الحوار المتمدن - موبايل



فصل من رواية - دولاب مريم -

فهمي عبد السلام

2019 / 2 / 11
الادب والفن


في هذا الصباح فتحت ريش أبوابها كالعادة في السادسة صباحا، وبدأ العمل اليومي وقد شمر جبريل رئيس الجرسونات ومساعديه فلفل النوبي وأحمد الصعيدى وماسح الأحذية عن سراويلهم البلدية وراحوا يمسحون البلاط في أرضية المقهى بالمقشات وبالماء والصابون في همة ونشاط، لقد رفعوا المقاعد الحديدية الجميلة فوق الموائد الرخامية، واستمرت عملية النظافة ورص الموائد وتنظيفها لمدة ساعة نقريبا، وصاحب المقهى يراقب خلالها ما يحدث في صمت وهدوء وهو جالس على مقعده خلف الكيس بالقرب من باب المقهى العتيد.
في السابعة صباحا كان جبريل قد إنتهى من التنظيف وقد ارتدى القفطان المملوكي الأزرق الموشى بالقصب المذهب، وارتدى الجرسون الصعيدي أحمد ذو النظرة الخبيثة والسحنة الداكنة والذي يعمل مخبراً قفطاناً أزرق اللون موشى بالقصب أما فلفل وهو المسئول عن المطعم والبار في الداخل فقد ارتدى قميصا أبيض وبنطلون أسود، وربط ياقته ببابيون أسود. زبائن الصباح في المقهى معروفون، لقد بدا توافدهم على المقهى من السابعة صباحا، كان الأستاذ على عباس مدير الإنتاج الشهير القديم والذي اعتزل العمل منذ سنوات طويلة أول الزبائن فجلس على المائدة الأولى، إنه رجل تجاوز الخامسة والستين أنيق وله صلعة لطيفة وشعر رمادي ناعم، كان الأستاذ على عباس يعمل سكرتيراً ومديراً لأعمال المطرب العاطفي الشهيرف. ن، ولديه حكايات مسلية عن المطرب العاطفي الذي كان يعاني من "سرعة القذف"، وعن المخرج الكبير الذي طلب منه أن يحضر مائة حدأة لتصوير مشهد في فيلم الناصر صلاح الدين ..
لقد جلس الأستاذ على عباس يرتشف القهوة على مهلٍ بتلذذ، من المعروف عنه في المقهى هو عداءه الشديد للناصريين والشيوعيين. ويتلصص على الزبائن لكي يرى من من زبائن المقهى يحمل جريدتي الأهالي أو العربي الناصري، فإذا ما وجد ضالته، سيتحرش به، وسيرميهم بالتنبيط والتلميح والتلقيح، ويتظاهر بأن يتكلم مع الجرسونات ويتحدث بصوت عال منددا ومهاجما " الذي خربها" وصاحب" .... لا تتنحى"، أما الشيوعيون معروفون "فهم ينامون مع أمهاتهم ويمسحون مؤخراتهم بزلطة"، ويدخل الأستاذ علي عباس مع البعض في اشتباكات حادة تفضي إلى مشاجرات، فهو يكره الناصرية كما نكره العمى، ويمقت كل من له علاقة باليسار من قريب أو من بعيد، لماذا؟ لمجموعة من الأسباب، منها بالطبع طبيعة مهنته الفنية، فأهل الفن طبقيون بالسليقة، ويمينيون بالفطرة، ورأسماليون بحكم العمل، و يسكن الأستاذ على عباس في جاردن سيتي، ويعيش فيها مع ابنه وحدهما. أما أهم اسباب كراهيته لناصر، أنه فقد إبنه الأكبر عماد الذي كان طياراً واستشهد في حرب يونيو67، وكانت ضربة قاصمة زلزلت كيان الأستاذ على عباس واكتملت المأساة بالإبن الوحيد المتبقى، فقد أنضم للجماعات الإسلامية و بدأ يحاكم والده ويتطاول عليه ويتهمه بالكفر فالفن حرام والسينما دعارة، لتلك الأسباب من يرى الأستاذ على عباس حينما يغضب، وهو كثيرا ما يغضب، سيراه عصبيا وموتورا.
يأتي الأستاذ على عباس صباحاً إلى مقهى ريش، إذا رزقه الله بزبون ناصري أو يساري، وسيعرفه من الجرائد التي يحملها، سيتحرش به وسيدخلان في نقاشات ساخنة أقرب المشادة عنها مناقشة ثقافية وسياسية، وسيتدخل الجرسونات قبل أن تتطور إلى مشاجرة بالأيدي، إذا لم يجد الأستاذ على عباس من يناجزه سياسيا، سيجلس يقرأ الجريدة، ويسلى نفسه بالثرثرة مع جبريل أو أحمد، او زبون جديد مجهول الهوية، وينصرف الأستاذ على إلى منزله في حدود الحادية عشرة، هذا الروتين يومي فيما عدا يوم الخميس يغيب فيها عن المقهى، ويزعمون أن لديه عشيقة يقضى معها يوم الخميس، في " شيخونيرته" ....
وبعده بخمسة صفوف من الموائد في عمق الممر المطل على طلعت حرب، جلس زبون صباحي آخر، وأطلقوا عليه لقب" رئيس التحرير"، إنه رجل خمسيني غريب الأطوار، فهو يجلس وحده، ولا يتبادل حواراً مع احد، لا زبائن ولا جرسونات، فهو صامت أبدي وتبدو عليه علامات الرصانة والأهمية، يحتسي القهوة وهو يمارس هواية عجيبة، فهو يأتى إلى المقهى وقد حمل معه جرائد الصباح كلها، ويفتح صفحة ويمر على مقال او موضوع وقد قطب حاجبيه في اهمية، وأمسك بقلم في يده، ويوقع في الجريدة على المقال بالقلم في أبهة وفخامة، وبعدها يتناول المقال التالي ثم يلقى عليه بنظرة سريعة ثم توقيع ، والثالث والرابع... إلخ، حتى ينتهي من التوقيع على مقالات ومواضيع الجريدة كلها، فيركن الجريدة الاولى.. ثم يبدأ في الثانية، يلف على الموضوع بعينه ثم يمهره بتوقيعه في أهمية وأبهة، ثم الموضوع الثاني وهكذا... ويستمر حتي ينتهى من التوقيع على محتويات الجرائد كلها، يلم بعدها أقلامه وجرائده ويدفع حسابه وينصرف ليعود في صباح اليوم التالي.
وسرعان ما أقبل واحد من علامات ريش الصباحية، إنه أول الزبائن في أغلب الأيام لكنه تأخر اليوم قليلا، إنه المخرج السينمائي عزت فتحي،.. في السادسة والأربعين من عمره، رشيق القوام أقرب إلى قصر القامة، لقد تانق كعادته وارتدى ثياباً غالية بها مسحة سوقية، له وجه لطيف بشكل عام، ويضع نظارة أنيقة لها عدسات سوداء على عينيه، إنها نظارة طبية لكنها تبدو كأنها شمسية.
جلس على عباس الكاره للناصرية مع المخرج عزت فتحي الذي يكن احتراماً كبيراً للأستاذ على عباس الذي عمل مع عمالقة السينما في الستينيات والخمسينيات، وراحا يتذاكرا نوادر أهل السينما، عندما تزوجت النجمة الكبيرة على غير رغبة والدها وكيف كلفه على عباس بأن يحصى أعداداً كبيرة من الكومبارس ليشغله عن هروب النجمة وفرارها مع المخرج الذي يكبرها بخمسة عشر عاماً، وبينما كان الأب مشغول بالإحصاء، كان المخرج الكبير قد خطف النجمة وإلى المأذون
كان يغير عليها
لا.. أبوها لم يكن يريد لها الزواج فهى الدجاجة التي تبيض له بيضة ذهبية كل صباح، إذا تزوجت من المخرج ستخرج عن طاعته، سيعود مجرد مدرس إلزامي كما كان..
وما فعلته مع زوجها نفسه بعدها...
معلوم ... معلوم..
هكذا جرت الثرثرة بين السينمائي القديم والسينمائي الجديد، والحقيقة أن المخرج عزت فتحي برغم ادبه الجم، وحبه العميق لأستاذه، لكنه كان ينظر إلى ساعته باستمرار، فهو في انتظار أن تأتي الساعة الثامنة والنصف على أحر من الجمر.
مأساة المخرج عزت فتحي الطيب القلب المحب للناس أنه أدمن الخمر منذ ثلاثة أعوام تقريباً، منذ ثلاث سنوات وهو يدفن أحزانه العميقة في الخمر،قبلها بعام واحد، أي أنه منذ أربعة سنوات كان عزت يعتبر من أسعد الناس، ونجم من نجوم مهنة السينما، يكسب كثيراً ويحظى بحب وتقدير كبار المخرجين والنتجين، سعيداً بنفسه وبعمله، لقد بدأ العمل في المجال السينمائي منذ صباه، وبدأ من الصفر، وصعد طريق شاق حتى أصبح أحسن مساعد أول للإخراج السينمائي في مصر كلها، وينال أعلى أجر في مساعدين الإخراج، لدرجة أن كبار المخرجين كانوا يسعون لكي يعمل معهم، والطبيعي أن يرتقى ويتولى الإخراج كما يحدث، لكنها كانت خطوة مشئومة في حياته، فقد أخرج أول وآخر أفلامه، واسمه على اسم حى شعبي، وفشل الفيلم فشلاً ذريعاَ، فشل تجاريا- وهو ملئ بالتوابل التجارية كما يؤكدون- فلم يحقق إيرادات لدرجة أن المنتج اضطر لرفعه من السينما بعد ثلاثة أيام، وأصبحت حكاية عزت المساعد الأول الشهير من النوادر التي يتندر بها السينمائيين، كأحسن مساعد وأفشل مخرج، وبعدها توقف عزت عن العمل تماماً، فلم يكمل مسيرة الإخراج، فلم يفلح في أن يجد منتجا يغامر بنقوده مع مخرج فاشل، وفي الوقت نفسه حاول أن يعود للعمل كمساعد كما كان، ففشل في أن يجد مخرجا يرشحه للعمل معه كمساعد اول، فقد اعتبره المخرجون جميعا مخرجا منافساً لهم، فراح يدفن في الشراب أحزان البطالة والفشل ، وبمرور الوقت والفراغ الطويل سقط عزت في وهدة الإدمان.
لقد استيقظ عزت اليوم في الرابعة فجراً كما اعتاد أن يستيقظ،و كعادته كان متعطشاً للشراب، فهو لا يعتدل مزاجه- شأن المدمنين – إلا بعد أن يحتسي كأسين، قبلها يظل عصبي المزاج ضيق الخلق، فيظل صامتا في ضيق وتوتر لا يريد أن يتكلم ، وإذا تكلم فلا يتكلم إلا بإجابات وكلمات مقتضبة غاضبة، لقد استيقظ اليوم في الرابعة فجراً، لو كان الأمر بيده لإحتسى على الفور كأسين ليهدئ من روعه، لكن زوجته حرمت عليه أن يدخل بيتها قطرة " منكر"، ، فزوجته التي تعمل رئيسة تمريض في مستشفي كبير في غرفة العمليات مع كبار الجراحين، وتتمتع بشخصية جبارة، حرمت عليه أن يدخل بيتها قطرة " منكر"، وهو حر يشرب كما شاء ولكن بشرطين ، أولهما أن لا يسكر- وهو المتعطل عن العمل- على حسابها، فأولادهما أولى ، الشرط الثاني أن يشرب خارج المنزل لكي لا يعطي البنات قدوة سيئة لأبيهم، والحقيقة أن عزت كان يذعن لتعليماتها، ويطيعها طاعة عمياء، لا سيما أنها من تنفق عليه وعلى المنزل، لذلك كان عبد الرحمن يظل كل ليلة يتلوى في الشقة هنا وهناك حتى السادسة صباحاً، ليبدأ طقوس الصباح، فيستحم ويحلق ذقنه في عناية فائقة ويضع البارفانت ويتعطر ويتأنق وينزل على سنجة عشرة- كأهل مهنته- ليصل إلى ريش في حدود السابعة والربع تقريباً.
من المعروف أن البارات والمقاهي لا تقدم الخمور قبل الحادية عشرة صباحاً، اما جبريل جرسون ريش العتيد، بالاتفاق والتواطئ مع صاحب المقهى، يسمح لعدد محدود، مجموعة من الزبائن المدمنين، يأتون مبكراً، يحتسون القهوة والشاي حتى الساعة الثامنة والنصف، ساعتها تنقل جماعة البراندي جلستها من الممر إلى داخل المقهى، ويجلسون في العادة على المائدة رقم2 المطلة على الممر ومنها تستطيع أن ترى الآير فرانس ومكتبة" دار الكتاب العراقي "، وهناك يقدم لهم جبريل كئوس البراندي، لكن داخل فناجين الشاي الخزفية، فيحتسون البراندي وكأنهم يحتسون الشاي قبل المواعيد الرسمية، لماذا يغامر صاحب المقهى ولماذا يغامر جبريل، من أجل المكاسب بالطبع فأرباح الخمر وبقشيشها أكبر بكثير من أرباح الشاي والقهوة.
الحقيقة أن مجموعة البراندي الصباحية يجمعهم أنهم - بشكل ما- من أهل الفن ، فلا يوجد منهم موظفا حكومياً أو طبيباً أو مدرساً إلى آخر تلك المهن التقليدية المألوفة، وهم أربعة افراد، على رأسهم المخرج عزت فتحى،والثاني هو وسيم عبد الغفار، فهو يأتي في الصباح كل يوم في حدود السابعة صباحا، ويقف به التاكسي الذي يقله من الزمالك حيث يسكن، فينزل وإما ان يجدهم مازالوا في مرحلة التنظيف فيفسحون له ركنا ويستأنفون عملهم. إما أن اول الزبائن، أو يجد صديقه الحميم المخرج عزت فتحي، ويعتبر وسيم بك عبد الغفار عضواً مؤسساً من اعضاء جماعة البراندي الصباحية. وهو رجل في الخمسين من عمره، ضئيل الحجم قصير القامة وله هيئة شاردة. ويعرف الجميع أنه مهزوز نفسياً، وسبق له دخول المصحة وقضى بها سنوات، في واقعة يعرفها معظام رواد ريش في القترة الصباحية. فهو من أسرة أرستقراطية صادرت الثورة منهم أراضيهم في قرارات الإصلاح الزراعي ووزعتها على الفلاحين، كان من الطبيعي أن تكن الأسرة كراهية عميقة لعبد الناصر ونظامه، وأذعنت الأسرة كما أذعن غيرهم، وعاشوا حياة الموسرين، ولم يغفروا لناصر مصادرته لأملاكهم، ومرت الأيام، وحصل وسيم على بكالريوس الصيدلة لكي يرضي أباه، وبعدها حصل على إجازة الطيران المدني، وعمل طياراً كما يحب أن يعمل، ودارت الأيام وتم تكليفه بقيادة طائرة عبد الناصر الخاصة،. ولا احد يعلم ما الذي جعل وسيم تواتيه تلك الفكرة الجنونية، فكرة أن يخيف ناصر وأن يلعب بأعصابه، وأن يلقى بالرعب في قلبه كما يلقى بالرعب في قلوب المصريين، وذات مرة قرر أن ينفذ فكرته الحمقاء، وأقلعت الطائرة الرئاسية في رحلة ما وعلى متنها ناصر، فأعلن الكابتن" وسيم أن الطائرة لن تستطيع الهبوط لعطل فني دقيق في المحركات، وقامت الدنيا ولم تقعد بعد معرفة الخبر في المطار، وأُعلنت حالة الطوارئ القصوى في البلاد وفي المطار، وجاءت سيارات المطافئ والإسعاف والدفاع المدني.... إلى آخره. وبعد أن لف" وسيم " بالطائرة نصف ساعة أعلن أن الطائرة جاهزة للهبوط لأن العطل تم اصلاحه، وهبطت الطائرة بسلام، وبالطبع تم الكشف على الطائرة، واكتشفوا ان الطيار وسيم كان يكذب متعمداً فلا عطل هناك في المحركات، ولم يرى وسيم أسفلت الشوارع بعدها لمدة عشرة سنوات، فمن المطار إلى المخابرات، وتحقيقات لا تنتهى ليعترف بمن وراء عمليته؟ وهل هناك جهة ما او جهاز مخابرات معادي للنظام كانت وراء الحكاية، فلم يجدوا شيئاً من ذلك، فأعتبروا أن الدافع لما حدثهو الجنون، فأن يخيف رئيس الجمهورية ويرعبه ويهزأ بالدولة وبالسلطة كلها، كل هذا لم يكن له مبرر إلا أن جنون ما قد حاق بالمتهم وسيم عبد الغفار، وتم اعتباره مجنوناً، لا أكثر، وأُودِعَوه بالفعل في مستشفى المجانين حيث قضى بها سنوات طويلة، ومات ناصر وبعد نصر أكتوبر قدمت أسرته سلسلة من الإلتماسات لكي يخرج من المستشفي، واستجاب السادات وخرج وسيم من مستشفى المجانين، ليجد أن زوجته طلبت الطلاق وحصلت عليه وأنها استولت على الصيدلية وباعتها للتخلص من الجثة، ودفع ثمناً غالياً ففقد حريته و زوجته وصيدليته بسبب حماقته المدهشة، زد على ذلك أن وسيم لم يخرج سليم العقل تماماً، فسنوات المستشفى أصابته بجنون ما، فهو مهزوز تماماً، وزوجته أسرته الكبيرة بزوجة جديدة وفتحت له صيدلية جديدة، لكنه لم يعد قادر على العمل، وتدير زوجته الجديدة أعماله وتأتي إلى ريش والحرية والإستوريل- حيث اعتاد أن يمضي يومه- لتدفع حساب ماطلب . أدمن وسيم الشراب، وهو واحد من أعمدة شلة البراندي الصباحية.
صافح وسيم صديقيه المخرج عزت فتحي والسينمائي العجوز علي عباس، فهم من الرواد الصباحيون الذين بمرور الوقت نشأت بينهم صداقات، وراحوا يثرثرون، لقد انتهز السينمائي العجوز الذي استشهد ابنه الطيار في النكسة الفرصة للهجوم على الشيوعيين وعلى ناصر وعلى الناصريين.
وقفت السيارة الاجرة أمام المقهى ونزل الأستاذ سالم ورفيقيه رئيس النيابة عصام برهان والصحفي المقامر فريد الشاذلي، دفع سالم الحساب، ودخلوا إلى المقهى فوقف المخرج عزت فتحي مهللا برعونته المعهودة، مرحبا بالقضاء وبالقصص والادب وبنجم الصحافة، لابد أن تحتسوا القهوة معى أولاً، ولا تحرمونني من هذا الشرف، " هذه دعوة لا يرفضها كريم" هكذا قال عصام برهان وهو يفكر في أن مجموعة السينمائيين ومعهم الطيار المخبول مجموعة من الظرفاء، رغم غرابة حياتهم.
أريد قصة من قصصك لتحويلها إلى فيلم سينمائي.. أرجوك
يعرف سالم هذا الفاشل، لقد وجدها سالم فرصة لكي يعرف هذا الفاشل حجمه، وبدأ سالم بالهجوم فقال أنه شاهد الفيلم
يهمني جدا أن أسمع رأيك؟
رأي أنه فيلم تجاري فاشل وتجاري،
هكذا قال سالم في استاذية وأردف في تعالٍ
وكله توابل وميلودراما ساذجة، ليس تجاريا فحسب لكنه تجاري فاشل، وضعك كمن خلعت ثيابها وتركوها بهيجانها...هئ هئ فيلمك فظيع، كدت ان أموت من الضجر، لأكملت مشاهدة الفيلم لأن داخلي مازوكي صغير، وداخل كلٍ منا مازوكي صغير..، هل تعلم يا عزت ما هو المازوكي اصلاً؟، طبعاً لا تعرف، مأساة السينما المصرية في تقديري يا عصام تتمثل في جهل السينمائيين المصريين، المعرفة تصنع الفارق دائما
شعر عصام برهان رئيس النيابة بالشفقة تجاه المخرج المسكين عزت فتحي الذي كان يجلس ممتقع الوجه ويعض على شفتيه وينصت في يأس وانهيار.
"يا إبن المؤذية يا سالم" ، هكذا قال رئيس النيابة لنفسه، فكر في أن يتدخل لينقذ المخرج التعس الحظ من براثن سالم، لو في ظروف أخرى لمسحت به الأرض، أقلها كنت سأقول له " انتبه لقصصك أولاً، هل قرأت النقد الذي تناول قصتك من صديقنا يسري فهيم في مجلة فصلة، مسح بكرامة قصتك الأرض، لكنني على أن أصمت، لو عارضته سيعاقبني، إنه الآن في ذروة الشهوة، شهوة السخرية وممارسة الأستاذية على المخرج الضعيف العقل، لن يذهب معي في المشوار الضروري
أنت يا من تتكلم هذا الكلام الفارغ... أنتم شيوعيين وأنا أعلم
انتفض السينمائي العجوز علي عباس الكاره للشيوعيين ولناصر، محتداً صارخا بصوته العالي
أنتم مجموعة من الشيوعيين الانجاس
هكذ ردد علي عباس يصوت غاضب مرتفع، وانتبه الرواد القلائل والجرسونات، أما جماعتنا الصحفي فريد الشاذلي ورئيس النيابة عصام برهان فلاذا بالصمت، ووجم سالم وتوقف عن الكلام
أنا أعرف كلام الشيوعيين ومصطلحاتهم البائخة.. ميلودراما وتوابل وتجاري كلامكم الفارغ لن ينطلي علينا.....ماذا يريد الشيوعيين منا؟ ... ماذا تريد أنت وهو؟
كان من المفترض أن يتصدى له سالم فهو المعني بالهجوم، لكنه لم ينطق ولاذ بالصمت "لأن المقهى كلها مخبرين، زبائن مخبرين والجرسونات كلهم عصافير لأمن الدولة،.. ألم يقل له الشاعر رجب طايل المعارض للنظام عندما تزوج وجد الجرسون احمد يدق عليه الباب، وفهم الشاعر أن أمن الدولة أرسلوا الجرسون ليتأكدوا أن الشاعر يسكن هناك بالفعل، وأفاق سالم من شروده ليجد عصام برهان رئيس النيابة يتصدى لهجوم السينمائي العجوز على عباس
أنا شيوعي ماذا تريد؟ ... عفواً أنا ماركسي وكنت شيوعيا تستطيع أن تقول عني ماركسي ولكنني شيوعي سابق لو أردت الدقة..
وأردف رئيس النيابة قائلاً
وأكمل عصام برهان قائلاً:
- "أنا ماركسي وشيوعي سابق وأنت مخبر وأنت مخبر... مخبر لا أكثر
هكذا قال سالم فنهض على عباس وقال:
إخرس قطع لسانك ...أنا مصري وأحب بلدي وليس موسكو؟ ها؟ موسكو تعرف موسكو؟ الذين يمسحون مؤخراتهم بزلطة.. وأحب أن أقول لك هنا لن تكون موسكو؟ ... لماذا لا تذهبون إلى نعيم موسكو وتريحونا من خلقتكم المهببة
هكذا قال علي عباس، ونهض ليغادر المائدة
وأنت يا عزت اختر اصدقائك، أنا لا أجالس لا شيوعيين ولا ناصريين ...وهاهو شيوعي جديد ينضم إلى المائدة.... لم تعد مقهى نيس ، سنغير اسمها ونسميها"الكرملين كافيه" أفضل تسمية
في هذه اللحظة دخل إلى الممر رجل يقترب من الخمسين هو الآخر، إنه الناقد الأدبي اليساري يونس عوف، لقد اصطدم به السينمائي العجوز من قبل، إنه داكن السحنة، ضعيف البنية إلى درجة الهزال، واجم الوجه، ينظر شذراً للسينمائي القديم، الذي رماه بشرر وقال
أدخل جائتكم مصيبة تأخذكم انتم وبرجينيف وأمثاله.







اخر الافلام

.. الشاعر: لدينا رؤية لتطوير منظومة عمل شركات السياحة


.. المرصد-إعلام مصري يهلل للتعديلات الدستورية.. وفنان يفضح سجون


.. مقابلة خاصة مع الفنانة يارا: نعم أود العمل على دويتو جديد مع




.. بتحلى الحياة – السيد جو عازوري – مؤسس مهرجان لحظات للأفلام


.. بتحلى الحياة – سهيل مطر – الشاعر والاديب اللبناني الياس أبو