الحوار المتمدن - موبايل



الفتوى بغير علم

قحطان محمد صالح الهيتي

2019 / 2 / 12
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


اكتب في هذا الموضوع من أجل إيضاحه بسبب ما يحدث اليوم من مسائل تعرض على المحاكم، افتى بها بعض رجال الدين وفيها مخالفة للقانون نتيجة عدم اطلاعهم على القوانين النافذة من جهة، وظنا منهم أن عدم إفتائهم بها سيحط من قدرهم ومكانتهم العلمية في المجتمع.
-
لقد تسببت بعض الفتاوى المعروضة على المحاكم في الكثير من المشاكل، لأن القاضي يحكم مستندا الى نصوص قانونية مدونة أقسمَ على الالتزام بها، وعدم مخالفتها، ولا يقضي بغيرها إلا إذا تعلق الأمر بالحٍل والحُرمة وفي هذه الحالات يطلب من العلماء من يراه أهلا للاستشارة فيستعين به كخبير، وللقاضي أن يأخذ برأيه أو لا يأخذ به.
-
ولا أقصد من تناولي هذا الموضوع الانتقاص من شخصية رجل يسعى الى الخير وإصلاح ذات البين ، وتقديم النصح والمشورة لمن يحتاجها، بل للتعريف بما يجري اليوم أمام المحاكم من مسائل توجب علينا جميعا التعاون من أجل إلا تضيع حقوق الناس نتيجة خطأ في رأي أو في فتوى ما كان يجب أن تكون.
-
قال الله تعالى: { وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} (النحل: 116).
-
وصحّ عن ابن مسعود وابن عباس: (من أفتى الناس في كل ما يسألونه فهو مجنون).
-
لا شك أن الفتيا بغير علم من الكبائر وأعظم الذنوب، لأنّ خطر الفتوى بغير علم لا يقتصر على صاحبه، بل يتعداه إلى المجتمع فيؤثر فيه
-
والمفتي بغير علم إذا أخطأ يكون إثمه على من أفتاه، لقوله صلى الله عليه وسلم: من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه.
-
لقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح يتحرجون من الفتوى، ويتهربون منها مع كثرة علمهم وحرصهم على تعليم الناس، وحب الخير لهم، وذلك لخطورة الفتوى؛ فكان بعضهم يحيلها إلى بعض. وكان أكثر ما يحملهم على الفتوى هو الخوف من كتمان العلم.
-
نصت المادة (5) من دستور جمهورية العراق على: (السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها...). كما نصت المادة (19 / أولا) على أن: (القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون. (
-
من هذا يفهم بأن الأحكام والقرارات في كل المسائل تصدر عن القضاء وعلى وفق القانون.
-
ونصت المادة الأولى من القانون المدني العراقي رقم 40لسنة 1951، والمادة الأولى من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 النافذين على:
1. تسري النصوص التشريعية على جميع المسائل التي تتناولها هذه النصوص في لفظها او في فحواها.
2. فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه حكمت المحكمة بمقتضى العرف؛ فإذا لم يوجد، فبمقتضى مبادئ الشريعة الاسلامية الاكثر ملائمة لنصوص هذا القانون دون التقيد بمذهب معين، فإذا لم يوجد فبمقتضى قواعد العدالة.
-
من هذا يتبين بأن جميع المسائل المتعلقة بالمعاملات المدنية، والأحوال الشخصية (الزواج والطلاق والمواريث والحضانة والنفقات) تخضع لحكم القانونين المذكورين، وإذا لم يوجد نص فيهما يخص القضية المعروضة تلجأ المحكمة إلى العرف السائد وتحكم على وفقه.
-
وحكم المحكمة بموجب العرف لا يعني الحكم على وفق الاتفاقات التي تجرى بين الناس فيما يسمى بالجلسات العشائرية، أو فيما يعرف بـ (هل الصنف) وتأخذ بما اتفقوا عليه، بل بالعرف الذي تعارف الكافة عليه، وأقروه، وصار عندهم معلوما ومشروعا.
-
وحين لا تجد المحكمة نصا قانونيا، ولا عرفا سائدا في القضية المطروحة أمامها، تأخذ بمبادئ الشريعة الإسلامية الأكثر ملائمة لنصوص القانونين المذكورين فتقضي بموجبها.
-
لقد مضى على القانون المدني بحدود السبعين عاما، وعلى قانون الاحوال الشخصية ستون عاما، ولكن ما نراه اليوم في سوح المحاكم الكثير من الدعاوى التي تقام أمامها مخالفة لهذين القانونين. وبالتحديد في مسائل المعاملات والأحوال الشخصية معتمدة على اتفاقات في الدواوين وفي المجالس، أو على فتاوى صادرة عن بعض رجال الدين.
-
لقد تسببت بعض الاتفاقات والفتاوى بالكثير من المشاكل أمام القضاء حيث يُصرُّ المستفيد منها على اعتمادها بينما ترفضها المحكمة ولا تأخذ بها، وعلى هذه الحالة تترتب نتائج خطيرة، وبالتحديد فما بتعلق بالحٍل والحُرمة في قضايا الطلاق واثبات النسب.
-
وتثار بهذا الصدد الكثير من الأسئلة منها: كيف يمكن حل مسالة أفتى بها رجل دين بالتفريق بين زوج وزوجته والزوج مجهول المصير وغير معلوم مصيره، هل هو حي أو ميت؟ وعلى وفق هذه الفتوى اعتدت الزوجة، ومن ثم تزوجت، وتبين ان زوجها متوفى، ولم يُصدَّق الطلاق في المحكمة على وفق القانون.
-
وما الحل فيما لو تبين بأن الزوج حيٌّ وعاد الى بلده وأهله ،ووجد زوجته متزوجة بزوج ثان استنادا لفتوى رجل الدين، وأن طلاقها من زوجها الأول لم يصدق من قبل المحكمة. كما لم يصدق زواجها الثاني؟ وما مصير الأبناء من الزوج الثاني؟
-
لقد وجد الفقهاء المسلمون حلولا لهذه الحالات، وقضى القضاة بها على وفق أحكام الشريعة الإسلامية التي كانت مرجعهم الأسمى كقضاة لدولة اسلامية تحكم بما انزله الله سبحانه وتعالى وبالسنة النبوية المطهرة، وبما اجمع عليه السلف الصالح من أحكام، وهذا ما لا يمكن الأخذ به في دولة مدنية قرر دستورها أن السيادة للقانون، وأن الشعب مصدر السلطات، وأن القضاء مستقل ولا سلطان عليه لغير القانون. وجعل مبادئ الشريعة الاسلامية المرجع الثالث الذي يرجع اليه القاضي بعد التشريع(القانون) والعرف.
-
وما الحل في تعهد كتبه وشهد عايه رجل دين كاتفاق صلح بين اثنين على مبلغ من المال لم يذكر مقداره ولا اساسه، ولم يذكر موعد تسديده، وتقدم الدائن به الى المحكمة المختصة مطالبا بإلزام المدين بتسديده؟
-
وما الحكم في اتفاق شفهي حصل في مجلس عشائري أو جلسة (أهل الصنف) تعهد بعض الاشخاص فيه بتعويض شخص آخر بقيمة عقار أو منقول لأحد الأشخاص؟
-
في الحالات التي ذكرتها في أعلاه على سبيل المثال وليس الحصر لا تأخذ المحاكم بها، ولا تصدر القرارات استنادا اليها، بل تصدر قراراتها استنادا الى مواد قانونية وعلى وفق البينات الثبوتية التي يقدمها الخصوم. وفي الجنايات والجنح تحكم وفق المبدأ الدستوري (لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص).
-
عليه فإن على رجل الدين ألا يفتي إلا بما يتعلق بأمور العبادات وثوابت الدين، وفيما يتعلق بالحٍل والحُرمة، وعليه أن يكون مطلعا على القوانين النافذة عارفا بها لأته إن خالفها سيكون أول من يخضع لأحكامها، وليس عليه أن يفتي في كل ما يسأل عنه، وعليه أن يقول ما قاله بعض العلماء:( ليس معي من العلم إلا أني أعلم، أني لست أعلم). وحتى إن اجتهد وأفتى أن يقول: (والله اعلم) لأن الله فوق كل ذي علم عليم.







اخر الافلام

.. السودان.. البشير يعلن فرض حالة الطوارئ وحل الحكومة


.. بماذا رد البشير على -تسقط بس-؟


.. فيديو يظهر هبوط مروحيات كا-27 على متن سفن حربية لأسطول بحر ا




.. فرق خاصة من سوريا الديمقراطية تحرر دفعة جديدة من المدنيين


.. قصة أخطر جاسوس لبريطانيا في تنظيم القاعدة