الحوار المتمدن - موبايل



وصية كمال جنبلاط والمجتمع المدني في سوريا

علاء الدين حسو

2019 / 2 / 9
المجتمع المدني


حين أنهيت قراءة كتاب "هذه وصيتي" لكمال جنبلاط الصادر عن مؤسسة الوطن العربي في حزيران عام 1978. حاولت المقارنة- ذهنيًا- ما يجري معنا في سوريا، وما جرى في لبنان. اكتشفت أنّه تكرارٌ بالطُرق والأساليب، مع دخول عنصر جديد على الخط، هو عنصر المجتمع المدني.
خرجت من كتاب كمال جنبلاط الذي صدر بعد عام على اغتياله والحرب اللبنانية الأهلية في قمة سخونتها، بأنّه يخطئ من يعتمد على التدخل الأوربي عسكريًا وسياسيًا بمعزل عن قرار الرأسين (ترمب و بوتين). واهمٌ من يظن الدول العربية قادرة على قلب الطاولات. كل شعوب العالم تتلقى الدعم من بني قومها حين تناضل من أجل الاستقلال إلا عندنا. ولا أحد يحكم بالحقيقية وهو خاضع لتصور خاطئ. و توقفت طويلا عند رأيه " يكون المرء في فاقة وعوز، فالأصل أن يفرض الاعتراف بحقوقه لا أن يتسول" .
دفعني ذلك التوقف لأسال نفسي" كيف تفرض حقك وأنت ضعيف ؟"، فجنبلاط المتأثر بالفلسفة الهندوسية المبنية على اللاعنف يتبنى الواقعية الاشتراكية التي نلمحها في الأدب وفي الأفكار وفي التطبيق، التي ترى لا بد من التغيير والتغيير بالعنف. لذلك تجده في كتابه يقول بأنه اضطر لأن يستخدم العنف لأن الآخر استخدمه.
وهذا العنصر، أي المجتمع المدني، هو فتيّ، غضّ، ويعاتب البعض ممن ينتمون إليه، بنعهتم بعدم النضوج. مع أنهم ذاتهم، وصفوا مجتمعنا بأنه مجتمع أهلي وليس مدني، مجتمع يتحكم للبدائية، ولقوانين قبلية، وأن العنف وسيلتهم. وأن المعارضة تجاهلت تطلعات أو توصيات المجتمع المدني وفضلت العسكرة والسلاح .
هؤلاء المعاتبون، منهجهم يتمثل في التركيز على عنف المعارضة والفصائل، وتفكيكها وتركيبها وفق منظور نقدي مبني على الصراع، متجاهلين على الأقل ما فعله ويفعله النظام، بذريعة أنه واضح ولا يحتاج للغوص فيه. وهذا يشبه مطالبة إمام المسجد بالالتزام الكامل ومحاسبته على أدنى هفوة، من دون محاسبة النفس أو مطالبتها بتطبيق الحد الأدنى .
المنهج العنفي يقوم على عنصري الفكك والتركيب. التفكيك سهلٌ ولكن التركيب يحتاج إلى معرفة طبيعة البناء الذي كان قائمًا، وإلا سيتمّ التركيب – كما يحدث في الشرق الأوسط - مشوهًا أو منحرفًا أو هشًا رمليلاً قابلًا للذوابان حين تلطمه أول موجة هائجة.
يسلك هذا التفكيك طريق العنف الجسدي أو الفكري أو كلاهما معًا، وغالبًا ما يمهد بالفكري. يبرز نقاط ضعفها ويركز عليها وينقرها بفأسه بانتظام كحطاب ماهر حتى تصل لنقطة الترنح فيدفعها برجله لتهوي.
من أشكالها المادية :الحروب و الاغتيالات و المشاغبة و تحطيم المؤسسات وحرق الآليات. ومن أشكالها المعنوية: التكذيب والاتهام والتكشيك والتخوين.
المجتمع المدني هو شيء آخر، من المفترض أن يكون السكة البديلة لمن لا يرغب طريق العنف. هكذا كان في بريطانية مع ايرلندا. وفي بلاد أخرى. وهكذا كان في تركيا عند الإنقلاب الفاشل.
ومنظمات المجتمع المدني، بأشكالها المتعددة، غايتها جعل المجتمع يشارك في تقرير مصيره. فهي الجسر الموصل أو القاطع بين الشعب والسلطة. وتسعى لتأهيل الشعب لاتخاذ القرار، وتساهم في الحل السلمي، والتعاون والتكافل، وفي التربية أيضا والتعليم.
يحتاج المجتمع المدني إلى مناخ صحي حتى يأخذ دوره، وهذا المناخ لا يتوفر إلا في بئية ديمقراطية، تقبل الآخر، ولا تحتكم للحكم المسبق، وتعرف مقدراتها، وتصرف جهدها في تطبيق خبراتها في مجالها لتتكامل مع غيرها.
لهذا من المجحف أن نتهم مجتمعاتنا أنها بعيدة عن المجتمع المدني. بل تعرف أشكالًا تناسبها، تلائمها، وتغير هذا الشكل يتطلب تهئية ظروف ومناخات مناسبة. ظروفنا تختلف عن ظروف المجتمعات الغربية، طبيعة علاقاتنا مع بعضنا البعض تختلف، ولكنها بأشكالها تقوم مقام المجتمع المدني الغربي.
الجديد - والعالم أصلا جديد في هذا الطرح الجديد- إبراز دور منظمات المجتمع المدني في صناعة القرار. ولأننا لسنا محترفون بما فيه الكفاية في دور وعمل الجتمع المدني، سبب ذلك لنا خللا وليس قصورا في طبيعة هذا الدور.
ففي الحالة السورية، مع كل أسف، تحولت بعض منظمات الجتمع المدني إلى أدوات تنفيذية لمخططات دولية، وفضلت البعض منها أن تكون خيرية دعوية، و جشع البعض حولها إلى شركة تجارية استثمارية بلباس مدني.
لهذا نحتاج لمسافة زمنية، ولحقبة تاريخية، حتى تتبلور الفكرة الجديدة، وما نخشاه أن تسير كما سارات الأيديولوجيات في تطبيق نماذج لا تناسبا أصلا أو غير صالحة لتربة منطقتنا.
يقول كتاب جنبلاط في وصيته بأن "الحرب الأهلية كانت ستنفجر حتى ولم يوجد الفلسطنيون، كنا مهيأون لذلك" . وأنه من أسباب الحرب " انتشار الأفكار والأيدلوجيات الجديدة " وأنها كانت " حماقات الدنيا تختلط بالمشاعر الطيبة". ولذلك رمي التهمة في أسباب دمار سورية لجهة المعارضة المسلحة، بحجة أنها لم تكن تملك وسيلة أو مشروعًا أو فكرًا، وأنها تمسكت بالعنف دون التركيز على أن المسبب الرئيسي هو النظام ذاته، وأنه هو من دفع إلى ذلك، وعلى منظمات المجتمع المدني الوقوف موقف المحايد.
لا شك نؤمن بأن المجتمع المدني طرف ثالث، وحتى يكون ذلك الطرف المساهم في خلق التوازن واحقاق الحق، سيحتاج ذلك لتهئية مناخ وتربة وغرسة مناسبة، وحتى ذلك الحين هم أطفال تهرعون إلى من يحضنهم، يضحك عليهم بقطعة بسكوت صنعت مزجت بدماء الأطفال والشهداء والأبرياء.
09.02.2019







اخر الافلام

.. مديرة مكتب قناة الميادين في دمشق تهاجم رضا الباشا وتبرر اعتق


.. في ذكرى الثورة الأمم المتحدة تدعو الليبيين لبناء الدولة


.. المراهقة البريطانية المعروفة بعروس داعش تضع طفلاً في مخيم لل




.. حقوق الإنسان: حملة مغرضة ضد أبشر


.. مربية أجنبية وراء انسحاب ناورت من الترشح للأمم المتحدة