الحوار المتمدن - موبايل



لا تنشر بيدك غصن الشجرة الذي تجلس عليه

عبدالرزاق دحنون

2019 / 1 / 19
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات


في عصر أحد أيام صيف عام 1838 انطلقت فرس عجفاء من أحد الأزقة المعتمة في مدينة طرابلس الغرب تجر عربة فقيرة متهالكة تحوي نعشاً بسيطاً عارياً تمشي خلفه امرأة تسدل على وجهها نقاباً أسود اللون يتناسب مع ثوبها الفضفاض المكلّل بالسواد أيضاً. دبت الدابة في الشارع بهدوء يليق بجلال جنازة وسارت المرأة خلف الدابة بوجوم يليق بجنازة أيضاَ. انساب الموكب الفقير على مهل فكان المارة يترحمون على الميت وهم يسرعون في قضاء حوائجهم ولكن قلة من هؤلاء كانت تقف بخشوع لتتساءل عن هوية صاحب الجنازة. فمن يكون هذا الصاعد نحو المقبرة؟
من ذا الذي يسبقنا اليوم إلى دار الحق؟ أجاب أحدهم: يقال إنه يوسف باشا حاكم طرابلس؟ صاح الأول: أيعقل أن تكون هذه جنازة حاكم؟ هذا هراء. في المنعطف المؤدي إلى جامع الباشا أدرك الجنازة رجل أقبل مهرولاً تفوح من أعطافه رائحة التوابل فهو عطَّار عارف بأسرار الممالك والملوك, راح يردد: لا إله إلا الله لا حول ولا قوة إلا بالله, أيعقل أن يتنكر المؤمن لمن تولى أمر المؤمنين يوماً؟
بهذا المشهد الحزين يُنهي إبراهيم الكوني روايته الفخمة و التي حملت عنواناً جميلاً موفقاً (جنوب غرب طروادة, جنوب شرق قرطاجة) تألفت الرواية من أثنين وتسعين فصلاً امتدت على ستمائة وثلاثين صفحة عالج فيها إبراهيم الكوني العلاقة الشائكة بين الحاكم والمحكوم في دولة طرابلس الغرب في الفترة الممتدة بين عام 1803 حتى وفاة يوسف باشا القرمانلي عام 1838.وحينها خمدت نار الحرب, وبلغت كل نفس مُناها, وقَتَلَ محمد بك القرمانلي نفسه, وفرَّ أخوه أحمد بك إلى مالطا, وأُرسل علي باشا القرمانلي إلى الآستانة مخفوراً أسيراً, وانقرض بيت آل قرمانلي ومملكتهم. فما الذي فعله هؤلاء القوم حتى يسخر التاريخ منهم هذه السخرية المريرة؟
بين صحراءين, بحر أجاج , ورمل حتى حدود الخيال, كانت مملكة طرابلس تعيش على القرصنة البحرية ,حيث تعبر السفائن الساحل الليبي من كل فج عميق. وعلى أعالي الموج, موج البحر والصحراء كانوا استعدوا للحصار, نياقهم عطشت, وقد حلبوا السراب, فراحوا يهتفون: يا بحر ليبيا عُد بنا يا بحر, سوف يهجرنا الحنين, ونحن نذكر حصار قرطاج الأخير, وسوف نلقن الأعداء من الإفرنج درساً في الزراعة وانبثاق الماء من حجر, سنزرع فلفلاً في خوذ جنودنا, سنزرع حنطة في كل بقعة من صحرائنا لأن القمح أكبر من حدود الامبراطورية الحمقاء أمريكا.
هل لا بد من بطل يموت لتكبر الرؤيا وتزداد النجوم نجماً على راياتنا وعلى كتف العقيد؟ هل لا بد من بطل يخرُّ على سياج النصر في أوج نشيد البوارج التي تدك الحصون؟ كم تعبنا يا ليبيا من أمواج بحرك وصحرائك, سوف نعلم الأعداء تربية الحمام إذا استطعنا أن نعلمهم. وسوف ننام بعد الظهر تحت شجر النخيل, حولنا قطط تنام على رذاذ الضوء, بقر ينام ويجتر الكلأ المستورد من قلاع طروادة التي نام حصانها على انحناء شرودها. و يصيح فيهم ذلك القادم من موج الصحراء, ذلك الملثم إبراهيم الكوني:
يا أهل ليبيا بأي شيء تدخلون أبواب الحدائق في برج بابل؟ والقبطان كان يستنطق العرافة ويحلم بثوب جديد, يا أيها البطل الذي فينا تمهل, فلكل زمان طروادته, كما لكل زمان قرطاجته. وأنتم أهلنا تعيشون مصادفة جنوب غرب طروادة جنوب شرق قرطاجة, فهل كنتم تعرفون طريقكم حتى نهايته؟ هل كانت الصحراء تكفي للضَّياع الأدميّ؟ وهل كنتم تدركون أن آدم صبَّ في رحم زوجته, على مرأى من التفاح, شهد الشهوة الأولى. وقاوم, موته, يحيا ليعبد ربه العالي, ويقول: الله أكبر.
وهل كنتم تعرفون ما سوف يحدث للصقور إذا استقرت في القصور؟ وهل كنتم تعرفون ما سوف يحدث للسنونو حين يحرقه الربيع؟ سيموت موتاكم بلا ندم على شيء. وللأحياء أن يرثوا هدوء الريح, أن يتعلموا فتح النوافذ على كل الجهات, أن يروا ما يصنع الماضي بحاضرهم. وأن يبكوا على مهل لئلا يسمع الأعداء ما فيهم من الخزف المكسَّر.
أيها الشهداء قد كنتم على حق لأن البيت أجمل من طريق البيت. هذه حكايتكم يا أهل ليبيا, وآدم, جد هجرتكم بكى ندماً وللصحراء هاجر, والأنبياء تشردوا في كل أرض, والحضارة هاجرت, والنخل هاجر, لكنهم عادوا قوافل أو رؤى أو رواية الكوني في ربيع لم ينتصر , انتظر يا أيها البطل انتظر, سوف نحنط الجرح الذي يمتص روحك بالندى, بحليب نوق لا تنام الليل, بزهرة الليمون, بالحجر المدمى, بالنشيد, نشيدنا, وبريشة سقطت من طائر الفينيق.







اخر الافلام

.. مرا?ة الصحافة الثانية 2019/2/23


.. شاهد: قمة -مزيفة- تجمع ترامب وكيم في فيتنام


.. إعادة الانتشار في الحديدة تبدأ الأحد




.. تظاهرات في السودان احتجاجاً على قرارات البشير


.. كيم جونغ اون يقوم بزيارة رسمية إلى فيتنام -في الأيام المقبلة