الحوار المتمدن - موبايل



المجتمع المدني بين التباس المفهوم والتوظيف الملغوم

محمد بلمزيان

2019 / 1 / 22
المجتمع المدني


مفهوم المجتمع المدني كأحد الحقول لاشتغال علم الإجتماع السياسي بالدرجة الأولى، ظل مفهوما عصيا على التحديد العلمي الواضح لتداخله وتشابكه من حيث الوظيفة مع أوسع الإهتمامات والقضايا الإجتماعية ، وبالتالي بقيت الضبابية تكتسح الرؤية السليمة والواضحة لمعرفة ماهيته ووظيفته الحقيقية، وكذا الغايات الإجتماعية والسياسية المرجوة منه تحديدا، ضمن سياقات اجتماعية معينة،بحسب توظيفاته العادية والطارئة، وتتعاظم هذه الضبابية أكثر في بيئتنا المحلية على الأقل لغياب معايير واضحة، يمكن الإستكانة اليها ، فضلا عن غياب الإطار العام والطبيعي لنشأته وترعرعه وهو فضاء الديمقراطية. ويؤكد عبد الله حمودي في قوله : ( يبقى مفهوم المجتمع المدني مشحونا ومحاطا بالتباسات عديدة، خاصة ف استعمالاته وتبنيه من طرف التنظيمات الحكومية والحزبية والنقابية ) (1) . وأعتقد بأن هذا الغموض والإلتباس يطرح نفسه بشكل أكبر في المجتمعات غير المهيكلة لمؤسساتها القائمة، وفق صيغ شفافة، والتي تكون غالبا منبثقة على أساس غير ديمقراطي وبعيدا عن النزاهة والإحتكام الى القواعد الديمقراطية . أو أنها لا تحترم حتى تلك القوانين الموجودة بغض النظر عن اختلالاتها وعيوبها، والتي غالبا ما يتم فرضها أيضا بكيفية ملتوية عير استعمال الوسائل المرنة لتمريرها حينا أو عبر القوة القهرية حينا آخر، وبالتالي فما أسس على باطل لا يمكن أن أن ينتج إلا مثيله ، دون أن نغفل ظاهرة الإنتخابات المطعون في صحتها والتي تكون عادة معبرا لبروز تشكيلة هجينة من ممثلي المجتمع، مستعدة للتحالف اليوم مع ألد الخصوص بالأمس، قصد ضمان تربعها على الكراسي الوثيرة ،في الوقت الذي كان من المفروض أثناء المراحل الإنتخابية أن تكون مناسبة للإختيار السليم والديمقراطي للعناصر القادرة على تمثيل المجتمع، بعيدا عن الضغط والوعود والإكراه. إذن فغياب عنصر انبثاق الإرادة الحرة لدى المواطن أثناء ممارسته لحقه الدستوري في التصويت والإختيار، وبالتالي تفويت الفرصة عن مكونات عريضة من الشعب لبسط رأيه أثناء تلك الإستحقاقات، وتوجيهها وفق مصالح أقطاب سياسية وتحالفات، غالبا ما تكون هجينة، تعمل على تحريف المسار الطبيعي لإفراز مكونات تمثيلية حقيقية، خاصة في ظل قوانين تعد وفق خريطة وتصور تتحكم في كل شيء، وتعيد إنتاج نفس التجارب والظواهر الإنتخابية، سواء كانت محليا أو جهويا أو مهنيا أو مركزيا .
وحينما تكون مؤسسة أية مؤسسة غير خاضعة للرقابة من طرف المواطنين، ولكيفية تدبير شؤونها في ارتباطها بمحيطها، وتشتغل وفق منطق يقصي وجهات النظر، لسبب بسيط، هو عجز هذه الأخيرة عن الوصول الى عرض خطابها، يجعل السير العادي للمجتمع مصابا بعطب، يعيد انتاج نفسه في كل مرة، ما دامت نفس الذهنية والثقافة السائدة تتشبث ببراديغم ضاغط لا يمكن تجاوزه بكل سهولة في غياب تصور بديل أو الأحرى السماح له بالتعبير عن نفسه، مع العلم بأنه قد يحصل أحيانا وجود نصوص قوانين تتضمن بعض الإشارات الإيجابية ، لكنها تبقى مجرد نصوص على الورق ، ما لم يتم تفعيها على أرض الواقع. لذا يبقى في اعتقادي مفهوم المجتمع المدني في ظل هذه الظروف أسير هذه الحركة الإنجذابية و الإنتباذية في نفس الآن، سواء مع السلطة أو مع الجسم السياسي بشكل عام، وقد يوظف في مثل هذه الظروف في سياقات تاريخية مختلفة، وفق مصالح وتوازن القوى، وأن هذا التوظيف قد يغلب عليه الطابع السلبي أكثر منه إيجابي، بفعل جاهزية التحالفات الهجينة على ياستقطاب أكبر شريحة من مكونات ما يسمى بالمجتمع المدني، الى صفها، لتوفرها على مقدرات كافية ماليا وبتغطية إعلامية هائلة مسنودة من السلطة غالبا، لتكوين أرضية جاهزة لترويج بضاعتها السياسية من جهة ، ولتأمين احتلالها لمراكز القرار أثناء الفترات الإنتخابية، وهنا يأتي خطورة استعمال قوة بعض الجمعيات كطابور خامس، تشتغل ضمن تحركات مرسومة لها بعناية داخل لوحة شطرنجية معروفة لمناصرة هذا الطرف ومناهضة طرف آخر . وفي المقابل يمكن أن يوظف هذا المفهوم في الإتجاه النقيض بحمولة ديمقراطية على الطرف النقيض من الطرح اليميني والإنتهازي، يتوخى من ورائه حامليه الى إرساء دعائم دولة المجتمع، وتشكيل جبهة/ لوبي للضغط من أجل استكمال شروط المواطنة، وتوفير شروط العيش الكريم، لكن قد يتداعى هذا التصنيف أحيانا ليختل وتتداخل فيه عوامل أخرى، لقلب التحالفات وفق ظرفيات تاريخية معينة،وبالتالي لا يمكن تحديد مفهوم المجتمع المدني إلا في ظل تجربة معينة بشروطها السوسيوسياسية والإقتصادية والثقافية ، وقراءته ضمن بيئة وتركيبة اجتماعية معروفة ومؤطرة في ظرفية سياسية محددة تاريخيا ، لذلك فكلما تم السعي للإقتراب من تحديد المفهوم والقبض على تلابيبه للتعرف على هويته ضمن التشكيلة الإجتماعية والسياسية، كلما تم الإبتعاد عنه أكثر، والفشلل في تلمس رسالته، والتي تبدو أحيانا غامضة حينا وملغومة حينا آخر، في ظل الظروف السياسية والإجتماعية التي ذكرناها سابقا، خاصة وأنه تشتبك في معرض محاولة تفكيك هذا المفهوم عناصر مشتركة تحايث مجال اشتغال ( المجتمع المدني) الواضح والغامض في نفس الآن، مما يجعل المرء ينتابه إحساس مشروع بالضياع أثناء البحث في ظل المتغيرات المرتبطة وموازين القوى السائدة، خاصة في ظل الغليان الإجتماعي المستمر والتفاعلات التي تولدها الأزمات والأحداث المتسارعة محليا وإقليميا، وهي أوضاع تكاد أن تكون قواسم مشتركة للعديد من البلدان في المنطقة العربية أو البلدان السائرة في طريق النمو، وهي معضلات اجتماعية واقتصادية وثقافية وبيئية، خاصة مشكل أزمة الشغل، الذي أضحى معضلة لجميع التجمعات البشرية، والتوزيع غير العادل للخيرات الطبيعية والثروات المعدنية، علاوة على تحجيم لانطلاق فرص المبادرات المدنية الجادة نحو المشاركة في إدارة المؤسسات وبناء الدولة الحديثة، مقابل تشجيع قوى النكوص والإنتهازية والبيروقراطية، لفرملة أي حركة تمدينية وعصرية والقطع مع رواسب الماضي، إضافة الى مشكلات الهجرة والإرهاب والتطرف وغيرها من الظواهر التي تعيشها اليوم مختلف المجتمعات المعاصرة، ضمن دائرة ما يسمى بدول الجنوب بما في ذلك المغرب بكل تأكيد.
ليس المراد من هذه المحاولة هو استعراض المسار التاريخي الشاق والطويل الذي قطعه مفهوم ( المجتمع المدني ) منذ بداية تبلوره جنينيا منذ الفلسفات القديمة الإغريقية واليونانية، كبوادر أولى للقطع التدريجي للإنسان مع الأرض والطبيعة ، وميله نحو الإستقرار والبحث عن الذات، وابتكار وسائل حماية نفسه من خطر العيش والإحساس باللاأمن في الغابة، ومرورا بالفلسفة والفكر الغربي عامة والأوربي خاصة، ولاحقا مع فلسفة العقد الإجتماعي كجان جاك روسو وجون لوك (2) ، ومرورا أيضا بالفلسفة الهيجلية وبعدها الفلسفة الماركسية وبعدها الإنتقادات الجذرية من هذه الأخيرة لغريمتها المثالية، وصولا الى الإجتهادات الباهرة للمفكر الإيطالي ( أنطونيو غرامشي ) الذي كتب أغلب أفكاره اللامعة في السجن (3) تحت القمع الهمجي للحكم الفاشي بإيطايا ، وهي الدراسات القيمة التي يدين لها جل المهتمين والدارسين، خاصة مقاربته ل ( المثقف العضوي ) ، ولا تستوي كتاباتهم أثناء تناول موضوع المثقف، سواء تعلق منهم بالمنتقدين او المناصرين من الإشارة الى ما راكمه من أبحاث الغزيرة، والتي انخرط من خلالها في صراع ايديولوجي حاد ضد الفاشية الإيطالية المصادرة لحق الشعب في الإرادة والتحرر، وهي المقاربة التي افتتن بها حد الإعجاب مجموعة من الدارسين والمفكرين الذين اهتموا بأبحاث هذا المفكر اليساري الإيطالي .
(يتبع )
الهوامش :
1- كتاب ( وعي المجتمع بذاته ) عبد الله حمودي
2 - ( رسالتان في الحكم ) جون لوك
3- ( دفاتر السجن ) أنطونيو غرامشي .







اخر الافلام

.. السعودية نيابة عن 78 دولة في مجلس حقوق الإنسان تدين حادث نيو


.. اعتقال الرئيس البرازيلي السابق ميشال تامر بشأن قضايا فساد


.. اعتقالات في الشيخ مسكين بدرعا إثر كتابات مناهضة لنظام أسد




.. برعاية مصرية.. اتفاقية بين لاليجا والأمم المتحدة لمواجهة الت


.. اللاجئون السوريون.. ورقة مماحكة سياسية بين القوى اللبنانية