الحوار المتمدن - موبايل



عبود الجابري ومضات شعرية

رائد الحواري

2019 / 2 / 10
الادب والفن


عبود الجابري
ومضات شعرية
أحيانا وكثيرا، نحن بحاجة إلى صعقة شعرية لنتحرك أدبيا، العقل/النفس بحاجة إلى منشطات تبث فيها الحياة، وهذا الحاجة إلى الحياة لا يمكن أن تأتينا إلا من خلال صعقات أدبية، تعتمد على التكثيف والاختزال، لكي نثار ونتقدم من جديد إلى عالم القراءة، "عبود الجابري" من الذين يحسنون معالجة خمولنا وموتنا السريري، فهو يقدم لنا جرعات شعرية قادرة على بث الحياة فينا، ورغم أن علاجه موجع ومؤلم إلا أننا بحاجة إليه.
"يبدو أنّ احتفالاً مهيباً
يقامُ في باطن الأرض
فمنْ أرسلناهم ليحفروا البئر
لم يعدْ منهمْ أحد
حتّى أنّ أحداً
لم يفكّر
أن يقذف بالمعول إلى الأعلى
كتلويحةِ وداع
أو دعوة
لمن ينتظرون الغرق"
"الأرض خربة وخالية" لهذا هي بحاجة إلى من يُحضر/يُخرج/يجلب الماء، ومن أرسلوا ليحضروا الماء لم يعد منهم أحد، وهذا ما ابقى الأرض مستمرة في خرابها، لكن المشكلة ليست بأرض الخراب فقط، بل بأولئك الذين ذهبوا ولم يعودوا، بأولئك الذي ساهمنا في فنائهم، وهنا تقع علينا مسؤولية موتهم، قدم لنا "عبود الجابري" خطيئتنا بطريقة عجيبة، من خلال التركيز على الوداع، وهذا الوداع متعلق بنا وبمن أرسلناهم، لأن كلانا ميت، فنحن سنموت كما ماتوا هم، هم ماتوا في باطن الأرض، ونحن سنموت على وجه الأرض، سنموت بالماء الذي انتظرناه منهم، الماء القادم هو طوفان، لا يبقي ولا يذر، ولكن ما علاقة كل هذا بالاحتفال المهيب؟، وهل هو احتفال بالموت/بالفناء الجماعي؟، هل هي طقوس غياب الإله تموز بصورة عصرية؟.
"أغبياء
أولئكَ الّذين يرسلونَ استغاثةً
من قلب الطّوفان
إنّهم يضيعون
فرصةَ أن يموتوا مبتلّين ،
فرحين ،
لأنّ الأحياءَ من بعدهم
سيترنّمون
بشتْمِ سفنِ العالم الهزيلة"
صورة أخرى يقدمها لنا "عبود الجابري" صورتنا نحن الذين على الأرض، الذين نغرق بالطوفان، ظانين أن هناك من سيأتي لمساعدتنا، فالأجدر بنا أن نتقبل موتنا بطريقة (شجاعة)، نتقبله وفينا شيء من الحياة "مبتلين" فهو أفضل على ان نموت ونحن بلا أية مؤشرات على الخير/الحياة، تدل على اننا كنا أحياء.
المفلت للنظر أن الشاعر استخدم الطوفان في الومضتين، وكأن سفر التكوين كان حاضرا عندما كتبهما، وهذا يشير إلى حالة السواد التي يعيشها الشاعر، فعقله الباطن استحضر حالة الخراب من العهد القديم وقدمها بهذا الشكل المدهش، لهذا تجده يعيش حالة الطوفان بكل ما فيها.
"صلاةٌ بحجمِ قلبٍ صغير
ستعرفُ طريقها إلى اللّه حتماً
وتنبضُ بينٍ يديه
مثل رسالةٍ ناقصة
يكتبها عاشقٌ خائف"
الجميل في هذه الومضة أن الشاعر جعل "الصلاة" نقية وصافية، وجعل طريقها إلى الله أيضا سهلة ويسيرة، والأجمل انها صلاة غير كاملة، والنقص الذي فيها يزيدها جمالا، فكيف ستطاع "عبود الجابري" أن يمنح النقص كمالا وجمالا؟، أليس هذا ذروة الدهشة؟، وإذا ما توقفنا عند هدف والغاية من الصلاة يمكننا القول أن الشاعر أبدع في تقديم هذا الهدف وهذه الغاية، فالاختزال والشكل السهل والممتع كلها تتصف بها الصلاة (الكاملة) الصلاة على أصولها، الصلاة عندما تكون على حقيقتها شكلا ومضمونا.
"أيدًها شمعدانٌ حزين
يغرفُ العتمة من روحي
كمن يحاول
أن يحفر بئراً من الضوء"
قنا في موضع غير هذا أن المرأة هي ملاذنا وقت الشدائد والصعاب، "وعبود الجابري" من الذين يؤكدون هذا الأمر فجعل من يديها فقط يخلصانه من عتمة الروح، ورغم حجم الألم الذي هو فيه إلا أن "الشمعدان، روحي، بئرا، الضوء" يخفف من حدة "العتمة" التي يعيشها الشاعر.







اخر الافلام

.. تعلم اللغة الصينية لن يكون صعبا على الطلاب السعوديين


.. الموسيقى تدخل إلى حياة أطفال مدارس تعز


.. أبرز الأفلام من السودان عرضت في -برلين-




.. شاهد.. سيارات من فيلم -ماد ماكس- تفاجئ سكان إركوتسك السيبيري


.. استعدادات للدورة الـ 44 من حفل توزيع جوائز سيزار للسينما الف