الحوار المتمدن - موبايل



تحرير وتأثيل القيمة التاريخية لعبدالله بولا

المنصور جعفر

2019 / 2 / 23
الشهداء والمضحين من اجل التحرر والاشتراكية


يتناول هذا المقال بعض ملامح الحياة الثقافية السياسية للمعلم والفنان والفيلسوف وعالم إجتماع الثقافة الراحل "عبدالله أحمد البشير" المولود في السودان عام 1943 والمتوفى يوم إلتهاب حركة التغيير الشعبي في السودان 19 ديسمبر 2019. والمشهور بلقب "بولا"، ويحقق المقال هذا التناول بتمحيص علاقة "بولا" ظروفه التاريخية الثقافية وبأسلوب التجريد الإنتقادي داخل عالم الرسم وفي الحياة. ونهج المقال في هذا التناول مزيج من "التحرير" و"التأثيل" عبر قراءة متنوعة لمعالم ديالكتيك المعرفة والفن والمعيشة والثقافة والفلسفة والسياسة الإجتماعية في حياة بولا وقراءة بعض جدل "بولا" مع هذه المعالم .


1- اشكالية الأسلوب والتنوع:
في الكتابة عن "بولا" يلزم شرح بعض الإختلافات بين مفردة "تحرير" ومفردة "تأثيل" رغم إنهما تعنيان أسلوبان في اللغة له إرتباط ببعض أعمال "بولا" إذ أهتم بـ"التحرير" كما أسهم دون قصد في بلورة فكرة "التأثيل":

1- كلمة "التحرير": فيها كسر للقيود وتحقيق لـ"حرية" قد ترتبط في الذهن بـ"تحرير الأوطان"، أوبــ"تحرير المقالات"، وحتى بمهمة "رئاسة التحرير" في الصحف. كذلك ترتبط أجزاء منها في إعادة صياغة النصوص بتحريك بعض العناصر والعلامات والعلاقات والبنى بحيث يقوم "التحرير" إطلاق سراح الكلام من أسر ذوات معينة، لكن بإعادة أسره (مرة أخرى) في ما يزعم كل محرِرنصوص أنه سياق أو شكل موضوعي أنسب لـ"الوضوح" و"الفهمَ"!؟ وفي سخرية أخرى مألوفة في تأريخ النصوص قد تُحرر صياغة الكلام من موضوعيات معينة لكن بأسره في تقييمات ذاتية! وفي الحالتين تتم عمليات التحرير وإعادة تشكيل المفردات والبنى داخل الذهن أو على ورق القائم بالتحرير، ولا تظهر لقارئي النص المُحَرر إلا نتيجتها الأخيرة في شكل نص يبدو جديداً.

2- مفردة "التأثيل" شبه لكلمة "التشكيل" وأصلها من إسم شجرة "الأثل" وخشبه المرن التخديم للبناء أو للزينة. و صيرورة "التأثيل" في مجالات "الخطاب" أو "الكلام" قوامها تحليل لطبيعة تشكيل العلاقة بين الأفكار المرسلة وعملية فهمها وتوليد معانيها عند من يستقبلها، أي إنها محاولة لتبيين أو حصحصة تناسق أو تنافر بعض الاصطلاحات والعلاقات والهيئات في بنى الخطاب/الكلام.


هذا الشبه بين "التحرير" و"التأثيل" كأساليب للكتابة تهتم بمواءمة النص مع طبيعة إستقباله يرتبط بكون "التأثيل" عملية قراءة وتأويلات وحسابات ذهنية تغيير أسس الفهم بتقويمه علاقة بعض المفردات بالظروف المحيطة بمصدر الخطاب ومتلقيه وبسير وصيرورة التاريخ الذي يبدو فيه الكلام، لكن يظهر الإختلاف بين "التأثيل" و"التحرير" في أن "التأثيل" ليس كـ"التحرير" مجرد حسابات تمت في ذهن كاتبها وأوراقه الخاصة يرى القارئي نتيجتها الأخيرة كنص ، بل "التأثيل" عملية علنية لتحرير ذهني يرى قارئها أسس حصحصتها للوقائع أو للكلام في عبارات شرح وأوضاح وتقييم وتقويم إنتقادية من نوع: ((هذا الموقف أو التعبير موافق لكذا ومخالف لكذا، وسياق هذا الموقف أو التعبير خطأ لتناقضه مع كذا، وفي ذاك يبدو أن كذا يناسب كذا وليس كذا)).

تظهر لكلمتا "التحرير" و"التأثيل" قرابة وأهمية في رسم أو قراءة بعض معالم حياة الفنان "بولا" كلوحة فنية، بالإمكان تسميتها "الإنسان والوجود" وأقصد بمفردة "الوجود" تفاصيل أو عموميات في المعيشة، المجتمع، الفلسفة، السياسة، الثقافة، فبتخديمهما بالإمكان قرآءة طبيعة وجود ونشاط الفنان "بولا" كلون أو بُعد أو بنية. وبالإمكان تخيل نظرته إليها وإلى الحياة ودور زوجته الترجمانة نجاة محمد علي في هذا التشكيل. كذلك بإمكان مزج الأسلوبين فهم دور بيئات "عبدالله بولا" وأساتذته ورفاقه وتأثير باريس وموسوعية وتنوع ثقافته وحدة سياسته في إعادة تشكيل وجوده كلوحة أو كفلسفة للثقافة الإجتماعية أو كإنسان مائز أو بإعتبار جملة أعماله مقدمة نهج جديد في علم إجتماع الثقافة.


مع السؤال عن مياسم وأساليب الكتابة المناسبة للتعبير عن معاني "عبدالله بولا " يبدو في عملية "التحرير" نوع من التحكم يظهر كحرية من بعض قوالب التعبير والفهم لكنه يضعها ونتيجتها في قوالب أخرى. بينما يبدو أسلوب "التأثيل" محاولة معلنة لإعادة ترتيب المعلومات ومنطقها وإن شملت تغيير مبادئها ونتائجها. فميسم "التحرير" عمليات تحديد وقِطع تكبر أو تصغر معنى معين أما "التأثيل" فقراءة في تأويلات وفروق الكلام وإختلافات طبيعته عن سياق تبلور مفرادته ومعالم تاريخ تكونه أو تلقيه.

ورغم كون "بولا" لم يعاصرأو يثاقف "التأثيل" إلا أن نهجه "الإشكالي" لإنتقاد أشكال وألوان من المحررات كان من ملهمات "التأثيل"، وبإمكان الناظر أن يجد سمات من "التحرير" و"التأثيل" في بعض كتابات "بولا" إذ يهتم بدقة التحرير وبإوضاح مثاقيل الفهوم (المفاهيم)، وبوزن العيارات، وبعدالة الموازين، وبطبيعة تاريخ وحضور المتعاملين بالميزان.

أما عند تأمل بعض لوحات حياة/وجود عبدالله بولا حسب ظرف فهم توليد الكتابة عنه وظرف فهم المكتوب عنه، نجد ان "التحرير" و"التأثيل" كعملين لحصحصة شكل ومضمون الخطاب، قد يخوضان أو يسيران أو يحلقان في سياسة الكلام وحركة الصراع بين المفردات وبين الدالات، ويناضلان لفتح أو مركزة معنى معين مع تهميش أو إزاحة أو إقصاء معان أخرى.

بشكل عام بالإمكان القول إن قرآءة بعض مواقف أو أراء عبدالله بولا تتأثر بظرف تكوين الرأي وبظرف تلقيه وفهمه في خضم صراع ظاهره النصوص والخطابات واللوحات والأغاني، لكن قد يأخذه محرر أو مؤثل كصراع طبقي لترجيح أو إقصاء بعض المعاني أو كصراع ثقافي بين الطبقات المالكة والكادحة والفئات الوسطى المنافقة بينهما لسبب من أن دوائر المعرفة والكلام في كل فئة وطبقة تميل لإنتصار طبقتها على الطبقة الضد وغالباً عبر علاقة نفعية مع بعض فهوم الطبقة الوسطى. لذا بإحساس وفهم لبعض وجوه "التحرير" و"التأثيل" بالإمكان القول إن كتابات عبدالله بولا تنتمي للصراع الطبقي في شكله الثقافي عبر سجالات القيم والمواقف السياسية، وأيضاً للصراع الثقافي داخل الطبقات أو بينها، في جدل رأسي وأفقي سماه عبدالله "إشكالي".

كذلك قد تقترب الكتابة عن معاني عبدالله بولا إلى أساليب "التحرير" و"التأثيل" المتعددة الألوان، أو إلى هذين اللونين من الكلام المستخدمين كفنون للكتابة أو إحسانها في عالم جماليات اللغة وفي عالم لغة الجمال.


2- علم الجمال والفلسفة وألوان السياسة:

مع تنوع أو إختلاف علاقات علم الجمال والفلسفة منذ تم زعمها لتلاميذ إفريقيا والشرق "أفلاطون" و"أرسطو" أو منذ بلورها إخوان الصفا الفارابي وإبن سينا وحتى أبو حيان التوحيدي وإبن رشد أو منذ أشرقها "باومجارتن" Baumgarten في منتصف القرن الثامن عشر، أو كما عبر عنها في القرن العشرين العلامة "فيتجينستاين" Wittgenstein بما أورد له/عنه في كتاب "الثقافة والقيمة" Culture and Value ظهرت تنظيرات "الكلام"، "الفهم"، و"الشعور" و"التعبير" في شكل نصوص، أو أعمال رسوم، أو نحت، أو معمار، أو حتى كتجريدات لونية.

وطالما كانت لبعض الألوان دالات سياسية وكان البنفسج مزيج اللونين الأساس الأحمر والأزرق، ففي ذا الإطار الجمالي والفلسفي وما يواشجه من سياسات بدأ إسم الفنان الكثير الرسم عبدالله بولا في الظهور منذ السبعينيات، أي مع بداية نهاية المرحلة البنفسجية في سياسات دول شمال غرب أوروبا، وأفريقيا والشرق الأوسط، والسودان، حيث بدأ تغلب اللون السياسي الأزرق على اللونين السياسيين الأصفر والبرتقالي، وقام حلف الإمبريالية والرجعية منذ مقدم الثمانينيات بإقصاء شديد للسياسات ذات اللون الأحمر. وقد كانت السبعينيات في السودان عهد جزر للنشاط الثوري تخلي فيها الحزب عن شعار "الثأر لشهداء يوليو" بصيغته العسكرية ودخل فن الممكن المدني وذلك بإصطفافه مع القوى الرجعية والليبرالية لكسر ديكتاتورية نميري وسياسة تحريك الشعب بواسطة قائد. كان الظلام شرقاً وغرباً.

ارتبطت تلك الفترة في السودان مع الرفع الإمبريالي لأسعار النفط بإفلاس سياسات دول العالم الثالث في الإستقلال والتنمية ومن ثم تحكم الإمبريالية في تجارة وقيمة عملات تلك الدول بالتخفيض والتبخيس، خانقة معيشة شعوبها وحكوماتها بالديون وبشروط الديون التي تضع البلدان الجديدة الاستقلال تحت سيادة "صندوق النقد الدولي" الذي يهضم حقوق الشعوب بمصالح أصحاب البنوك والشركات العظمى في العالم وكبراء السوق. كانت تلك السياسة ولم تزل في معنى الظلام.

برفع أسعار النفط والتحكم في التجارة والعملات والدخل القومي بدأت عملية إفقار وإفلاس دول العالم الثالث ومنها السودان. وكانت سياسة "صندوق النقد الدولي" في تلك الدول والسودان مرتبطة بشرط توفير "الإستقرار" وشرط "تعزيز مناخ الإستثمار" وهما شرطان كثفا أعمال القمع ضد الحركة النقابية والحركة الجماهيرية وضد الحزب الشيوعي وبالتالي ضد كافة المبادئي والحريات والحقوق العامة مما شكل وضعاً قبيحاً مضاداً للإبداع.

بهذان الشرطان ("الإستقرار" و"تعزيز مناخ الإستثمار") والشروط الأخرى تحكمت البنوك العالمية وكبراء قوى السوق في موارد حياة الناس ومعيشتهم وزاد التفاوت والتنافر الإجتماعي والميل المركزي للإستولاء على مزيد من ثروات وموارد الريف. كما تعزز إفساد الرأسمالية للتوافق الإجتماعي والسيادة الوطنية بشعارات نهب أخرى منها شعار: "تخفيض الإجراءات البيروقراطية" وشعار "تشجيع القطاع الخاص". وقد كسرت هذه الشعارات الخُلب الباقي من صور الارتباط الغض بين "التنمية" و"السيادة الوطنية" حيث كسرت صلتهما بإجراءات "تخفيض الإنفاق" و "حرية الاستثمار"، ثم تم كسر الباقي من السيادة الوطنية بمعناها العسكري بداية بمناورات مع القوات الاميركية سميت في ذلك الظلام بإسم "النجم الساطع". وفي خضم كل هذا الإنفتاح كان إنتشار الفقر وبؤس المعيشة وإشتعال العنصرية والعصبيات يمحي كثير من التفاصيل والألوان الجميلة من لوحة السودان.

نافرت سياسات صندوق النقد الدولي ونشاط الراسمالية في محو الوجود الوطني صور ولوحات تحرير السودان بواسطة الثورة المهدية من نير للخلافة الاسلامية، كما نافرت صور الكفاح المشترك مع مصر ضد الإستعمار البريطاني، وصور هاشم العطا وفيتنام وتحرر أنجولا وموزمبيق وبعض انتصارات.القوى الوطنية والتقدمية في إثيوبيا وحرب لبنان وأفغانستان. وقد كان مناخ تلك الانتصارات العسكرية التقدمية في العالم في تلك السبعينيات يطفي بعض نيران البؤس المتمدد في السودان.

في ليلة من النصف الثاني من سبتمبر 1983 كانت الشريعة والطوارئي معلنة وكنت راحعاً ليلاً في الطريق المار أمام مباني هيئة الأمن وبعد تجاوزي بوابته الرهيبة المدججة بالجنود، جاءت من خلفي في ذلك الليل ومرت بجانبي سيارة ضخمة من النوع الذي يستقله الجنود الامريكان في الخرطوم، وكان من فيها في موسيقى صاخبة وعبث، أحدهم يمد علبة بيرة في الهواء صائحاً وبعد مسافة قصيرة ألقوا علبة فارغة على قارعة الطريق -حذو مستديرة مؤسسة الري والحفريات- كان ذلك الحدث في تفكيري آنذاك مشهداً كلاسكياً لنزق الجنود المستعمرين، أكثر من كونه مشهداً لنزق الشباب.

كانت براجوزية الثقافة تعج بمثالية المثاني وسجالاتها السقيمة (التراث والمعاصرة)، (القانون السماوي والقانون البشري)، (المرأة المحجبة والمرأة الإنسان)، (الصلاة وعدم الصلاة) وضد ذلك الجفاف كان الكلام عن "البنائية" نادراً وجديداً، وزاد الأمر بؤساً مع ارتفاع كتاب "الشفاهة والكتابية" الذي وضح فكرة "مركزية التعبير وعلاقاته" وكتاب "حفريات المعرفة" الذي كشف أن في كل كلام تمركز وسلطة، إلخ . لم يهتم كتاب "الشفاهة " بمركزية الفكر، ولم تهتم "حفريات المعرفة" بآيديولوجيا الحفر.

بهذه الموجة من ثقافة اللغة السياسية أو السياسة اللغوية المهملة لطبقية الفكر ولطبقية الآيديولوجيا ولطبقية المعرفة والإنتقاد بدأت في السودان صيرورة جديدة لبرجوازية الثقافة داخلها "عبدالله بولا" بشذرات انتقادات وتفكيكات لعلها مثلت بارقة أمل في ذلك السودان القليل المكتبات والندوات. وقد جمعت تلك الشذرات بفن في النظر والكلام بين أسلوب "البنائية" وأسلوب "التفكيك" إذ كان "بولا" يعرض بشكل عام بنية الموضوع ثم يأخذ في تفكيك نقاطه وعلاقاته وهيئاته، ممهداً لبناء جديد.

لعل لنشأة "عبدالله بولا" وللتأسيسات الفلسفية التي تعلمها من أهله ومدينة "بربر" ومن الرفاق والمعهد ومن الطلاب والسوربون دور مهم في تكون حاسته وادراكاته وبلورة معرفته وثقافته ونشاطاته الإنتقادية/الإبداعية داخل وخارج السودان.


3- فرنسا:

كانت بلورة "بولا" نتيحة من سيرورة الحركة السياسية للمعيشة والثقافة داخل السودان، ومن سيرورة أخرى في العوالم واللوحات التي عاشها أو واجهها في فرنسا: فبالديالكتيك الثوري والفني الذي شكل تفكيره ومعرفته ونظرته دخل بولا فرنسا وهو واع لأمور وقصص وصور الثورة والحرية من الإقطاع، ولطبيعة فرنسا البرجوازية وتكسيرها الثورة الفرنسية وكومونة باريس، وكذا فرنسا الإستعمارية، وفرنسا الحرية الأميركية، وفرنسا النازية،و فرنسا الإمبريالية، وفرنسا الفاشية والعنصرية، وفرنسا الفلسفة والفنون، وفرنسا المتاحف، وفرنسا الواقعية، وفرنسا السياحية، وفرنسا المسرحية، وفرنسا المطاعم والمقاهي، وفرنسا المدينية، وفرنسا الزراعية، وفرنسا الـ"سوربون" Sorbonne والـ"كوليج دي فرانس" College de France، ومونتمارتير Montmartre، وفرنسا الطلابية، وفرنسا البرجوازية، وفرنسا الجزائرية، وفرنسا العدوان الثلاثي، وفرنسا الزنوجة، وفرنسا مذابح مدغشقر/ملاقاسي وفرنسا الموضة، وفرنسا الشبق، وفرنسا الخميني، وفرنسا الفوتوغرافيا ومهرجانات السينما، وغير ذلك من صور فرنسا ولوحاتها المتشكلة في ثقافة "بولا" وذهنه، وفي ثقافة وذهن كل فئة وطبقة في العالم. كل هذه الفرنسات أسهمت في تكوين "عبدالله" فهو بكل أفكاره ولوحاته كان ككل إنسان آخر نتيجة من ديالكتيك الحياة وإسهامات كل إنسان فيها.


4- بولا كنتيجة من صراعات مثنوية:

صادف أكثر نشاط عبدالله بولا مرحلة الربع الأخير من القرن العشرين، حيث كانت عمليات سير أو سيرورة الثقافة البرجوازية أو برجزة الثقافة في السودان قد تحركت من مثنوياتها القديمة بداية من مثنوية ("القديم" و"الجديد") في العشرينيات حيث كانت مفردة "القديم" بمعنى مجتمع ما قبل الإستعمار ومفردة "الجديد" بمعنى الحداثة التي فرضها الاستعمار، وبعدها جاءت مثنوية ("الناس" و "الإنحليز) وبعدها في الأربعينيات جاءت مثنوية ("الكفاح المشترك" و "الاستقلال") ثم ظهر تقاطب ("الجمعية و"الحرية") عندما كانت "الجمعية التشريعية" هيئة خيانة وتدجين صنيعة للإستعمار وكانت بعض مفردات "الحرية" و"الوطنية" و"التحرر الوطني" مرادفات لـ"الفهم المادي للتاريخ". وهي ثنائيات إنتهى أكثرها بـ"إعلان الإستقلال" وتحول روادها ورواده من مهمشين إلى زعماء.

ومن ثم بدأت في أواخر الخمسينيات مثاني جديدة أثرت في تكوين "بولا" أهمها تقاطبات ("الشعب" و "المعونة الأميركية") ومثنوية ("الشعب" و"الطريق الرأسمالي") وبعدها مثنوية ("الاشتراكية العلمية" و "الاشتراكية العربية") ثم مثنوية ("الاسلام" و "الإشتراكية") وزامنتها مثنوية أو ضدية ("الإشتراكية العلمية" و "الإشتراكية السرجي مرجي")، وهي مثاني صخبت بها دوائر السياسة وسط الموظفين والعمال والمهنيين في مدن السودان في الستينيات والسبعينيات إبان ننشأة "بولا" وقد زامن ظهور "بولا" في السبعينيات جدلية ("البقاء" و"الاغتراب") ومع تقدم الثمانينيات ظهرت جدلية ("الهامش" و"المركز")، مزامنة تقاطب ("الوطنية" و"الإسلام") بـ"وطنية" مكرسة للاستغلال الطبقي والتهميش الإقليمي، معززة لرأسمالية ومركزية الإقتصاد، وبـ "إسلام" بلا معرفة منظومة وبلا برنامج بل تجديد لتحكم السوق في معيشة الناس. في التسعينيات ظهر تقاطب ("الناس" و"الإنقاذ") الذي دافع فيه بولا عن حقوق الإنسان وحلم العشرة الطيبة بين الناس، مهاجماً قبح الإستعلاء والإستبداد من جهة تكوين عناصره الفكرية وعلاقاته وصوره الموغلة في الشطب والإلغاء.

في كل المثاني والتقاطبات التي عاصرها "عبدالله بولا" كانت كثير من الآراء تشيد حججها بعملية مقاربة بين "الحجة" وعناصر من بلاغة كلامها وعظمة متكلمها أي بالمقاربة بين الدعوة والداعية أو الفكرة وبعض مظاهرها، وأخذ خصوم كل فكرة يضربون أو حتى يغتالون شخصية مركز الفكرة المضادة. وبشكل عام كان الإهتمام بالبنية المحيطة بالفكرة أكثر من الإهتمام بالعناصر والعلاقات والبنى الداخلية المكونة للفكرة أو بتحليلها بأضواء أممية أو وطنية، اقتصادية أو معيشية، طبقية أو إقليمية. بل كان الفن الرئيس في الإسلام السياسي، هو إمتلاك التقديس والتكفير والعنف اللفظي أو الجسدي أو الحكومي المؤدي للتبيع.

5- "الأنا والأخر"، ذاتاً وموضوعاً:

في الربط المقدس بالمال والإعلام والدين والسلطة بين مفرات ("بنك فيصل" و"الله") وبين ("الشيوعية" و"الشيطان") تصعب معرفة الفرق بين ذات وموضوع الطبيعة أو التاريخ أو المعيشة، في شبه تجسيد لحالة "عمى الألوان" إن لم نقل فقد الإبصار، نأهيك ان يكون لهذا الظلام تحاور مع "عبدالله بولا" أو حتى أن يقيم معرضاً ضد لوحاته. رغم كثرة الصور الميتة التي بدأ عرضها في مراكز تتبيع وسيطرة. ومع موضوع أهمية التفريق أو عدم التفريق بين "الذات" و"الموضوع" في نصوص الفكر، وفي الواقع بما فيه من فن وحلم وسياسة، لمحت في تخوم القرنين الـ20 والـ 21 تجدد الخلاف القديم الجديد بين الشومسكيين والفيجنيشتانيين، أي بين أنصار فكرة شومسكي والذين من قبله عن "تاريخية اللغة" وناصري فكرة فيجنيشتاين -والذين من قبله- عن فردية "التعبير" و"الفهم".

وكنت بفعل فيزيقية قضايا الشعب والمعيشة عاجزاً عن تصور ما يدور في جبهة الميتافيزيقيا التي ظننتها "الترف الفكري" إذ لم أستوعب آنذاك ما قرأته في مهدي عامل عن "موبقات الفكر اليومي" بل أن الحملة الشعواء ضد التنظير، والتوجيه إلى التكلم بلغة الناس (أي بدون منطق طبقي وبدون إصطلاحات علمية وبدون ميسم سياسي) من حيث لا تدري أو تدري جعلت إنتقاد الفكر اليومي" ترفاً فكرياً في ظروف ثقافة يتسيدها "الفكر اليومي" وقد غيبت هذا التبسيط فضيلة "التفكير الإستراتيجي" وهمش كثير من أفكار ووسائل التغيير الجذري اللاجزئي أي الشمولي المستدام المتنوع والمتكامل اللاواحدي واللامركزي.

كان أقصى ما بلغت في هذا الشأن اشتباك سؤال جانبي مع المحاضر الأستاذ عبدالله بولا في ثمانينيات القرن الـ20 (ما بعد الإنتفاضة) في نادي الأطباء، على ضفاف النيل، في عاصمة السودان، وكان موضوع السؤال الاشتباك هو "علاقة الشكل والمضمون" والفرق بين "السيرورة" كإنتقال من نقطة إلى أخرى و"الصيرورة" كحالة تبلور.

بعد منتصف التسعينيات كنت المداخل الأخير في سجال بين أفكار مختلفة أولها عند حيدر علي وكانت عن أهمية النظامية والمؤسسية في البناء الثقافي وثانيها عند عبدالله "بولا" وكانت عن إحترام "الأشكالية" في تحديد أو تحرير أو فهم كل صورة ثقافية. بضعة مقالات من حيدر وعشرة مقالات من بولا. ولي مع الإثنين لقاءات قليلة العدد جدا كان حيدر فيها منبهاً شارحاً وكان عبدالله منبهاً متسائلاً. وقد سألت بولا أسئلة قادتني بعد 5 سنوات مع عوامل وقراءات وأسماء أخرى (منها من السودانيين الأديب سيدأحمد بلال بتنبيهه العابر إلى خطر وغلظة كثرة عملية التعريف "الـ" وإلى أهمية دراسة "المعرفة" ، وداشمند الفلسفة العربية الإسلامية عبدالسلام نورالدين وتنبيهه العابر لي إلى " فلسفة الفوضى" مما قاد مع عوامل أخرى إلى فكرة "التأثيل".


6- الفلسفة والفن في تأبين الفنان

الناس يكررون الوقوع في خطأ إذ يؤبنون الأدباء والفنانين والفلسفة بخطاب التأبين النمطي المستعمل لوداع كل الناس فوفق التقاليد ينعون "عبدالله" ويحزنون عليه بطريقة تأبين محاسب أو رجل دين أو أي شخص آخر، أي بشكل خط تاريخي مندثر من نوع "ولد- فعل- مات" أو كمحطات سير " بربر- الخرطوم- حنتوب- الخرطوم- باريس- الخرطوم"، وليس وفق ميسمه ونهجه الحركي الإشكالي التنوع في النظر والفهم والعمل.

من غير الواجب نعي الفنانين والأدباء وكُتاب الفذالك بهذه الطريقة النمطية، القليلة الفن. بل في حالة "بولا" مهم أن ترفع صور كبيرة من لوحاته في المدينة وأن يعرف الناس بعض المعالم عن:
طبيعة علاقته بكل لون؟
طبيعة أزمته الفلسفية كفنان؟
ماهي أزمته الفنية كمدرس فلسفة أو كفيلسوف؟
ما هي إشكالات تأريخه الفني للسياسة أو تأريخه السياسي للفن؟
ما هو تأثير السيسيولوجيا الفرنسية في رؤيته لطبيعة الألوان ؟
تأثير علاقات الفن والحزب والحياة في تعليمه لبنتيه؟
ما هي إشكالية الإشكالية في عالم المنظومات؟
ما هو النظام الاساس لتوليد أو إستقبال الإشكالية؟
ما هي معالم نظرته الإنسانية إلى عمليات البناء وإلى عمليات التحرير؟
ماهي نظرات بعض الأدباء أو الفنانين إليه؟

وهكذا قد يسقي أصحاب الملكات أو المعارف بعض الفن أو الأدب في الحزن عليه بمعرفة ما هو؟ وما هي؟ في كل شيء عاشه أو أبدعه عبدالله بولا.

كان عبدالله بولا "ليس"، و "قد"، و"إذا"، و"طالما"، وذلك الرواء ما بين الموسيقى وفعل البلسمة
ترحيقه الكلام بمد علاقة رسم "الغابة والصحراء" بـ"أبادماك" بما بين البحر والفلسفة
في العلاقة الحسابية بين أشكال الحروف وألوانها
في العلاقة الشعرية والسياسية بين الآلات الموسيقية واللحن الكبير وذلك السمع
في بعض معاني ولادة الغول من الإستلاب بالسوسنة

عبدالله بولا، كان ولم يزل بأعماله فناً لتاريخ الأفكار، وتأريخاً لفنون الأفكار، ومع هذا الفن والتاريخ للأفكار كان عبدالله بولا ملوناً لفراغات الكتابة والتنظير باكتشافاته العبقرية الجدل لبؤس الحضورات أو الحضارات القديمة في آثار الحداثة، وترف الحداثة الإستعمارية في تأريخها ما بعد الحداثة.

كان "بولا" تفكيكياً من الطراز الأوروستوقراطي يحاول التحكم في كل شيء قابض ليطلق سراح كل شيء (تنظير، لون، أسلوب) مستعبد أو مستغل أو مهمش. بالأصح كان يحاول أن يعلمه تحرير نفسه. في ذات الوقت كانت بعض مداخلات "عبدالله بولا" ثورة في تفكيك كل شيء يحجب الإنسان أو يزيف أبعاد المعيشة والثقافة، حيث كان يظهر كينونة تغايرات المعيشة ومظالمها لا كإختلافات عدد مواد أو حقوق بل يقدم مزيج الأمال الحاضرة والمشروع البديل كأدوات وحدائق تتداخل فيها كل الجماليات، خاصة أنه رأى ويرى -بخبرة، وبمعرفة، ووعي- ان من الفنانين جداً في هذه الحياة الخياطين والإسكافية والسروجية وضفارات الطباقة (= أغطية الطعام السودانية). فالفن لم يكن بالنسبة إلى "بولا" عالماً من ذاته بذاته لذاته، بل كان أداة لمعرفة المعيشة وتحسين قدرات الانسان في وعي إمكانات الحياة أو أداة لتحسين إمكانات الحياة في وعي الانسان.

بشكل عام لم يكن ذهن عبدالله بولا ومعاشه ضيقاً محصوراً في خط واحد مهني أو فني أو سياسي بل ان "بولا" كمعلم وموسيقي ورسام وأستاذ جامعي وناشط ثوري وحقوقي كان:
1- إنساناً مولعاً بالجماليات وبالإكتشاف،
2- إنساناً منمياً للآيديولوجيا بواسطة الفهم الحديث "للأنوطولوجيا" (أي كفهم للكينونات Conceptualisation) وأيضاً بواسطة فهم طبيعة الأهواء والأرواح الإجتماعية والفردية الكامنة في كل ميثيولوجيا،
3- إنساناً منقحاً ومدققاً في كينونات "الفيزيقي" المعيشي و"الميتافيزيقي" السياسي فى علاقات المعرفة والنظم والمعاني،
4- كان كتلة من القلق الموجب والتحدي في فتح الطرق.

كانت جدليات أو إشكالات هذه المعالم في الحياة وفي ذهن "عبدالله بولا" وتغير فهم رسومها وإختلاف طبيعة النظر إليها وإلى نشاطاته مع تغيرها بين الهيئات والأبعاد المرئية وغير المرئية كانت هي الجدليات التي رسمت ولونت بتوتراتها مراحل وصور وأنغام حياته ومؤلفاته وأكسبتها جمالها الخاص وشكلت بعض أفراحه وبعض أتراحه التي عبر عنها أو صمت إزاءها.
موضوعات تفيد في فهم بعض مواقف وأعمال "عبدالله بولا" الفنية والثقافية والسياسية:

Trans. ed. Ronald Taylor
Aesthetics and Politics: Debates Between Bloch, Lukacs, Brecht, Benjamin, Adorno
Verso,1980


Hagberg Garry
Art as Language: Wittgenstein, Meaning, and Aesthetic Theory
Ithaca, Cornell University Press. 1995


Rupert Read
Wittgenstein and Marx on Philosophical Language
Essays in Philosophy ,Vol: 1, No.: 02, Wittgenstein and Ordinary Language, Article 2
University of East Anglia, June. 2000
Humboldt State University Arcata, California
commons.pacificu.edu/cgi/viewcontent.cgi?referer=&httpsre---dir---=1&article=1008&context=eip


Michael Ranta
Art, Aesthetic Value, and Beauty: On the Evolutionary Foundations of “Narrative Resemblance Concepts”
Proceedings of 19th ICA 2013
Krakow: Naturalizing Aesthetics 2015
portal.research.lu.se/ws/files/5772242/7870184.pdf


Lok Chong Hoe
Problems with the Essentialist Definitions and the Institutional Theory of Art
Penerbit Universiti Sains Malaysia’ Kemanusiaan, Vol. 23, No. 2, 2016
web.usm.my/kajh/vol23_2_2016/kajh23022016_02.pdf


فواد الكنجي
الفن وعلم الجمال الماركسي
الحوار المتمدن، 5513، 06-05-2017
ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=557715&nm=1


Sandios Kudi
التشكيل ورجل الشارع "قراءة في كتاب مصرع الإنسان الممتاز لعبد الله بولا"
gealgaded.com/2017/11/%D9%85%D9%84%D9


المنصور جعفر
هوية الأزمة في موضوع أزمة الهوية: عناصر أولية
الحوار المتمدن، 1517، 11-04-2006
ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=61965


عبدالله بولا
شجرة نسب الغول في مشكل "الهوية الثقافية" وحقوق الإنسان في السودان، أطروحة في كون الغول لم يهبط علينا من السماء
مجلة"إحترام"، العدد الاول، نوفمبر،2005
باريس، ٍsudan-for-all.org
الجمعية السودانية للدراسات والبحوث في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية









اخر الافلام

.. الحراك الشعبي في الجزائر: احتجاج على عزل قاض رفض تنفيذ -تعلي


.. كريم طابو: هناك محاولات لاختراق الحراك الشعبي في الجزائر


.. سيناريوهات- بعد مجزرة نيوزيلندا.. إلى أين يتجه اليمين المتطر




.. فيصل مطاوي: الحراك الشعبي الجزائري حرك الأمواج الصامتة داخل


.. فلسفة العلامة بين ابن عربي وجارلس بيرس - د. أمين عودة