الحوار المتمدن - موبايل



تاجر موغادور: الفصل الخامس 3

دلور ميقري

2019 / 2 / 10
الادب والفن


أيام خمسة، مضت على إيداع التاجر ومرافقه في تلك الخيمة. وكان الواحد منهما لا يريم مكانه إلا من أجل قضاء حاجته، خارجاً في الخلاء. على الرغم مما أحيط به من مظاهر العناية، فقد شعر " جانكو " بالضيق الشديد في محبسه؛ حال طائر في قفص أنيق. وكان مرافقه أشبه حقاً بطائر محدد، وهوَ الببغاء، على ما اتصف به من ميل إلى الثرثرة. إلى أن فقد التاجرُ صبره أخيراً، حينَ شاءَ " بوعزة " مرةً التفلسف بشأن سبب غياب ذلك البربريّ كل هذه المدة: " أراهن على أنه ينام طوال النهار، بعد بذله خلال الليل مجهوداً خارقاً في إرضاء المرأة الفرنسية! "
" ألزم حدودك، يا هذا، ودع عنك اللغو الفارغ "، صاح به مغضباً. ذعر الببغاء من ردة فعل الآخر، فانكفأ على الأثر ملتزماً الصمت. عندئذٍ طفقَ " جانكو " يراقبه بطريقة مواربة، محاولاً القراءة في ملامحه ما لو كان قد أحال غضبته إلى شعور الغيرة: بلى، كان ذلك بالضبط ما شعر به، حينَ لامسَ الرجلُ الأخرق شغافَ قلبه، بالحديث عن احتمال خضوع " رومي " لنزوات مَن اختطفها.
من ناحيته، ما عاد " بوعزة " يأتي ثانيةً على ذكر المرأة المعنية، مكتفياً على الأرجح بتخيل رجلها يُسدد له باقي أتعاب المهمة. وهذا هوَ، في صبيحة اليوم الخامس، يؤوب من الخارج وعلى سحنته هذه المرة علامات البشر: " الحارس، أنبأني الآنَ بأنّ التيناوي كان قد عاد مبكراً إلى المعسكر وأنه اتجه من فوره إلى خيمة شقيقه "، قال لرفيق المغامرة. وبالفعل، ما كادت تحل ساعة تقديم الفطور إلا والحارسُ يظهر ليخاطب " صاحبَ الرسالة " بصيغة احترام، طالباً منه أن يرافقه لوحده.
" استحال عليّ، للوهلة الأولى، أن أصدق خبرَ تشريفي بزيارتك "، هتفَ باحتفاء الرجلُ المكتسي بعدُ بهيئة المسافر. وكان الغبار ما ينفك عالقاً بملابس " التيناوي "، فيما آثار الإرهاق تلوحُ على ملامحه الحادة. قبل أن ينهي الزائرُ المفترض تفحّصَ سحنة المضيف، وذلك على ضوء كلامه، كان هذا الأخير يردف متسائلاً: " ولكن أين هيَ الرسالة، التي قيل أنك تحملها إليّ؟ "
" أرجو ألا يسوؤك القول، بأنني اضطررت لاختلاق قصة الرسالة كيلا أصرّح بالسبب الحق لحضوري إليك؟ "، ردّ عليه في غير قليل من الحرَج. لم يكن على خشيةٍ من ردة فعل البربريّ، وإنما كان خجلاً نتيجة استعانته بالكذب؛ وهوَ الرجل الحر، الشريف النفس. على ذلك، أدهشه إطلاق المضيف ضحكة عالية بينما يشير إليه بالجلوس إلى جانبه: " تفضل، يا صاحبي، كي تفطر معي. لدينا متسع من الوقت، للحديث في سر حضورك "، قالها ثم رفع يده بإشارة للحارس. فما لبث السماط، الممتد بين الرجلين، أن ذخر بأصناف الزيتون والجبن والمربى مع كمية وافرة من البيض المسلوق. أثناء تناول الطعام، لحظ " جانكو " بمزيد من الدهشة خلوَ ملامح مضيفه من نوازع القلق والاضطراب: المعسكر، كان تحت التهديد بالاجتياح في أيّ ساعة، وذلك بالنظر لوقوعه بين فكّي باشا المدينة وقبائل الريف العربية.
بعد الفراغ من تناول الفطور، أوضحَ " التيناوي " رداً على تلك الفكرة: " توصلنا لاتفاق مع ممثلي المخزن، وفي التالي، من الممكن أن يعم السلام لفترة طويلة في هذه المنطقة، المعروفة بكثرة قلاقلها واضطراباتها ". هذه المعلومة، ضافرت من دهشة الضيف عوضاً عن إزالة سببها. إذ كان معتاداً على مقارنة أيّ حالة مماثلة، وطريقة الدولة في معالجتها، بناءً على مقارنتها مع ما يعرفه عن الطرف الآخر من الخلافة الإسلامية؛ أي الباب العالي. ولكنه استعاد في ذهنه معلومات صديقه الرابي، بشأن علاقة المخزن مع القبائل، سواء الموالية أو السائبة، والمتسمة بالتعقيد الشديد.
أما الآنَ، وهوَ في حضرة شقيق قائد إحدى أكبر القبائل الموالية، فإنه كان مشغول الفكر بقضيةٍ تجشمَ المخاطر كي يصل لصاحب الربط والحل فيها؛ قضية اختطاف المرأة الفرنسية، والتي تكتّم عليها حتى بمواجهة ذلك القائد. شاعراً بمزيد من الاطمئنان، قرّب قدحَ الشاي المنعنع من شفتيه ليسأل مضيفه بلهجة غير مكترثة: " بهذه الحالة، أظن أن احتجاز المرأة تلك، زوجة القبطان الإنكليزيّ، لم يبقَ له داعٍ؟ "
" أبقيتها رهينة، لضمان أمننا أثناء المفاوضات مع المخزن "، أجاب البربريّ ببساطة. بدا كأن " جانكو " لم يستوعب ما سمعه، فعاد يسأل: " أتعني، أنك ستطلق أخيراً سراحها؟ ". رد الآخرُ بضحكة مقتضبة، بينما راحت عيناه تجوسان في ملامح محدّثه. ثم ما عتمَ أن تمتم وهوَ يهز رأسه: " آه، كأني بك قد حضرت لتقابلني من أجل قضيتها؟ ". تحت وطأة النظرة الملية، طأطأ تاجرنا رأسه وتشاغل بنفخ قدح الشاي الساخن: " نعم، حضرتُ لهذا السبب تحديداً ". ثم استطرد متسائلاً، وكما لو أنه تذكّر أمراً آخر: " هل جاء أحدهم بخبر ما، يتعلق بالقضية؟ "
" لا، لم يأتِ أحد ممن قابلتهم على ذكرها "
" عنيتُ الفرنسيين، ممثلين بنائب قنصلهم؟ "
" لم يكن لي شأن معه أو مع غيره "، عاد البربريّ ليؤكد وقد بدا عليه شيء من الحيرة. عند ذلك، أوضح التاجر أنه أتى إلى المعسكر سراً وبالاتفاق مع القبطان الإنكليزيّ. أخلد بعدئذٍ المضيف إلى الصمت، تاركاً المجال لأصوات طنين الهوام داخل الخيمة وحفيف الأشجار خارجها. على حين فجأة، وفيما كان التاجرُ مستسلماً لأفكاره، إذا بسمعه يتلقى اسم جارية الدار، المقرون باسم رفيق المغامرة. رفع رأسه إلى البربريّ، مستفهماً: " ميرا..؟ "
" تلك الفتاة اليتيمة، ربيبة المدعو بوعزة "
" آه، هذا هوَ اسمها إذن؟ "
" نعم، ولا يدهشني عدم اهتمامك بمعرفة شيء عنها، طالما أن امرأة أخرى ملكت عليك تفكيرك! "، قالها البربريّ مبتسماً وهوَ ينظر عن قرب بعينيّ ضيفه. هذا الأخير، أضحى من العسير عليه فهم ما يبتغيه الرجل من وراء سؤاله الأول مع اندفاعه غير المتروي في الكلام عن الأسيرة. إلا أنه شاء رد الهجمة بالمداعبة، قائلاً وهوَ يتكلّف الابتسام: " أحترس، يا صاحبي، من النيل من أعراض المحصنّات. الفرنسية، مثلما فهمتُ، ملتزمة بدين جدّها المسلم "
" بحَسَب ما فهمتُ بدَوري، فالفتاة المسلمة أضحت جارية بينما تلك النصرانية انقلبت إلى مسلمة "، ردّ البربريّ مستخدماً نبرته الساخرة. ثم أردف يقول، بشيء من التصميم: " سأمنحك فرصة الظهور في مظهر المنقذ، وذلك بتسليمك الرهينة كي تعود معها إلى دارها. ولكنني أريدك أن تعدني، بحمل صديقك اليهودي على التخلي عن ميرا ". بوغت التاجر الغريب بالطلب، وكان هذا آخر شيء يتوقعه. لقد أفرط في تقدير طيبة البربريّ، بما لقاه من حفاوة وكرم، ثم ها هوَ يصدمه على الأثر.
" يلوحُ أنّ عليّ المكوث مطولاً في هذا البلد، قبل أن يتأتى لي فهم سلوكيات أهله "، فكّر وقد نما في نفسه النفورُ تجاه الرجل.







اخر الافلام

.. تعلم اللغة الصينية لن يكون صعبا على الطلاب السعوديين


.. الموسيقى تدخل إلى حياة أطفال مدارس تعز


.. أبرز الأفلام من السودان عرضت في -برلين-




.. شاهد.. سيارات من فيلم -ماد ماكس- تفاجئ سكان إركوتسك السيبيري


.. استعدادات للدورة الـ 44 من حفل توزيع جوائز سيزار للسينما الف