الحوار المتمدن - موبايل



الزواج بجنية

إبراهيم رمزي

2019 / 3 / 12
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


الزواح بجنية


أخذت الإشاعات تتناسل عن الزواج القريب لصديقي. وبما أنني من أصفيائه فقد لمته في أعماق نفسي على إخفائه الأمر عني، واعتبرت أنني أولى بأن يطلعني على الخبر قبل غيري. بل إني دخلت في مشاحنات مع من يرددون عنه أنه سيتزوج "جنية"، واعتبرت ذلك من التشنيع عليه والمس بسمعته.
كنت أعد العدة للذهاب إليه، فإذا به يطرق بابي، استقبلته، عاتبته، ونقلت إليه ما يقال عنه، وانتظرت منه استنكارا ورد فعل قوي، ولكنه استغرق في ضحك طفولي نابع من أعماق قلبه، ثم قال وهو يمازج بين الكلمات وفواصل من ضحكه المسترسل: هم .. على .. حق .. فيما .. يقولون ..
استغربت تأكيده لـ "الشائعات"، وتوقّعت ـ كالأبله ـ "تكذيبا" شافيا، أو توضيحا محيرا. فلم يزد على الاستغراق في الضحك حتى ابتلت عيناه بالدموع.
قلت: أأصابتك لوثة في عقلك؟ فتضاعف ضحكه بهستيريا غريبة ..
هدأ قليلا، ثم تنفس بعمق، وقال: أنا منخرط في عالم الجن منذ اتفقت مع جنية على الزواج. سمِّهِ ما تشاء: مس، جنون، ..
ازدادت حيرتي، وقوي فضولي لمعرفة مدى سلامة عقله أو سلامة "اختياره" ..
فقال بكل ثقة وحماس: هي جنية حقيقة، من سلالة أحد الخلفاء الغابرين، وبيننا حب قوي،
ـ أهو "خليفة" من الحكام البشر؟
ـ أجل، أما قرأت في التاريخ عن زواج البشر والجنيات، وإنجاب الأبناء؟
ـ كيف كانت البداية؟ .. اللقاء .. التعارف .. المحادثات ..؟؟
ـ دعك من ذلك .. يكفي أن تعرف أننا سنتزوج عما قريب .. وأن تعرف أنها حاضرة معنا الآن وتراك وتسمعك ..
تلفّتّ حولي، وجلت ببصري في المكان .. قال:
ـ لا تتعب نفسك .. إنها لن تظهر لك، ولن تراها .. أنا وحدي من يراها، ويلاعبها، ويعابثها، و ..
قلت في نفسي: رحّبت بصديقي في بيتي، فكيف سولت لها نفسها الوقحة اقتحام بيتي دون استئذان؟ كأن الغرباء لا حرمة لبيوتهم أو خصوصياتهم .. ألا يستحق هذا الصنف اللعنة والاستعاذة من شر الشياطين وأفعالهم؟
خاطبني بكل شراسة وحدة:
توقف عما تتمتم به .. فهي تكره ذلك .. وتسخر من كل الخرافات المماثلة .. كن عاقلا
قلت: ولم لا تكون أنت عاقلا؟
قال: لم لا تسبر أغوار العلاقات البشرية، فحتما ستكتشف ـ في تحليلها ـ من يتسلط على أفئدة الناس وعقولهم، وكيف ينازعهم حتى في غرف نومهم. وستندهش من أدوات دفاعه عما يعتبره "أمجاداً"، ومن أدوات هجومه لتعزيز ما يعتبره "مكاسب"؟ وبعد ذلك خبّرني عن العقل.
التفت نحو ناحية من المكان، وقال: ألم أقل لكِ ـ يا حبيبتي ـ إنهم لا يعقلون، وأنهم يُصدِّقون ما توحي به أهواؤهم لهم،؟ ولكن لا تهتمي بالموضوع، فالمسألة تهمنا أنا وأنت، ولن نقيم وزنا لأي فكرة "شاذة" لا تنعتق من شرك موروث هؤلاء البشر .. خذي ذاك الإزار ودثري نفسك فالجو أخذ يميل إلى البرودة ..
أحسست برعدة تسري في أوصالي، وقفقفة تهز جسدي، فجمّعت جلبابي وعدّلت عمامتي، ..
ضحك مني، وقال: إنها تسخر من تصرفك، فالجو ـ في نظرها ـ خانق شديد الحرارة. انخدعتَ بسرعة، وصرت ضحية الإيحاء والوهم، ..
شرعت في فتح طوق جلبابي، ونزع عمامتي لتتحول إلى مروحة في يدي ..
بدأ التشنج يرتخي، والتهدج يتراجع، فشعرت بشيء من الانتعاش .. أخذت الأصوات تبتعد، وغامت صور الأشياء أمام ناظري، ... سرى خدر في جسمي .. فاستسلمت .. ثم استغرقت في النوم.
مضى أزيد من عقدين على هذه "الواقعة"، لم أر صديقى خلالها ولو مرة واحدة. ساءني وأحزنني اختفاؤه المفاجيء، سألت عنه فقيل لي مرة: ذهب في بعثة لإكمال دراسته بالخارج. وقيل لي مرة أخرى: إنه اختار الإقامة بالمهجر. حز في نفسي أن يخدم بعلمه غير وطنه؟ حتى إذا سألت: أما يزال متزوجا؟ يأتي الجواب غامضا مبهما.
ساءلت محاوري باستغراب: لماذا فضل الغربة أصْلا؟
نظر إلي بازدراء، وقال: وأنت الذي تدعي أنك من خلصائه! ألا تعلم أن فريقا من المتعصبين الظلاميين صدحوا من فوق منابرهم بإهدار دمه، لأنه ـ حسب تشخيصهم ـ اقترف "الازدراء" و"التخابر مع أصهاره". ففر من "فتواهم" إلى الخارج. ولولا حنينه للوطن، ولمن تبقى من أهله، ما كان ليعود. سيأتي في إجازة عما قريب، ولك أن تسأله عما تشاء إذا التقيته.
قلت: ألا يعلم أنه غير متابع بسلطة القانون؟ وأن ظروف "المفتين" انحسرت وتغيرت؟
قال بسخرية: إلى الأسوإ .. (وبعد صمت .. قال بأسىً): الأحوال ما تزال تتقهقر .. الضلالة تتمدد .. المنطق ينحسر.


مراكش ـ يناير 2019







اخر الافلام

.. ميليشيا أسد الطائفية تسير دوريات في مدينة درعا - سوريا


.. نهاية تنظيم -الدولة الإسلامية- لا تعني نهاية التهديد الإرهاب


.. فيديريكا موغيريني: رهاب الإسلام يهدد الجميع لا المسلمين فقط…




.. ميليشيا أسد الطائفية تسير دوريات في مدينة درعا - سوريا


.. جدل متواصل بمنصات التواصل الروسية بشأن مذبحة المسجدين بنيوزي