الحوار المتمدن - موبايل



الشرفة

دلور ميقري

2019 / 1 / 12
الادب والفن


أن يلتقي المرء بحبيبة أيام الصبا، مصادفةً أو بتدبيرٍ من أقدار مجهولة.
كنتُ أنتظر حلول المساء، كي أمضي إلى موعد مع أصدقاء هذه الغربة، الممتدة عقوداً. فجأة، فكّرتُ فيما كانت الحبيبة تمر إزاء موقفي المتردد، الواجم، دون أن تلقي نظرة أخرى عليّ: " تجربتي المريرة، هنا في الغربة، أكّدت لي خرافة ما يسمى بصديق العُمر. فهل هو كذلك، حب العُمر؟ ". ولكن، بينما قلبي ينزف دموعَ الوجْد المتجدد، عدتُ لأفكّر: " لقد عرفتها من ملامحها؛ وبالأخص، الشامة تحت فمها.. فأنى لها أن تعرفني، بعد فراق عقودٍ من الزمن؟ ".
ما لبثتُ أن غادرتُ كل تلك الأفكار، وكنتُ في الأثناء مشغولاً بمحاولة معرفة عنوان أولئك الأصدقاء. رذاذ المطر، بدأ يصفع سحنتي بقسوة فيما أنا أتخبط هنا وهناك في العتمة. وإذا بي أنتبه إلى دخولي في درب مألوف، تطل عليه شرفات بناءٍ غاية في الأناقة والجدّة: " إنه ذات البناء، الذي أجبرتني شركة السكن على تركه، نتيجة مشكلة مع جارٍ روسيّ سكّير وسافل "، قلت لنفسي في حيرة وحنق معاً. وها هم الأصدقاء، بدَورهم، يزيدون حيرتي بتلويح أياديهم من فوق شرفة تلك الشقة، المفترض أنني أقمت فيها قبلاً!
فتحَ لي أحدهم الباب الخارجيّ. عندما كنتُ أجتاز ردهة الشقة، في ضوء مصباحها الخافت، لحظتُ أشياء هنالك تُثبت بأنني فعلاً لم أخطئ في ظني. بيدَ أنني لم أتعرّف من أولئك الشباب، المتواجدين في الشقة، سوى على صديقٍ واحد. وإنه هوَ، مَن هتفَ فيّ مرحباً: " النرجيلة بانتظارك، هناك على الشرفة ". لحقت به إلى مدخل الشرفة، وكانت السماء ما تنفكّ ممطرة. عدتُ أدراجي إلى الردهة، عازماً على جلب معطفي الشتويّ. فالتبسَ عليّ الطريق، وذلك بسبب الظلام. سرتُ بمشقة أتلمسُ طريقي، آنَ أنجذب بصري على غرّة إلى شرفة الشقة المجاورة. مبهوراً، رأيت " حبيبة العُمر " هناك، وكانت ترمشُ عينيها الرائعتين من أثر الرذاذ الماطر. انتبهت أيضاً إلى ابتسامتها الوضاءة، الحيية، الدالة على معرفتها لشخصي. خلفها، وقفت صديقة ما وكانت بالكاد تبين في ضوء شرفتهن الشاحب. خشيةَ أن أضيّع أثر الحبيبة ثانيةً، صممتُ على البقاء منتصباً في مكاني غير ملتفتٍ لنداءات الأصدقاء وكانت تتناهى من شرفة.. ( كدتُ أن أقول: شرفة شقتي! ). ثم حلّ الصمت من جديد، وطال هذه المرة أكثرَ من المعتاد. رأيتني أتقدم بضع خطوات، لأجد أنني في حجرة النوم. شعور الحنق، صار يطعن داخلي مجدداً حينَ ألقيتُ نظرة من نافذة الحجرة على شرفة الشقة السفلى، فحط بصري على هيئة ذلك الروسيّ السافل. رفع رأسه في ذات اللحظة، إلا أنني فكّرتُ بأنه من المحال أن يراني في العتمة. وتهدج هذه المرة صوتي، لما تمتمتُ في حسرة وأنا أعود بنظري إلى الشرفة الحبيبة: " أضعتها مرة أخرى ". كون العالم لم يعد له معنى، مع وصولي لعمر متأخر، فإنني فكّرتُ بأن الأمرَ سيانُ: " وربما سألقاها من جديد، طالما أنها تقيم هناك أو أن تلك الشقة هيَ لصديقتها ". مع ذلك، لم يفارقني القلق. رحتُ أتخبط في الظلام بلا هدى، متلمساً طريقي إلى شرفة الشقة كي أوافي رفاق النرجيلة. رأيتُ عندئذٍ بصيصاً من النور في شق باب المسكن الخارجيّ، فأيقنتُ أن الشباب سهوا عن إغلاقه غبَّ استقبالهم لي. تفاقم قلقي وقد وجدتني أتيه في ممرات عديدة، وكما لو أن الشقة مفتوحة على ما يجاورها من مساكن. إلى أن اهتديت للشرفة أخيراً وكانت، لدهشتي، مقفرة من أيّ كان. في الضوء الضعيف، ميّزتُ سلماً حديدياً للحريق وكان يتصل بالشقة السفلى. هَلِعاً، فكّرتُ باحتمال وجود ذلك الدب الروسيّ في مكان ما هنا في الشقة..
تراجعت عن موقفي، لأضرب في العتمة بلا هدى. فتذكرتُ أن أسلحة أنتيكية كانت بين أشياء أخرى، موجودة في حجرة السفرة؛ والتي كنتُ، فيما مضى، قد حولتها إلى مكتب يليق بمكانتي ـ ككاتب! بتلمس هذه الأشياء الحميمة، تلهيت عن قلقي وفرقي، طالما أن تلك الأسلحة لم تكن بمكانها. ولكن يدي اصطدمت بتمثالٍ برونزيّ صغير، يمثل مقاتلاً آشورياً يتنكّبُ قوساً وجعبة سهام. مع صدور صوت خطوات مريبة في مكان ما من الشقة، رأيتني أقبض على التمثل بقوة مندفعاً باتجاه ذلك المكان. أخذت أخاطب نفسي، وكما لو أنني في حالة هذيان: " سأقتله، والله، ذلك السافل إذا عمد لمهاجمتي! إلا أنني سأهدده أولاً، وفي آنٍ معاً، أناشده بالقول: أتعرف التمثالَ يعود لمَن؟ إنه نسخة عن أحد تماثيل الحضارة الآشورية، التي قامت داعش بتدميرها. ونحنُ ( شددتُ على الضمير )، نجن من أنقذنا حضارة العالم من شر هذا التنظيم الهمجيّ!! ". خطواتي، أضحت أكثر ارتخاء وأنا أمضي متعثراً بموجودات المكان. كنتُ مرهقاً ومنفعلاً، فيما الظلمة تكتم رويداً أنفاسي.













اخر الافلام

.. من ينقذ متحف لفنون الجميلة بالإسكندرية من إهمال أعمال الصيان


.. مراجعة قواعد الدرس الثاني في اللغة الألمانية للصف الثالث الث


.. سينما بديلة: افلام و لقاءات من مهرجان السينما الفلسطيني في




.. صباح العربية | مبادرة لدعم الحركة الفنية السورية


.. مقهى في مصر يجمع بين الرسم والغناء والطعام