الحوار المتمدن - موبايل



بنات أفكارى

محمود محمد عبد الحافظ

2019 / 1 / 13
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات


“يقولون أن الفكرة هى كل ما تردد على الخاطر من تأملات و أراء، وما يخطر في العقل البشري من أشياء أو حلول أو اقتراحات مستحدثة أو تحليلات للوقائع والأحداث، و الفكرة هي نتاج التفكير، والتفكير هو أحد أهم مميزات البشر فقدرة الإنسان على توليد الأفكار يتوافق مع قدرته على الاستنتاج والتعبير عن النفس” ، و أنا هنا لست بصدد أن أحكم بأن هذا التعريف جامع مانع،وإنما فقط من أجل أن أسلط الضوء على القضية التى أطرحها.

يا ساده “الأفكار التى نعتنقها مستبدة”، سواء كانت أفكار سلبيه أو إيجابيه،فالفكرة أشبه بالومضات ،سريعة فقط ثم تتم ترجمتها عن طريق الحواس، إذا ما سيطرت على شخص ما استحوذت على عقله ومشاعره و احتلت كيانه كله ، فلا تدع له فرصة لإستبدالها أو العدول عنها .

و بالتأكيد هناك علاقة قوية بين الثقة بالنفس وبين الافكار الايجابية ، وفي المقابل بين الافكار السلبية وبين ضعف الشخصية ، فلو انك كنت واثق من نفسك ..من قدراتك.. من مواهبك.. و راض عن نفسك و متقبل نفسك كماهى.. وتمتلك رؤية معتدله في تقييم الامور العامة فى واقعك ومجتمعك ،فأنت قد قطعت 80% من رحلتك نحو تفكير ايجابي بناء بل و قد تخلصت من بعض الهواجس و الأفكار السلبية القليلة المنزويه في ذهنك وعقلك لن تجد صعوبة ابداً فى إقصاءها وإبعادها.

هنا يجب ان نشير إلى موضوع مهم وهو ما ذكره “هاورلد شيرمان” وغيره من الباحثين المتعمقين فى التفكير الايجابي الخلاق الابداعى يتلخص هذا الأمر في ان مراقبة الأفكار والسيطرة على الخواطر هى مهمة شاقه وليست أبداً سهلة وكمية الأفكار والخواطر التى ترد علينا لا شعورياً هائلة ، لذا نحن نملك مراقبتها واقصاء السيء منها وقبول الجيد منها.

هل تصورت مثلاً حجم الكارثة التى تجلبها الأفكار السيئة إذا ما سيطرت على الإنسان ؟..، للوقوف على حجم هذه الكارثة يمكنك معرفته من خلال ملابسات انتحار بعض الشخصيات الشهيره ، “يوكيو ميشيما” هو الاسم الأدبي للكاتب الياباني “كيميتاكي هيراوكا” (1925-1970) أكثر أدباء اليابان موهبة غزارة فى الانتاج ترشح لجائزة نوبل للأداب ثلاث مرات ،لكن اللافت للإنتباه في أدب “ميشيما” في أعمال عديدة الانتحار بطريقة الـ(سبوكو) ،ففي روايته (إعترافات قناع) التي تمثل سيرته الذاتيه، نتلمس فيها تقبله منذ شبابه لفكرة الموت المبكر، بالإنتحار!..، أما في رواية (خيول هاربة) فيمكننا متابعة بطله الذي يبدي استعدادا وحماسا مفرطا للموت في سبيل أفكاره، وفي النهاية يقدم باصرار على قتل نفسه، وقد عجل من اندفاع “ميشيما” على الانتحار بطريقة إحتفالية “و هى طقس من الطقوس المعروفه عند فلسفة الساموراى”، مجمل الوقائع والأحداث السياسية الخطيرة التي رافقت هزيمة بلاده، بما فيها فترة الإحتلال الأميركى في أعقاب الحرب العالمية الثانيه، وما تبعها من معاهدات أبقت امبراطورية اليابان تحت سيطرة النفوذ الأميركى،و هو مالم يتقبله “يوكيو ميشيما” و المفاجأه أن طريقة الإنتحار كان نسخة طبق الأصل من إنتحار بطل مسرحيته الذى أجهز على نفسه مستخدمًا طريقة سيوكو!!.



و أيضاً يمكننا معرفة ما تجلبه لنا الأفكار السلبيه خلال ملابسات انتحار الكاتب النمساوي الأصل “ستيفان زفايغ” (1881 – 1942) ولد فى فيينا وحصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة بأطروحة عن الناقد الفرنسي الشهير “تين”، كما فاز بجائزة “بوير نفليد” للشعر، وهي إحدى الجوائز الرفيعة في النمسا وقت ذاك، كتب الشعر وترجم بعض الأعمال الأدبية وألف قصص وروايات ومسرحيات.. قال عنه الروائي الفرنسي “غول رومانس”: “أنه أحد المفكرين السبعة الأكثر عمقاً في أوروبا بأسرها”، في 23 فبراير 1942، أقدم الكاتب النمسوي “ستيفان زفايغ” وزوجته الشابة على الانتحار معاً في منزل ريفي في البرازيل، كان فى أبعد مكان ممكن عن وطنه الأم، وقد شعر بالإقصاء التام عن عالمه بعدما وقعت أوروبا تحت الاحتلال، وأحرق النازيون كتبه، ليجد نفسه هائماً بين دول وجنسيات متفرقة بحثاً عن ملاذ أمن، فقدت روحه الرغبة في البقاء على قيد الحياة، ولم يكن باستطاعة أحد أن يغيّر قناعته التامة بأن «الحضارة التي ولدنا فيها أصبحت على وشك الانقراض»، فآثر الرحيل عن هذه الدنيا مع محبوبته «لوت»،سطَّر”زفايغ” بيده 192 رسالة لأصدقائه يشرح لهم فيها أسباب انتحاره!!.، فى مذكراته يكتب “ستيفان زفايغ” عن نهاية العالم حيث يمكن التنقل بين الدول من دون جوازات سفر، ومن دون أن يتوجب عليك تبرير وجودك، وفي رسالة إنتحاره التي شكر فيها حكومة البرازيل وشعبها على استضافته كتب يقول: «لكن الذي ناهز الستين من العمر يحتاج إلى طاقات غير اعتيادية كى يبدأ بداية جديدة بحق ما لدى من طاقات إستنزفتها أعوام التشرد المديدة، لذلك من الأفضل في اعتقادى أن أختتم حياتى في الوقت المناسب، وأنا منتصب القامة، حياة كان العمل الفكرى فيها يعني الفرح الصافى، والحرية الشخصية النقية، والخير الأسمى على الأرض، تحياتي إلى كل أصدقائي، عسى أن تتسنى لهم رؤية الفجر بعد هذا الليل الطويل، وها أنا ذا أتقدمهم وقد فرغ صبري تماماً».


فلاديمير ماياكوفسكي كاتب و شاعر من روسيا من مواليد 19 يوليو 1893، بدء كتابة المسرحيات والقضائد وهو في عمر صغير كان يبلغ حوالي 15 عام ، كما كان شغفه للأدب الماركسي حيث انه شارك في العديد من انشطة حزب العماال الاشتراكي الديمقراطي، وحُبس ثلاث مرات بسبب انشطته السياسية ،من قصائده المشهورة غيمة في سروال ، الناي عاموداً فقيراً .انهى حياته في 14 ابريل عام 1930 وذلك بإطلاق رصاصة على قلبه تاركاً رسالة وداع مليئة بالخيبة.
فلاديمير ماياكوفسكي

لذا فإن كل الأفكار التى نعتنقها غالباً سوف تحدث،والمسألة مسألة وقت فحسب و قد تطول المسافة بين ما نفكر به وبين وصولنا إليه لكننا فى النهاية سنصل ،الفيصل فى الأمر فقط هو قدرتنا على محاولاتنا الدؤوبه لتعديل أفكارنا حتى لا تكون النهايات مؤسفة.







اخر الافلام

.. الجيش الوطني الليبي يحرر حقل الفيل النفطي


.. الاتحاد الإنجليزي يفرض عقوبة على يورغن كلوب


.. إيران.. استمرار لغة التصعيد




.. ولي العهد السعودي يصل بكين في زيارة تستمر يومين


.. مظاهرات -موكب الرحيل- بالخرطوم.. مطالبة بإسقاط النظام وتشكيل