الحوار المتمدن - موبايل



-حجرة الفئران-...

فهمي عبد السلام

2019 / 3 / 13
الادب والفن


مد أرجو لك
قصة قصيرة

" أرجو لك ياكابتن "
هكذا كان صديقنا محمد كنكة ويمنحها للجميع بسخاء بعد مباريات الكرة الشراب فيقول بجدية شديدة:" أرجو لك يا كابتن... أرجو لك قوي " لقد فهم محمد كنكة أن " هارد لك " هى " أرجو لك "، وفهم محمد بالفهلوة من استعمال بقية الفريق لها، وهم من أبناء المدارس، أنها تعبر عن استحسان لأداء أحد اللاعبين في الملعب. لم يكن محمد يستطيع أن يفهم أن " هارد لك " بالإنجليزية تعني أنك سئ الحظ "، لأن محمد كنكة لم يكن يعرف العربية، فكيف يتسنى له أن يفهم معنى" هارد لك".
في الحقيقة أن محمد كنكة كان جديراً بأن يقال له " هارد لك " أو " يالك من إنسان سئ الحظ"، ولتتأمل عنا في حياة حارس مرمى فريقنا. إنه يستيقظ كليوم قبل الفجرحيث يعمل قهوجياً في مقهى" معلم القراءة "، وهذا لقب منحناه للمقهى البائس بس كتاب معلم القراءة الريدة في عالم الكتب، المقهى التي تقع بالقرب من بيوتنا هو مكان نوم محمد، الرابعة فجراً حتى الرابعة عصراً يقف محمد خلف النصبة، بعيني الحمراوتين الجاحظتين، وسنوات عمره الثلاثين عاماً، كي يعد الطلبات ويقدمها للزبائن ويلف بها على الورش المجاورة.
أما متعة محمد الحقيقية، كانت تتمثل في حبه الشديد للعب الكرة الشراب معنا، ولأنه لم يكن يجيد اللعب أصلاً، فقد وقع اختيارنا واختياره على أن أنسب مركز يناسبه هو حراسة المرمى، وخلال أسابيع قليلة أثبت أنه حارس مرمى لا يبارى، وكانت هذه البراعة تكلفه الكثير، فأهم مميزات محمد كحارس مرمى، كانت جرأته العجيبة، فقد كان من الجرأة بحيث يطير في الهواء، لكي يلتقط كرة ماكرة، ويهبط على سن الرصيف أو على حجر المرمى نفسه، ولو رأيته خارجاً من مباراة حامية مع فريق شرس مثل فريق شارع عبد الدايم مثلاً، لقلت أن محمد كنكة كان ضحية لعشرة فتوات كانوا يسحلنه على الأسفلت.
أتذكر الآن افتتان محمد بمهارته وبسالته في الدفاع عن مرماه، الأمر الذي أغرى أعضاء الفريق أن يضحكوا إليه وأن يسخروا منه، فأوهموه بأن أحدهم لديه كاميرا للتصوير السينمائي، وأنهم سوف يصورونه أثناء تدريب يؤديه في حراسة المرمى، وشمر محمد جلبابه الرث، وراح يهبد نفسه على الأسفلت في أوضاع كانت تبدو مستحيلة، فهو على الهواء كما يظن، الأمر الذي إنتهى بثلاث غرز في رأسه لإيقاف النزيف/ ولم تكن الكاميرا سوى صندوق فارغ خرب لا يحتوى على أي أفلام.
هكذا كان يمرمط نفسه غلى الأسفلت وبين الأقدام في ساعات راحته القليلة، ليعود إلى النصبة مثخناً بالجراح، كي يعد الطلبات ويلف على الزبائن والورش، أما نحن فكنا نذهب لنستحم في منازلنا، ونتناول وجبة سريعة، وننزل لنجلس على نفس المقهى، كي نحتسي المشروبات ونلعب الطاولة، وقد التزم محمد معنا حدود الأدب" كقهوجي". لا سيما في حضور صاحب المقهى، فإذا ما انتهى محمد من تشطيب المقهى في حدود الةاحدة صباحاً، نام تحت النصبة مثل القتيل كي يستيقظ بعد ساعات قليلة، ليبدأ خلف النصبة يوم جديد.
.... لم يكن أحد يعرف شيئاً عن حياة محمد كنكه الخاصة، مثل من أين أتى، او أين أسرته، ولم يهتم أحد بمعرفة تلك التفاصيل، فهو حارس مرمانا الذي يتميز بالجسارة التي تتسم بالغباء. أما عن سلوكه معنا، فللحق كان منكسراً إلى حدٍ كبير، ولم يراه أحد يتشاجر أو يتشاحن أو يعلن غضبه من أحد ما، حتى أن زميله في الملعب، تعمد أن يضرب الكرة بكل قوته، فأصابت الكرة المنطقة الحساسة عند محمد فرقد يتلوى على الأسفلت من الألم عدة دقائق، ولم يحتج ولم يناقش، إذ نهض ووقف في مرماه، يتابع المباراة بوجه جامد يعبر عن إنكسار.
إلا مرة واحدة التي رأيته يحتج ويحتد ويناقش ويطالب في إصرار مدهش، الذي حدث أن مصطفى شوقي، وهو من شلتنا وكان طالباً في كلية الطب، أخذ سيجارة محمد كنكة المشتعلة، كي يشعل بها مصطفى سيجارته، وبدلاً من أن يشعل مصطفى السيجارة ويعيد إلى محمد سيجارته، تعامل مصطفى على أن الذي أخذه من كنكة ما هو إلا "عُقب" ، وبناء عليه رمى مصطفى بالعقب على الأرض.
ومضت ثلاث ساعات من الجال بين محمد كنكة وبين مصطفى شوقي، ثلاث ساعات من النقاش العقيم الذي لم يكن في مجمله إلا تكراراً لنفس الكلام ولنفس الحجج ونفس الدفاعات ونفس الإتهامات.
- أنا أديتك سيجارة.. صح ولا لأ!؟
فيقول مصطفى في برود
- لأ دي عقب
- لو كانت عُقب ماكنتش أخدتها مني... فين سيجارتي
- كل الناس شايفه أنها عقب
- اللي أديتهولك ترجعه
- أرجع لك عقب
- عقب بالنسبة لك أنت... أنت أخذت سيجارة تولع منها وترجعها لي,,,, صح ولا لأ!؟
أرجع لك عقب يا محمد؟
- أنت أحذتها علشان ترميها؟... انا اديتهالك علشان تولع وترجعها... ترميها ليه
- ماهو عقب وكان لازم يترمي
أنا اللي أرميه أكملها أولعه وأشربه... أنا أديتك سيجارة تولع منها لازم ترجعها لي تاني

ثلاث ساعات نفس الكلمات ونفس المعاني ونفس العبارات وكل منهما متشبث بموقفه، وعندما بعث صاحب المقهى يطلب منه العودة للعمل، بالرغم أن محمد كان يعمل لصاحب المقهى ألف حساب، إلا أن محمد لم يرجع إلى النصبة، إلا بعد تسوية تلك المشكلة، وبدت مسألة السيجارة وكأنها قصية حياة أو موت، حاولنا التدخل، وتبرع أحدنا بسيجارة كاملة قدمها إلى محمد، لكنه رفض بشدة، وأخرج من جيب الجلباب سيجارة أشعلها لنفسه.
كان لابد لهذا الموقف من نهاية، وبعد ساعة أخرى انهار مصطفى شوقي أمام تصميم محمد، فأخرج قرشا( ثمن السيجارة آنذاك ) ومد يده ليقدمه لمحمد، لكنه رفض بشدة. وكانت المرة الأولى- والأخيرة – التي أراه فيها يحتد ويغضب وقال:
- أنا أعطيتك سيجارة مش قرش ... انا عايز سيجارة
أذعن مصطفى شوقي، اشترى سيجارتين من الكشك القريب، واخذ لنفسه واحدة وقدم السيجارة الأخرى إلى محمد الذي أخذها، وراح ينظر إليها ملياً، ودار بنظره علينا، وفي حركة مسرحية ألقى بالسيجارة على الأرض، ثم هرسها بصندله المهترئ، وقد برزت منه أصابع قدميه المتسختين، ونظر إلى مصطفي شوقي في تعالٍ، وانصرف دون ان يتكلم بين دهشتنا.
كان ذلك هو الموقف الوحيد الذي رأيت فيه محمد كنكة قد أخ موقفاً ما، اما الموقف الثاني الذي لا أنساه ولا ينساه شارعنا، عندا اختفى حارس مرمانا فجأةً، فقد بعثه الأسطى رمضان صاجب ورشة الميكانيكا المجاورة للمقهى، كي يفك ورقة من فئة الجنيهات الخمسة، وكان راتب محمد الشهري هو أربعة جنيهات ونصف، أخذ ورقة الجنيهات الخمس واختفى عن المقهى وعن المرمى وعن المنطقة كلها، وحتى يومنا هذا.







اخر الافلام

.. عبير صبرى: أنا من عيلة -دحيحة- وأمى طردتنى من البيت بسبب الت


.. مقابلة مع مخرجة فيلم لسه فيه روح - ماريان رمسيس


.. مقابلة مع عفراء الجول الناقدة الصحفية المتخصصة بالشؤون الريا




.. بتحلى الحياة – عمر أبي عزار – مسرحية أميال غالية


.. بتحلى الحياة – فيلم شرعوا الحشيشة – النجم طوني عيسى والممثل