب بسهولة، وتأييده للانقلاب. والذي استخدم "كعربة رئيسة لبسط نفوذه" على المجتمع. وتم فتح الأبواب للمنتسبين الجدد، بحيث أصبح رافعة لتغلغل المؤيدين في مؤسسات الدولة. في حين كان العلويون "يعتبرون بأن البعث هو حزبهم ويمثل مصالحهم فعلاً. (6)
ومن أجل كسب تأييد أهل "السنة" وتجارها في دمشق وحلب. تضمن الدستور في (1973) أن "الفقه الإسلامي هو مصدر رئيسي للتشريع" ثم أضاف إليه أن "دين رئيس الجمهورية هو الإسلام". ورداً على اتهامه بأنه ينتمي إلى "طائفة من أهل البدع"، وبالإيعاز منه أصدر "ثمانون من رجال الدين العلويين بياناً رسميا يؤكدون فيه على نحو قاطع أن كتابهم هو القرآن، وأنهم مسلمون شيعة، وأنهم مثل أغلبية الشيعة الاثني عشرية" (7). وصادق على البيان موسى الصدر رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان، الذي أكد على الوحدة المرجعية للشيعة والعلويين.
ورافق تطييف الجيش ومؤسسات الدولة، تجريم الطائفية والحديث عنها على المكشوف. والمعروف أن (صلاح جديد وحافظ الأسد) كانا من المشرفين المباشرين على إدخال العلويين إلى الجيش والحزب. ومثال ذلك محاربتهم لـ"محمد عمران" واتهامه بتشكيل كتلة طائفية علوية، والمجاهرة بضرورة حصول العلويين على حقوقهم، وقوله "إن الفاطمية يجب أن تأخذ دورها"(8)، حيث تم نفيه ثم اغتياله عام 1972في بيروت.
ومقارنة "منيف الرزاز منذ نصف قرن، حول من هو الأكثر، أو الأقل إجراماً، بقوله، إن الذي "يصنع الطائفية هو الأكثر إجراماً من الذي يكشفها" (9) تدفعنا إلى القول بأن المجرم الأول هو الذي يصنع الطائفية، ومن الضروري كشف هذه الطائفية حتى يمكن إزالتها. لكن أيضاً، المجرم الآخر، هو الذي يكشف الطائفية، ويرد عليها بطائفية معاكسة مشابهة، أقلية أو أكثرية، كما حصل مع "الإخوان المسلمين"، في عام 1964و1980، وليس بإلغاء الطائفية وإقامة دولة المواطنة.
6-هل النظام السوري طائفي؟
يحتاج أي نظام حتى يكون قادراً للسيطرة على المجتمع إلى أركان ثلاثة.
أولاً: الجيش والقوات المسلحة المختلفة لحماية النظام، مشتركاً مع الأجهزة الأمنية لمراقبة المجتمع وضبط حركته. وثانياً: الاقتصاد حتى يمكن تسيير المؤسسات المتعددة. وثالثاً: أيديولوجيا، وإعلام قادر على ترسيخها في أذهان المجتمع. وقد عمل النظام السوري على تشييد هذه الأركان، كما تم تفصيلها في الفقرة السابقة.
ولم يتجرّأ المثقف السوري عموماً، على البحث في بنية النظام السوري الطائفية، في المرحلة السابقة. ليس لأن بنية النظام معقدة جداً، وغير قابلة للفهم. إنما:
أولاً: لاحتكار النظام للممارسة الطائفية، وتجريم النظام لأي بحث أو حديث يتناول الطائفية مهما كان نوعه، هو محاولة للتغطية على سلوكه الطائفي. وهذا التجريم أفرز بدوره فكرة عامة عند المثقف السوري مفادها، أن كل من يتحدث عن الطائفية هو طائفي، ويُثير "النعرات الطائفية"، و"الفتنة الطائفية"، حتى لو كان الباحث غير طائفي.
وثانياً: لأن بنية النظام تبدو كإشكالية ليست بسيطة. فهو ليس نظاماً دينياً، إنما يرفع النظام الأيديولوجيا الوطنية والقومية، ويدعي العلمانية، ويرفض الأيديولوجيا الدينية الطائفية.
وثالثاً: لأن النظام اشتغل منذ بداية سيطرته (1963)، على عدة ركائز لتثبيت سلطته، ركائز أمنية، وعسكرية، وسياسية، واقتصادية، واجتماعية، وتعليمية. إلخ. بحيث يختلط على الباحث تصنيف هذه الركائز وفرز الأسس الرئيسة عن الثانوية.
وبعد انطلاقة الثورة، والعنف الفظيع الذي مارسه النظام ضد الثوار، والانقسامات الاجتماعية داخل المجتمع، بين جماعة النظام، والمؤيد، والحيادي، والتي أثارت بعض المثقفين مقاربة مشهد الصراع، وخاصة بعد ظهور التنظيمات التكفيرية، والتي كانت خجولة بسبب الخوف من "كشف المستور"، ومقاربة "المسكوت عنه تاريخيا"، والذي يُمارس على الأرض.
وقد وصف طيب تيزيني وغيره الكثير من المعارضة، النظام السوري بالنظام الأمني، أو "نظام سلطاني"، نظام "السلطان-الرعية"، وأضاف البعض "مسحة طائفية"، إلى توصيف النظام بأنه شمولي واستبدادي ودكتاتوري.
وبالعموم يمكن التوقّف قليلاً عند مقاربة بعض المثقفين السوريين لبنية النظام. حيث يجمع هذه المقاربات، البحث عن المبررات لنفي صفة الطائفية عن النظام.
-مثل القول: النظام ليس طائفياً، إنما يستخدم، أو يوظّف الطائفية. والحجج هي حسب "سلامة كيلة":
"أولاً: أن حافظ الأسد هو جزء من حزب قومي، وبالتالي لا يمكن أن نقول إنه كان طائفياً. وثانياً: الصراع داخل الحزب كان بين العلويين (الأسد وجديد)، وأيضا كان الانقسام مناطقياً (طرطوس مع جديد، وجبلة مع الأسد). وثالثاً: كانت قوة طلاس وخدّام موازية لقوة علي دوبا وحيدر وكل النخبة العلوية في السلطة". وبالاعتماد على "المنظور السوسيولوجي" يرى "كيله" أن " الدكتاتور الريفي اعتمد على المناطقية من أجل الثقة" وكسب الولاء. وبالتالي "الاعتماد على ضباط علويين أمر يتعلق بالثقة من منظور مناطقي وليس طائفي". وكذلك الصراعات في الجيش قبل استلام الأسد للسلطة تمحورت حول كتل مناطقية" وليست طائفية. ويرى كيله أن "النظام عائلي وراثي وليس طائفي" وهو يستخدم الطائفية أو يوظفها لصالح تثبيت سلطته. "والفئة المسيطرة التي تُوظّف الطائفية وتستخدمها لا تكون طائفية، وربما تكون غير متدينة. لكنها تستغل معتقدات متقادمة لكي تحافظ على سيطرتها على السلطة" ويُضيف كيله إنه "لاطائفية بلا أيديولوجيا. فالطائفية هي تعصب ديني ينطلق من التمسك بمعتقدات معينة، ورفض الآخر، ومن ثم محاولة فرضها بالقوة على الآخر ومحاربته بناء عليها" (10). ويضيف سلامة في مقال عن المظلومية، ولنفي طائفية النظام، بسبب شراكة أو "التصاق تجار حلب بالنظام، بأن مناطق الساحل في ظل النظام من أفقر مناطق سورية".
-ويضيف آخر- محمد ديبو- في مقالاته عن الطائفية بأن "النظام ليس طائفي، إنما يحتكر الطائفية". ويستنتج بأنه "لا يمكن وسم النظام بأنه طائفي، لأن النظام الطائفي هو ذلك النظام الذي يأخذ بعين الاعتبار مصلحة طائفته في كافة السياسات والقوانين والمراسيم، وكذلك حين يتهدد عرشه، أو حين ينص الدستور أو قوانين الدولة على مواد تقر صراحة على هذا الامر، بحيث تبدأ الطائفة من الأسفل تنظر لنفسها بأنها ممثلة سياسياً بهذا النظام وليست محتمية به خوفاً من القادم كما هو حال العلويين اليوم" ويستنتج ديبو أن "النظام ليس طائفياً، إنما يحتكر الطائفية". (11)
-ويضيف ثالث-راتب شعبو- بأنه "لم يكن السوريون طائفيين على مدى تاريخهم الحديث.. مثلاً لم يعترضوا على تولي شخصية مسيحية مسؤولية وزارة الأوقاف الإسلامية (1944).. كما أنهم لم يعترضوا على تولي حافظ الأسد رئاسة الجمهورية بل رحبوا به.. وكذلك لم يعترضوا على التوريث، بل توسموا خيراً بالابن. لم يكن منبع اعتراض السوريين على النظام أن الرئيس من مذهب معين(علوي) حتى أنهم في بداية انتفاضتهم لم يخرجوا للمطالبة بإسقاط النظام بل بمحاكمة المجرمين بحق أهالي درعا" (12).
وينضم عزيز العظمة إلى الرافضين لعلوية النظام، بأن النظام "ليس علوياً، بل استبدادياً تقوده عائلة أمن و"بزنس" علوية تستخدم وسائل مباشرة قائمة على عصبيات القرابة والقرية والطائفة الفرعية داخل الجماعات العلوية للدعم والتعبئة. لكنها بالتأكيد لا تمثل العلويين بالمعنى السوسيولوجي، ولا تفيد العلويين كجماعة إلا بالمعنى السجالي". "والنظام ليس علوياً، على الرغم من أن العلويين يشكلون مادته البشرية المركزية في العديد من أجهزة أمن الدولة والقوات المسلحة”. ونجد "الكثير من التزاوج بين العناصر المدينية السنية، وبين العلويين. ويمكن الحديث عن تحالف مالي وتجاري بين الثروات القديمة والثروات الأقدم، وعن المصاهرة بالطبع. (13).
وتضيف وحدة الدراسات في "مينا" ان النظام ليس طائفيا (14)، دون اية اثباتات لذلك، ومواضيع أخرى تهجمت على العلوية السياسية التي تكلم بها جلال صادق العظم. ويرى عزمي بشارة "انه حتى لو كان النظام السوري طائفي، فإنه لم يكن قط نظام الطائفة العلوية، لوجود المعارضين العلويين للنظام وهم مع الثورة، وقسم آخر متحالف معه". والقول "ان الاسرة الحاكمة علوية، وان العلويين يدعمون النظام غير صحيح، لوجود اليسار العلوي المعارض، وعلويو الداخل مهمشين، ورفض المشايخ العلويين لحكم الأقلية"، و "أن الأسد وصل للسلطة بواسطة كبار الضباط السنة والمسيحيين"، و"الأقلية الطائفية لا تحكم أي بلد عربي ولم تحكمه"(15)
ويضيف البعض ممن يريد أن يخلط الأوراق أكثر، ضرورة الجمع بين السلطة من جهة، والدولة من جهة ثانية، ليستنتج أن النظام لاطائفي، لأن أغلبية عناصر مؤسسات الدولة ليست من الطائفة العلوية، انما من كل افراد المجتمع. لأن الدولة هي بشكل عام، مجموع المؤسسات والهياكل التنظيمية والتشريعية، والتي بناها كل أفراد المجتمع، وبالتالي هي ملك للمجتمع ككل ولا يجوز الدعوة لتدميرها، أو إسقاطها.
والمغالطات هنا كثيرة:
الأستاذ "سلامة" -والسلام لروحه- من المثقفين اليساريين الماركسيين، القلائل الذين وقفوا مع الثورة منذ انطلاقتها باعتبارها ثورة الحرية. وانتقد بشدة المنظور الطائفي الذي يوصف الثورة بأنها "سنية"، ضد نظام طائفي "علوي". ويعتمد سلامة في مقاربته لمفهوم الطائفة، والطائفية، على المنهج المادي لتفسير الأفكار والظواهر والبنى والصراعات الاجتماعية، والذي يعيدها إلى "الصراع الطبقي المادي، وأولوية الاقتصاد" أو الظروف المادية التي انتجتها.
لكن يبدو أن سلامة متمسك بعموميات المنهج. وهذه العموميات يجب أن لا تشكل، غطاء يمنعنا من رؤية التفاصيل، وأن تبعدنا عن "التحليل الملموس للواقع الملموس". وأن لا نفرض آراءنا أو نظريتنا المسبقة على الواقع، ونحاول تكييف الواقع مع هذه النظرية. في حين إن الواقع، أو إن "شجرة الحياة هي الخضراء دائماً"، بتعبير "غوته" مقابل النظرية التي تبدو "رمادية"، حتى تثبت الحياة صحتها.
والصراع الطبقي لا يفسّر بمفرده الصراعات الاجتماعية المتعددة الأشكال. والمثال الأهم، هو أن الصراع الطبقي لا يفسر بمفرده دوافع الثورة المتعددة، والافقار هو أحد هذه الدوافع، وليس الدافع الرئيسي. حيث نلاحظ أن "التمييز الطائفي" هو أحد هذه الدوافع، كما تشير بعض الاستبيانات، إلى جانب الدافع الأول، وهو التخلص من الاستبداد، وبناد الدولة الديمقراطية الحديثة.
وفي بحث ميداني، أصدرته منظمة "اليوم التالي" في (٢٠١٥) بعنوان "المسألة الطائفية في سوريا-مسح اجتماعي للتوجهات"، "يشير إلى أن (٣٦٪) من السوريين يعيد المشكلة الطائفية إلى أسباب تاريخية، و(٣٣،٩٪) يعتقدون أنها بدأت بعد وصول حزب البعث للسلطة عام ١٩٦٣، و(٢٨،٢٪) يقولون إنها بدأت بعد انطلاقة الثورة السورية في ٢٠١١. (16). وبحسب المنطقة، فإن الأغلبية في طرطوس والحسكة ودمشق يعتقدون بالأسباب التاريخية، نتيجة الظلم التاريخي للأقليات، من قبل الأغلبية السنية. وأغلبية باقي المناطق تعتقد أن الأسباب سياسية، أي سلطة البعث هي السبب الرئيسي في المشكلة الطائفية، أي ان النظام هو الذي كرس الطائفية السياسية واضطهد باقي الطوائف. وبعد انطلاقة الثورة انتشرت الطائفية عند النظام والمعارضة.
أولاً: الوعي الزائف، والكتلة الصلبة
- لقد تبيّن تاريخياً أن الوعي الوطني والقومي عند الطاغية، لم يكن سوى وعي زائف. إذ لو لم يكن كذلك، لكان عمل على تثبيت أركان الدولة الوطنية الديمقراطية التي تعبر عن إرادة الشعب السوري كله. وليس كما حصل، تثبيت أركان سلطة أمنية تم اختيارها بعناية طائفية. وعلى المستوى القومي كان دوره تخريبياً في العراق ولبنان، ومنظمة التحرير الفلسطينية. والقول إنه لم يكن طائفياً، غير دقيق، لأنه كان ومعه صلاح جديد، مسؤولاً في اللجنة الخماسية (وبعد توسعها)، على إدخال الأعداد الكبيرة من العلويين إلى الجيش، وبطريقة منهجية وواعية.
- وأن الصراع داخل حزب البعث لم يكن بين العلويين (جديد والأسد) فقط، إنما سبقه الصراع خلال (١٩٦٣١٩٦٦) بين حزب البعث والناصريين، وبين العلويين، والسنة، والذي كان يدعي تمثيلهم "أمين الحافظ"، وكان التراشق بالاتهامات الطائفية واضحاً. وبعد ذلك أصبح الصراع بين الحزب الواحد والطائفة الواحدة، والانقسام المناطقي بين جبلة وطرطوس، هو انقسام حزبي وضمن نفس الطائفة. ولأن النظام المستبد لا يقبل إلا بطاغية واحد، ولذلك كان انقلاب (١٩٧٠) الذي حسم الصراع لصالح الأسد، والذي لم ينتصر بمساعدة السنة والمسيحيين-بحسب رأي بشارة- سوى انهم اجراء عنده، انما بالقوة العسكرية التي امتلكها. ولم يكن هناك يسار علوي ضده، انما كان هذا اليسار ضمن اليسار الوطني العام، والمشايخ العلويون لا وجود لهم سوى برسم تفريعته مع الشيعة، أي كانوا مؤيدون له. وأن الأقلية يمكن ان تحكم كما هو في العراق قبل الاحتلال الأمريكي، ولبنان، واليمن، وسوريا.
- إن القاعدة الصلبة الأساسية لأي نظام مستبد هي القوة العارية، أي الأمن والجيش، وبعد ذلك يتم بناء الأركان الأخرى كما ذكرنا وهي الاقتصاد، والإعلام. وقد كان الهاجس الأول للطاغية بناء هذه القوة واختيارها بعناية. وإذا كان التحليل السوسيولوجي يأخذ البيئة بعين الاعتبار وعلاقات الأفراد والتجمعات، وترابطها، أو تصارعها، بعين الاعتبار. فإن هذا التحليل يوصلنا إلى أن الدكتاتور اختار الكتلة الصلبة ليس اعتماداً على المناطقية، فقط، إنما على العائلة أولاً، ثم العشيرة، التي تنتمي للطائفة، ولا يجوز تسميته سوى نظام طائفي. وتم استبعاد الطوائف الأخرى المتواجدة بنفس المنطقة والبيئة.
وقد ضمت هذه الكتلة عناصر من الطوائف الأخرى، بعد توسعها. وليس دقيقاً على الإطلاق القول إن "قوة طلاس وخدام، موازية لقوة علي دوبا وحيدر، وكل النخبة العلوية في السلطة"، إنما هؤلاء لم يكونوا أكثر من إجراء وموقعهم كموقع "الذيل من الدابة".
وقد صدر مؤخراً عن "مركز عمران للدراسات الاستراتيجية" دراسة هامة ومفصلة حول "الأجهزة الأمنية السورية"، وتُعدّ من الدراسات النادرة التي تبحث في بنية النظام وأجهزته الأمنية والعسكرية. واستنتج البحث بتوصيفه للواقع الأمني بأنه "يتم تعيين رؤساء الأجهزة والضباط الفاعلين على أساس طائفي ومذهبي بما يضمن الحفاظ على السلطة. فمثلاً ينتمي أغلب عناصر وضباط المخابرات الجوية إلى الطائفة العلوية، وأيضاً المخابرات العسكرية (80% علويين)، بينما الأجهزة الأخرى وأغلب ضباطها والفاعلين فيها في المفاصل الرئيسية هم أيضاً من الطائفة العلوية. ويتم بالدرجة الثانية الاعتماد على أبناء الأقليات الأخرى أيضاً. فمعيار الولاء هو الأساس في التعيين وليس الكفاءة. والمراكز الحساسة في الأجهزة الأمنية لابد من أن يكون القائم عليها من الطائفة العلوية مثل الفرع (251) الفرع الداخلي في إدارة المخابرات العامة. وكذلك الفرع (293) في الأمن العسكري. وفرع التحقيق في شعبة الأمن السياسي. ومن المستحيل أن يكون رؤساء هذه الفروع من غير الطائفة العلوية" (17). بالإضافة للشبكات العسكرية-الأمنية مثل (الحرس الجمهوري-الفرقة الرابعة-قوات النمر) وتعدادها بعشرات الآلاف من العلويين، ومزودة بأحدث أنواع الأسلحة.
ويمكن الاستنتاج ببساطة أن النظام لم يختر أركانه الرئيسة بشكل عشوائي، إنما اختار من هذه المناطق العلويين فقط، والأقرب لعائلة الطاغية. وبالتالي كان الخيار منهجياً، ريفياً طائفياً، وليس مناطقياً فقط.
ومن ضمن الاستنتاجات الهامة للدراسة المذكورة "أن اهم أسس تماسك هذه القوات هي: الرابطة العلوية كضامنة وحيدة لاستمرار الحرس والنظام الحاكم. والطبيعة التنافسية البينية. ومهام الرقابة التي تتولاها هذه الأقسام على بعضها البعض. وتواصلها المباشر مع الرئيس والذي بيده قرار تعيين وإقالة هؤلاء القادة، باعتباره القائد العام للجيش والقوات المسلحة. (18).
وإذا حافظنا على المنظور السوسيولوجي، فهل يمكن الفصل بين العائلة، والطائفة التي تنتمي إليها، وخاصة إذا كانت هذه الطائفة أقلية، ومضطَهدة تاريخياً، ومنعزلة، ومسكونة بعقدة الأقليات، بتعبير "جاك لويس"، وأن نقول "النظام عائلي وليس طائفياً". بالتأكيد لا يمكن هذا الفصل، إنما يمكن أن تصبح العائلة الأقوى ضمن الطائفة.
ثانياً: التمثيل الطائفي دستورياً وسياسياً
- في الدولة الدينية يتم ترسيخ الأيديولوجيا الدينية صراحة في الدستور، كما هو الحال في السعودية وإيران، وهم يعبرون عن مذهب الأغلبية. أما الأقليات الطائفية فهي لا تقيم دولة دينية. أما أن تسيطر أقلية طائفية على الدولة كالعلويين في سورية، فإن هذه الأقلية، والمسكونة بالخوف الدائم من السقوط، لن تكون قادرة على ترسيخ مصالحها التفضيلية في الدستور، لأن ذلك يعني السقوط السريع لها. والعكس هو المطلوب، تجريم الكلام عن الطائفية، وجعلها "مستترة".
- كما أنه لا يمكن تمثيل الطائفة سياسياً لعدة عوامل:
أولاً. لأن البعث استولى على السلطة بصفته الأيديولوجية البعثية، والقائمة على الاشتراكية والقومية، وهي التي تم ترسيخها في الدستور.
وثانياً، احتاج الأسد لعقدين من الزمن، حتى استطاع أن يلغي الحياة السياسية بالكامل داخل سورية. وإنهاء دور حزب البعث السياسي لصالح الأجهزة الأمنية، وتصفية الحركة السياسية والعنيفة المعارضة، بالكامل.
وثالثاً، لا يمكن إحياء السياسة في الطائفة، لأن ذلك يفتح عليه الأبواب لمنافسين جدد من داخل الطائفة، وتنهار بذلك الكتلة الصلبة التي يقف على رأسها. ولذلك "ستبقى محتمية به كما هو حال العلويين اليوم"، كما يصفها "محمد ديبو"، والذي يستنتج أن النظام ليس طائفياً، إنما "يحتكر" الطائفية. وبالعكس، انه طائفي ويحتكر الشغل بالطائفية.
ورابعاً: عبر التاريخ لا تحكم الأنظمة الاستبدادية عامة، والطائفية خاصة وفقاً للدستور المكتوب، والذي غالباً يتضمن فقرات حول حرية الإنسان، إنما النظام الطائفي يحكم بالقوة العارية، وينفذ أحكامه بموجب شبكات استثنائية يتم شرعنتها، أو تبقى فوق القانون والدستور.
ثالثاً: هل تعبر الطائفية السياسية عن الطائفة؟
- "الطائفية السياسية، هي استخدام الدين، أو المذهب الديني، كأيديولوجيا لتحقيق أهداف سياسية، وللوصول إلى السلطة". وغالباً يعمل على الطائفية السياسية سياسيون وليس بالضرورة أن يكونوا متدينين، مثل قسطنطين، والملوك والخلفاء، وصولا للأحزاب اللبنانية الطائفية الراهنة. وفي كل هذه الحالات يستخدم هؤلاء رجال الدين وأيديولوجيتهم لتبرير وشرعنة الحكم. وبالتالي يجب التفريق بين الطائفية السياسية والطائفة التي تمثلها، اذ تعمل الأولى في الطائفة على رسم الحدود للطائفة، وعدم الانتماء الوطني، وتحول الطائفة الى أداة للخلاف مع الطوائف الأخرى، وانعدام حرية الفرد في الجماعة. أما الدين، او المذهب مهمته نشر الدين بشكل سلمي، وليس بالعنف عن طريق الصراع على السلطة.
- ونفي طائفية النظام، بوجود عدد كبير من الفقراء العلويين، لا تصمد أمام النقد لسببين:
الأول، أن الطبقة السياسية الطائفية التي تحكم تعبر عن مصالحها بالدرجة الأولى كما هو الحال في السعودية وإيران.
والثاني، الملاحظة بأن نسبة الفقر عند العلويين كبيرة، غير دقيقة على الإطلاق. فمن يعرف الساحل السوري قبل انقلاب (1970)، يدرك الفرق، والاغنياء الجدد بالجملة من العلويين الذين نهبوا ثروات البلد.
والثالث، تحالف البرجوازية السنية-التجارية خاصة- في دمشق وحلب، مع النظام لا ينفي طائفيته. فالبرجوازية السورية بعد ان تلقت الضربات بالتأميم، تعود الى النظام من جديد، بدفع "الخوة" للأسياد الجدد. وحين تم الانتقال الى النظام الليبرالي تم الانتقال من "الخوة"، باتجاه المزاوجة-أو التحالف كما يقول العظمة- بين مافيا النظام الاقتصادية، والبرجوازية التقليدية، طبقة تجارية-صناعية جديدة، مستفيدة من سيطرتها على أهم القنوات لجني المزيد من الأرباح، ضمن شبكة فساد شاملة، وغياب كامل للقوانين، مقابل دعمها للنظام، برعاية الأجهزة الامنية، وعدم التفكير بالسياسة.
ويمكن الإشارة إلى تحالفات النظام الطائفية منذ تأسيسه، والتدخل في لبنان، ضد المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، متحالفاً مع "حركة أمل"، ثم مع حزب الله، والوقوف مع ايران ضد العراق، واحتضانه للمعارضة الشيعية ممثلة بحزب الدعوة.
رابعاً: الشمولية الطائفية
- إن وصف النظام بالشمولي، والأمني، متفق عليه بين الجميع. لكن ألا يعني لنا شيئاً أن صاحب القرار في هذه المنظومة الشمولية الأمنية هو العلوي، وحيازة هذه المنظومة، ليس على الاقتصاد فحسب، إنما سيطرته على كافة مناحي الحياة للسوريين. والامتيازات لهم أولاً: في الكليات العسكرية والشرطة، والبعثات الخارجية، ودورات القضاء، ولطلاب الصاعقة والمظليين، إلخ. ألا يعني لنا شيئاً أن أغلب وزراء الإعلام كانوا من العلويين، وهو الركن الثالث الأساسي للنظام، والذي حول الرئيس إلى الشبيه بالإله، وأن اغلب أساتذة الجامعات أصبحوا من العلويين، وأنه أولاً: لا توجد مؤسسة انتاجية أو تنفيذية أو قضائية، إلا وتحتوي على المكتب الأمني والذي يحكم هذه المؤسسة والمرتبط بأجهزة المخابرات. وثانياً: إن أغلب المواقع الحساسة في أية منشأة هي من نصيب العلويين.
خامساً: العنف الطائفي
- للعنف مستويات، ودوافع متعددة. ويتميز العنف الجمعي عن العنف بمفهومه الفردي العام، بأنه عنف تكون دوافعه جمعية، أي تخص جماعة من البشر، وليست فردية، أو شخصية. حيث يكون الفرد متماهياً مع الجماعة. وقد يكون جماعة ضد جماعة، أو فرداً ضد جماعة، أو فرداً ضد فرد. كما هو العنف العنصري (الأبيض ضد الأسود)، أو العنف الديني، والطائفي.
- ويعتبر التمييز الطائفي أحد أشكال العنف الجمعي. وقد مارس النظام السوري. لكن هذا العنف يظهر إلى العلن عندما يتهدد النظام، ويتخذ الصراع منحى الصراع الوجودي، يحكمه شعار "إما أنا، أو أنتم" أو "إما نحن، أو أنتم". وتصبح المجازر الجماعية والقتل على الهوية الطائفية هي السائدة.
- ومن التاريخ القريب، ومازالت في الذاكرة استباحة النظام في الثمانينيات لمدينتي حلب وحماة، والمجازر التي ارتكبها النظام، في المدن ضد المدنيين، وفي السجون، لا يمكن تفسيرها بعنف المستبد فقط، إنما هو عنف "مركب"، بتعبير صديقنا-حسن النيفي- يزاوج بين عنف المستبد، وعنف الطائفة الأقلوية، الخائفة من عودة الأكثرية للحكم من جديد. والمجازر التي ارتكبها النظام منذ انطلاقة الثورة في: الغوطة، وبانياس، وداريا، والحولة، والبيضا بطرطوس، ونهر حلب. إلخ. وكلها مجازر طائفية استعملت فيها كل الأسلحة، بدءاً بالسكاكين والذبح على الطريقة "الداعشية"، وانتهاء بالأسلحة الكيماوية. وهي مجازر طائفية.
- إن الصعود المذهل للتعبئة الطائفية والمجازر الطائفية من جانب النظام، وتعبئة طائفية سنية مقابلة ومماثلة في "استشراسها" كما يقول العظمة، مثل الطائفة السنية، وهي الأغلبية التي احتكمت الى عنوان الأقلية، وتحولها الى طائفة، هو دليل على طائفية النظام وليس نفي لطائفيته.
سادساً: الطائفية والأيديولوجيا
- إن القول إنه " لا طائفية بلا أيديولوجيا. فالطائفية هي تعصب ديني ينطلق من التمسك بمعتقدات معينة، ورفض الآخر، ومن ثم محاولة فرضها بالقوة على الآخر ومحاربته بناء عليها"-كما يقول سلامة-هي مقدمة صحيحة، لاستنتاج خاطئ بأن النظام غير طائفي. لأن المقدمة تقتصر على الصورة الشكلية للنظام، وليس إلى ماهيته، أي مكوناته الأساسية والجوهرية.
أولاً: ليس هناك طائفة دينية بدون أيديولوجيا، والعلويون في سورية ينتمون للمذاهب الباطنية الصوفية ان صح التعبير، وبالتالي أيديولوجيتهم غير واضحة للخارج، ولهم طقوسهم الخاصة بهم، مثل كل الطوائف.
وثانياً: الذين يمثلون الطائفية السياسية-النظام السوري- ليس بالضرورة أن يكونوا متدينين، كما هي الطائفية السياسية التي تم تعريفها سابقاً. ولا يهمهم نشر الأيديولوجيا الدينية الطائفية، وخاصة هي أقلوية جداً، كما أنه لم يعد ضرورياً محاربة الآخر وفق هذه الأيديولوجيا وفرضها عليه بالقوة، كما كان يجري في العصور القديمة.
وثالثاً: التركيبة الخاصة لماهية النظام السوري، منذ استيلائه على السلطة، وهي مزيج من الأيديولوجيا الاشتراكية والقومية المزيفة، والذي يحمله الجسد الطائفي الذي سيطر على البلد.
سابعاً: الطائفية والعلمانية
يرى البعض أن النظام لا طائفي لأنه علماني. وهذه خرافة، وتندرج ضمن حجج الإسلاميين لتشويه العلمانية ورفضهم للنظام الديمقراطي. فالمستبد لا يمكن ان يكون علمانيا لأنه ضد الديمقراطية وحقوق الانسان. وحتى الدستور السوري ليس علمانيا، لأنه يعتمد على الشريعة، ودين رئيس الجمهورية هو الإسلام الذي يمسك بكافة المناصب التشريعية والتنفيذية والقضائية.
ثامناً: الرئيس، النظام، الدولة
- في الحالة السورية، العلاقة بين الرئيس والنظام وأدواته، هي علاقة عصبية قائمة على الرابطة العائلية والطائفية. إنها كتلة متماسكة، وجعلت لنفسها مصالح ومصيراً مشتركاً. وبالتالي لا يمكن التضحية برأس النظام، دون انفراط عقد النظام ككل.
- وبالتالي التمييز بين النظام السوري، والدولة هو تمييز مخادع، يراد منه إبعاد الصفة الطائفية عن النظام، باعتبار أن الأغلبية في مؤسسات الدولة ليست من الطائفة العلوية. والمسألة هنا ليست عددية أو قياساً كميّاً فقط رغم أهميته، إنما الأهم هو انتظام هؤلاء الأفراد، في شبكات أمنية منظمة موزعة أفقياً وعمودياً في كل مؤسسات المجتمع، يجمعها هدف سياسي واحد، ومصلحة واحدة، هي الحفاظ على النظام.
- المسألة بالأساس ليست رغائبية، الدعوة إلى إسقاط الرئيس وعائلته، وليس إسقاط النظام. أو اسقاط النظام، وليس إسقاط الدولة. المهم أن نجد العلاقة الفعلية بينهما، وأثر كل عنصر وعلاقته بالآخر. مؤسسات الدولة بأكملها ليست مستقلة عن النظام وأجهزته الأمنية. ومن الطبيعي أن تسقط تركيبة الدولة بأكملها مع سقوط النظام. إن سقوط النظام يعني هدم الأسس التشريعية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية التي كان يقوم عليها، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وفق منظومة ديمقراطية علمانية حديثة.
- وتاسعاً: الطائفية والأدوات
- يلاحظ المعترضون على طائفية النظام، أن: النظام يحتكر الطائفية، ويستخدم، ويستغل، ويوظف الطائفة، وأن الطائفية أداة من أدواته المتعددة، لكنه غير طائفي. إنه فصل تعسفي بين النظام وأدواته ووسائله، حيث لا يمكن فصل أي سلطة، عن الأدوات، والوسائل، والآليات، التي تستخدمها، لتثبيت سيطرتها. فالطائفية السياسية، تستخدم، وتستغل. إلخ. وكما ذكرنا سابقاً، ليس بالضرورة ان يقودها ساسة متدينون، أو رجال دين، كما هو النظام السوري، والعراقي، والطائفية السياسية المسيحية في لبنان.
- والمثير للغرابة أن البعض، مثل-راتب شعبو- يرى أنه "لم يكن السوريون طائفيين على مدى تاريخهم الحديث". إن الوطنية السورية التي تشكلت لمواجهة الانتداب الفرنسي وتقسيماته الطائفية، وبعدها أفرزت قامات وطنية كثيرة عابرة للمذاهب والأديان. وكان واحداً منهم "فارس الخوري"، الذي لم يوصف بمسيحيته انما بوطنيته. والنظام السوري ليس استمراراً للوطنية السورية في تلك المرحلة، إنما أحدث قطيعة نهائية معها، وتأسيسه لنظام طائفي، ولم يرحب الشعب به، وتم استقباله بالأحذية والبندورة، في إدلب، مثلاً. وتم فرض نفسه بالقوة على كل الشعب. وعند التوريث كان الشعب السوري كله معترضاً، لكن من كان يجرؤ على الاعتراض بعد سحق المعارضة بكافة تلاوينها. وأن الثورة السورية عبرت عن الوطنية السورية من جديد لإسقاط النظام، وإقامة دولة ديمقراطية حديثة. وعدم توصيف الثوار للنظام بأنه "علوي"، لا ينفي علوية النظام، لأن الثورة لم تكن "إخوانية" كما وصفها النظام.

عاشراً، وأخيراً
- حين عبر "صادق العظم" عن توصيفه للنظام ب "العلوية السياسية"، وهو من أوائل المفكرين العلمانيين والعقلانيين الذين أيدوا الثورة، وأكمل أنه "على الثورة أن تعي نفسها جيداً بلا تورية، وأن تصارح نفسها علناً. فالثورة رفعت (غطاء الطنجرة) -وفق المثل السوري-فظهرت التشققات المجتمعية، وظهر العفن الطائفي الذي خلفه النظام ب حكم نصف قرن". انهالت عليه الانتقادات من "اللاطائفيين"، بأن المصطلح تعبير "هزيل معرفياً"، أو هو "خزعبلة"، أو "مفرقعة صوتية، وليس مصطلحاً سياسيا"، وتم اعتباره أيديولوجيا يعمل على التحريض الطائفي. إلخ. علماً أن التعبير لا يعني سوى الطائفية السياسية للنظام، ولا يقصد-كما عبر بنفسه-العلويين كطائفة. وكل الردود لا تخرج عن إطار الحجج التي تم عرضها في الفقرات السابقة.
ويمكن أن نلاحظ أسباباً عديدة تكمن خلف الرفض القاطع لتوصيف النظام بالطائفية السياسية.
أولاً: لأن توصيف النظام بالطائفية، يتوافق مع توصيف الإسلاميين. إن وصف النظام بالطائفية السياسية، لا يعني الانجرار وراء الأيديولوجيا الإسلامية أو التمسح بها، والتي تعمل على التجييش الطائفي بشقيه السني والشيعي. إنما بالعكس علينا الكشف وبجرأة عنها، ومخاطرها، وأن يكون لدينا مشروعنا الوطني الديمقراطي، الرافض لطائفية الأقلية والأكثرية، التي يدعو اليها الاخوان المسلمين.
والطائفية السياسية ليست شعاراً تحريضياً، إنما هو مفهوم معرفي، يعبر عن بنية الطبقة السياسية التي تعمل على تمزيق المجتمع، ودفعه باتجاه حرب أهلية عدمية مدمرة.
وثانياً: الطائفية السياسية للنظام، لا يعني أن الطائفة العلوية تتحمل المسؤولية عن جرائم النظام، كما يتوهم المعترضون. إنما يكشف هذا التوصيف، التسلط، والاستغلال، واستخدام الطائفية السياسية، للطائفة كوقود في ساحة الحرب للاحتفاظ بالسلطة. وكذلك الطائفة السنية لا تتحمل المسؤولية عن الجرائم التي تمارسها الطائفية السياسية السنية مثل داعش، ومشتقاتها.
وثالثاً: قد نتفق بشعورنا بالخجل، والغضب، ونحن في القرن الواحد والعشرين، عندما ينظر إلينا الغرب، على أننا مازلنا كمجموعة قبائل وطوائف متناحرة، وليس كشعوب، أو مجتمعات. فهل نستمر في تجاهل أمراضنا التاريخية، والبكاء على أطلال الوطن الذي تم تدميره. أم المطلوب أن نعترف بهذا الواقع، وأن نواجه الحقائق التي تُبهر العيون، حتى يمكن البحث في آليات الخروج من المستنقع الذي وجدنا أنفسنا غارقين فيه، ولعل نقطة الانطلاق تتم عبر تشكيل الوطنية السورية الرافضة لكل الطائفيات السياسية، ونحو بناء دولة المواطنة والقانون.
----------
الهوامش
(1) د. فان دام، نيقولاوس، الصراع على السلطة في سوريا - ص58
(2) حنا بطاطو-المرجع السابق-ص252.
(3) بطاطو-المرجع السابق-ص358
(4)المرجع السابق-بطاطو-ص369
(5) المرجع السابق-بطاطو-ص378
(6) المرجع السابق -بطاطو-ص253-288.
( (7) المرجع السابق-بطاطو-ص417.
(8) (الصراع على السلطة-المرجع السابق-ص61
(9) الصراع على السلطة-المرجع السابق-ص165
(10) كيلة، سلامة-العلوية السياسيةتخزعبلة وليست مصطلحا سياسيا. http//www.syriauntold.com
(11) ديبو، محمد-مجلس علوي حاكم. الطائفية في سوريا، صناعة سياسية ام واقع-السلطة واحتكار الطائفية في سوريا. ملف عن الطائفية: http//www.syriauntold.com
(12) شعبو، راتب-هل نحرر المستقبل من الماضي- المرجع السابق
(13) (العظمة، عزيز-سوريا والصعود الاصولي-دار الريس-بيروت- الطبعة الأولى ٢٠١٥ص٩٠٩١)
(14) لماذا لم يسقط النظام السوري؟ وحدة الدراسات في مينا https://mena-monitor.org/research/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%84%D9%85-%D9%8A%D8%B3%D9%82%D8%B7-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%9F
(15) بشارة، عزمي، الطائفة، الطائفية، الطائفية المتخيلة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات قطر، ط١(آذار 2018)، ص (370-456)
(16) دراسة- اعداد: أ. معن طلاع ومجموعة باحثين- الاجهزة الأمنية السورية، وضرورات التغيير البنيوي والوظيفي- https://www.omran-dir-asat.or/security-intelligence.html
(17) المرجع السابق، ص١٩







اخر الافلام

.. الشمال السوري.. استراتيجية الانسحاب وتكتيك الصمود


.. السودان.. تظاهرات وسيناريوهات محتملة


.. بعد سقوط بريكست.. الخيارات الأوروبية في التعاطي




.. الصراع الأميركي الإيراني .. ساحات النفوذ ومواقع المواجهة


.. استمرار المظاهرات المطالبة برحيل البشير