الحوار المتمدن - موبايل



أنا النموذج ولاشئ غيرى

محمد السعدنى

2019 / 1 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


"إنتبهتُ ذات يوم وأنا أقود سيارتي إلى واحدة من القواعد النفسية والأخلاقية العامة التي يشترك فيها معى أكثر الناس، فإذا حجزتني سيارة بطيئة أمامي قلت: يا لهذا السائق البليد، وإذا تجاوزتني سيارة مسرعة من ورائي قلت: يا له من سائق متهور! ذلك أن كل منا يعتبر نفسه "النموذج" الذي يُقاس عليه سائرالناس، فمن زاد علينا فهو من أهل الإفراط، ومن نقص عنا فهو من أهل التفريط. إذا وجدتَ من ينفق إنفاقك فهو معتدل كريم، فإذا زاد فهو مسرف، وإذا نقص فهو بخيل، ومَن يملك جرأتك في مواقف الخطر فهو عاقل شجاع، فإذا زاد فهو متهور، وإذا نقص فهو جبان! ولا نكتفي بهذا المنهج في حكمنا على أمور الدنيا بل نوسعه حتى يشمل أمورالدين، فمَن عبد عبادتنا فهو من أهل التقوى والإيمان، ومن كان دونها فهو مقصر، ومن زاد عليها فهو من المتنطّعين. وبما أننا جميعاً نرتفع وننخفض ونتقدم ونتأخر ونتغير بين وقت ووقت وبين عمر وعمر، فإن هذا المقياس يتغير باستمرار . ربما مَرّ علينا زمان نصلي فيه الصلاة مع الجماعة ثم نقوم فنمشي دون أن نصلي السنّة، فنحس في قرارة أنفسنا بالأسف على مَن يفوّت الجماعة ونراه مقصراً، لكننا لا نرى أي بأس في الذين يقتصرون على "الفرائض" دون النوافل، فإذا تفضّل الله علينا وصرنا من المتنفّلين نسينا أننا لم نكن منهم ونظرنا إلى من لا يتنفّلون بعين التعالي والزِّراية أو بعين الشفقة والرثاء. ولم أكن يوماً فى ذلك وحدى، فكلنا يعتبر نفسه هوالأصل والنموذج والمعيار الذى تقاس عليه أمور الدنيا والدين".
ليس هذا كلامى وإنما هو اقتباس بتصرف من أحد التربويين العرب انتشرت كلماته مؤخراً بشكل ملفت فى عالمنا الموازى أو الافتراضى فى الشبكة السيبرانية ووساءط التواصل الاجتماعى، هو د. محمد الخامس المخلافى، وإذا كان للمرء نصيب من اسمه، فلعل هذا الرجل النابه لم ينصفه اسمه، وإن سبقت أفكاره كثيراً من المواقف والمعانى والمسميات. وهو يفسر ما كتبه قائلاً: "نصل من تلك الملاحظات إلى قاعدة مهمة من قواعد الحسبة ألا وهى: إياك أن تظن أن مقياس الصواب في الدنيا ومقياس الصلاح في الدين هو الحالة التي أنت عليها والتي أنت راض عنها، فرُبّ وقت مضى رضيتَ فيه من نفسك ما لاترضاه اليوم من غيرك من الناس، فدع الخلق للخالق فالله يتولى أمرهم، وأعمل على إصلاح ذاتك فالمؤمن من دان نفسه، وتمثل قول الله تعالى :(وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيم .. يوسف 53) انتهى الاقتباس، وما ينبغى أن ينتهى معه التأمل والتفكير.
وفى تقديرى فقد صدق الرجل فيما ذهب إليه، ووضع اصبعه على واحدة من أهم مثالب طرائقنا فى التفكير، وإلى ما اعترى ثقافتنا العامة من فتور واضمحلال ربما مرده أننا أمة لاتقرأ، تتقوقع نفوسنا وتنكب على ذاتها قانعة بما حصلته من ثقافة شفاهية سيارة، فيها من النقل والعنعنة أكثر مما فيها من الأصالة والبحث والتفكر والتجديد. فإذا مانظرنا بصدق وتجرد إلى مصادر المعرفة المتاحة حولنا، لوجدنا خواء وسطحية تكرس لها دون ترو وسائط إعلامية مقروءة ومسموعة ومرئية، يصرخ فينا ويتطاول علينا عبر فضائياتنا أقل من فينا علماً وثقافة وذكاء ومعرفة، وقل لى بالله عليك كم من مئات قنواتنا الفضائية يقدم لنا برامج العلم والثقافة والمعرفة؟ لقد تخلفت بنا الريادة الإعلامية التى صدعنا بها صفوت الشريف ورجاله إلى مصاف بعيدة عما تقدمه فضائيات عربية أخرى، هى على ندرتها وقلتها تعبأ بكثير مما ينقصنا ومانحتاج إليه فى إعادة صياغة الوجدان وتنويرالعقل. وإذا مانظرت إلى أغلب جرائدنا فتجد أنها لاترى مدى الضمور الذى آلت إليه صفحات الأدب والثقافة، لكأنها أضحت كما زائدة دودية يمكن الاستغناء عنها فلا أهمية لها، قياساً بصفحات الترويج السياسى والإعلامى وحتى "الكورة". ولعل البعض منكم لايزال يذكر أننا قرأنا فى جرائدنا لعمالقة الفكر والأدب من أمثال زكى نجيب محمود ويوسف جوهر ونجيب محفوظ وحسين فوزى ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم ولويس عوض ولطفى الخولى ونعمان عاشور ومحمود أمين العالم ويوسف كرم وعثمان نوية، وأحمد زكى، وعبدالوهاب المسيرى، جمال الغيطانى، بهاء طاهر، يوسف السباعى وإحسان عبدالقدوس، وأمين يوسف غراب، عبدالرحمن الشرقاوى، ألفريد فرج، شكرى عياد، سعدالدين وهبة، رجاء النقاش وعشرات غيرهم، ساهموا فى تشكيل وعينا وأفكارنا وثقافتنا.
ولاغرو مع كل هذا التصحر الفكرى والثقافى، أن يرى كل منا فى أفكاره وآرائه، مهما بدت هزيلة ضامرة، أنه النموذج والمثال، لا شئ غيره.







اخر الافلام

.. مرا?ة الصحافة الثانية 2019/2/23


.. شاهد: قمة -مزيفة- تجمع ترامب وكيم في فيتنام


.. إعادة الانتشار في الحديدة تبدأ الأحد




.. تظاهرات في السودان احتجاجاً على قرارات البشير


.. كيم جونغ اون يقوم بزيارة رسمية إلى فيتنام -في الأيام المقبلة