الحوار المتمدن - موبايل



إشكالية التوزيع العادل للأمن داخل الدولة.

أحمد عبد الفتاح

2019 / 2 / 10
مواضيع وابحاث سياسية



الشعور بالأمن، شئ لا غنا عنه داخل أي جماعة إجتماعية، فمن منا لا يريد الشعور بالأمن داخل المجتمع الذي هو جزء منه، يحتمي به وفيه، وعند الحديث عن الخدمة الأمنية، بوصفها سلعة حالها حال كل شئ داخل النظام الرأسمالي. نجد أنفسنا أمام العديد من الظواهر، التي تفرض بالضرورة العديد من الأسئله والتأملات، لنجد لها تفسيرا.
من هذة الأسئلة مثلا:
لماذا يقل او ينعدم الأمن في المناطق الفقيرة العشوائية منها والشعبية والمهجورة؟ ولماذا يظهر فاجأة عندما يحتد الصراع؟ ولماذا الفقراء لا ينظر في مظلمياتهم؟

من الممكن الاجابة علي هذه الأسئلة بسؤال آخر: من هي الأجهزة المنوط بها الحماية داخل الدولة؟ وحماية من وفي يد من ؟ إنها في يد الدولة ! وما هي الدولة وما هي إيديولوجيتها ومن إين وجدت ومن انشئها؟

يقول إنجلز في مؤلفه اصل العائلة والملكية الخاصة والدولة الأتي: إن الدولة ليست بحال قوة مفروضة علي المجتمع من خارجه.
والدولة ليست كذلك واقع الفكرة الأخلاقية، صورة وواقع العقل كما يدعي هيغل. الدولة هي نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطورة؛ الدولة هي إفصاح عن واقع أن هذا المجتمع قد وقع في تناقض مع ذاتها لا يمكن حله، عن واقع أن هذا المجتمع قد انقسم إلي متضادات مستعصية هو عاجز عن الخلاص منها. ولكي تقوم هذه المتضادات، هذه الطبقات ذات المصالح الاقتصادية المتنافرة، بالتهام بعضها بعضا والمجتمع في نضال عقيم، لهذا اقتضي الأمر قوة تقف في الظاهر فوق المجتمع، قوة تلطف الاصطدام وتبقيه ضمن حدود النظام. إن هذه القوة المنبثقة عن المجتمع والتي تضع نفسها، مع ذلك، فوقه وتنفصل عنه أكثر فأكثر هي الدولة.

إذن لما كانت الدولة رأسمالية، فإن اجهزة ووسائل الحماية الخاصة بها، هي وسائل حماية الرأسمالية، وطبقاتها البرجوازية، وايديولوجيتها الليبرالية، لأن هذا هو الدور التاريخي المحدد لها من البداية، وذلك هي الواجبات التي تمليها عليها الواقع الموضوعي.

ولما كانت المناطق الشعبية لا يوجد بها بطبيعة الحال طبقة برجوازية، ولما كان طبيعيا إنفصال المناطق الشعبية عن الأحياء الراقية تجنبا لاحتدام الصراع الطبقي، فهم لا يريدون أن تكتشف الطبقات الشعبية جنتهم المفقودة أو "المسلوبة"، ولان البرجوازية تخاف علي نفسها، كان من غير الضروري موضوعيا وجود أمن بتلك المناطق.

فهو من ناحية:
ليس هناك داعيا لتدخل الاجهزة الأمنية التي اوجدتها البرجوازية لحماية نفسها، في مناطق هي لا توجد بها، وإهمال تلك المناطق ايضا يساعد علي تمركز أكثر فأكثر الحماية، حيثما يتمركز الرأسمال. ومن ناحية أخري أشغال الطبقات الشعبية بالصراع مع بعضها البعض عن الصراع مع أعدائها الحقيقيين؛ فإن المهام المنوط بها لهذة الأجهزة حماية البرجوازية، التي اوجدتها وتنفق عليها من ناحية، ومن ناحية أخري حماية أملاك هذة الطبقة. أي حماية رأس المال في شكل إستثمارات كان أو مدخرات. وهذا يفسر عدم وجود الأمن في المناطق التي لا يوجد بها رأس المال، فعندما يغيب الشروط الموضوعية التي أوجدت الشئ يختفي.

ولكن عندما يشتد الصراع داخل هذة المناطق المهمشة، الي درجة تدرك فيها الطبقة البرجوازية، أنها وصلت الي حد الذي ممكن إن يمثل خطرا عليها، من جانبين في غاية الأهمية.

الأول: هي تريد ان تحفظ الصراع، داخل هذه المناطق، عند نقطة محدده مسبقا. لأنه إذا خرج عن هذة النقطة ربما تفقض سيطرتها عليها. بالطريقة التي تصبح معها المناطق الراقية المجاورة لها، مهدده وفي خطر. فسرعان ما تشير إلي وسائل الحماية الخاصة بها، لتتدخل لتخمد هذا الصراع. ولمزيد من رفاهية الأمن لأصحاب رؤوس الأموال نجد ظاهرة اصبحت منتشرة الي حد كبير وهي مجتمع الكومباوند، فهم لم يعد يكفيهم ما يحصلون عليه من خدمات أمنية، مقدمة لهم من الدولة، ولم يعد يسعهم المدينه الواحده المقسمة إلي احياء متجاورة علي أساس طبقي، بل يريدون أن يقيموا الكثير والكثير من الأسوار والحواجز الطبقية تفصلهم عن ما يخافون منه، وتحفظ ما يمتلكونه، لذالك كان ما كان. ولكنها لا تكتفي بذلك بل وربما تجد قيمة كبيرة اصبحت تتمتع بها تلك المناطق "الشعبية" بحيث أن إستثمارها أصبح يدر عائدا مجديا، فسرعان ما تجرد ما بها من سكان مقابل توفير لهم مكانا أخر أو حتي بدون مقابل في بعض الأحوال.

أما الجانب الأخر: إن هذه الطبقات الشعبية، بالنسبة للرأسمالية، تمثل البروليتاريا التي يقيم عليها عمليه الإنتاج الإجتماعي، لذلك هي تريد أن تحفظهم، عند درجة معينه من التطور، بالقدر الذي لا ينحدرون به لمرتبه الاقنان في النظام الاقطاعي، حتي يتثني لهم القدرة علي التعامل مع الآله الحديثة من جانب، ومن جانب أخر حتي يضمنون إنتاج وإعادة إنتاج البروليتاريا حتي يستأصلوا منها قوة عملها.

ويقول إنجلز بهذا الصدد : تتقوي السلطة العامة بمقدار ما تتفاقم التناقضات الطبقية في داخل الدولة وبمقدار ما تزداد الدولة المتلاصقة مساحة وسكانا.

والأن يكون قد أتضح اتم الوضوع، لماذا لا يتم توزيع الأمن بشكل عادل في مجتمع قائم علي السلعة، فإن انسان تلك المناطق بوصفة سلعة غير غالية الثمن، لا خوف عليه أو بمعني أخر لا يجب أن نخاف علي السلع قليلة التكلفة، فإن إعادة إنتاج تلك السلعة تكون ارخص بكثير من تكاليف حمايتها، إن الإنسان في المجتمع الرأسمالي لا يكفي تعريفة بوصفة إنسان وفقط، بل يجب إن توضع بجانبة ما يمتلكة من ملكية خاصة، لكي يتضح أتم الوضوح في المجتمع الذي يعيش فيه.

فإن التوزيع الغير عادل للأمن، هو النتيجة الحتمية للتوزيع الغير عادل للثروات.







اخر الافلام

.. مرآة الصحافة الاولى 19/2/2019


.. 15 قتيلا في انفجار سيارتين مفخختين بمدينة إدلب


.. -ستخسرون كل شيء-: دونالد ترامب يحث الجيش الفنزويلي على ترك م




.. شاهد: إنقاذ قط في بودابست من حفرة بعمق 10 أمتار


.. الجيش الهندي: الاستخبارات الباكستانية متورطة في تفجير كشمير