الحوار المتمدن - موبايل



افول الفلسفة الاسلامية قبل تجليها (55)

عماد علي

2019 / 3 / 15
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


اما ابن خلدون فانه يعتقد بان يعود خلط الفلسفة بعلم الكلام الى مابعد عصر الغزالي و ابن رشد، اي القرن السابع. يقول ان المتكلمين الذين اتوا فيما بعد، خلطوا مسائل علم الكلام بالمسالة الفلسفية، لانهما يتشابهان في الجوهر... الى ان اصبح علم الكلام مختلطا مع مسالة الحكمة و امتلأ كتبهم بها ( اي كتب علم الكلام بالفلسفة) وكأن الموضوع و المسالة شيء واحد ( 4)، النقطة الفارقة عنده هو ان عمل علم الكلام هو اثبات العقلانية في المباديء الدينية الذي اثبتها النقلانية، في الوقت ان الفلسفة هو العبور الى مستوى العلم الالهي بالعقل.
الهدف الرئيسي لابن خلدون في خلط الفلسفة بعلم الكلام و الذي ظهر خصوصا بعد الغزالي، يمكن ان يكون هو منطق ارسطو و الذي عُرف في التراث العقلاني الاسلامي ب ( المنطق الصوري) و كما نتكلم عنه في نهاية الكتاب. عدا ذلك هناك خلط اخر الذي هو عبارة عن عبور علم الكلام من متراس الاثبات و الدفاع عن المباديء الاسلامية وفق فهم ابن خلدون الاشعري، الى مستوى تشخيص العقل كطاقة و قدرة لتفسير المباديء الاسلامية و تاويله بالذات، كما هو عند المعتزلة، لذا ما يقوله الشهرستاني حول خلط الفلسفة بعلم الكلام، و ما يقصده به هو المعتزلة، اما ما يقوله ابن خلدون عن خلطهم فيقصد به علم الكلام الاشعري، الذي ارادت ان تصيب تلك التركيبة الغزالي في القرن الخامس، لان الراي السائد في المدرسة الاشعرية عبارة عن الحفاظ على المباديء الاسلامية و مناهجه من التاثيرات الاجنبية و الفلسفة، وبعكسه فان المعتزلة التي كانت لديهم استعدادا اكثر و افضل لاخذ المعطيات العقلية للشعوب الاخرى من اجل عملية التقوية العقلانية الاسلامية، و عليه ان الجاحظ المعتزلي الذي عاش في اواسط القرن الثالث الهجري، وهو العصر الذهبي لتنمية علم الكلام وكانت قوة عمل الترجمة للمؤلفات الفلسفة اليونانية بدعم السلطة العباسية في اوجها، و من الكلام عن صفات الشخص المتكلم، انه يعتقد ان هذا الخلط لعلم الكلام بالفلسفة، هو حاجة عقلية و عامل لتقوية الخطاب الديني بشكل عام. لذا يقول( الشخص المتكلم لا يتمكن ان يجمع كافة جوانب العلم و تكون له السلطة على تلك المهنة و لا يفيد الريادة ( في هذا المجال) الى ذلك الحد الذي يتعلم ان يتكلم عن الدين، بالحد ذاته لا يتعلم ان يتكلم عن الفلسفة. العالم عندنا هو ذلك الشخص الذي يجمع الاثنين معا (5). كما راينا سابقا ان عملية الترجمة للمؤلفات اليونانية و كما يتحدث عنها الشهرستاني كانت متساوية مع عملية التغيير في علم الكلام، وهذا بقراءة النتاجات الفلسفية المترجمة من قبل اهل الكلام و في النهاية تؤدي الى اثراء العقلانية الكلامية بالفلسفة. الشهرستاني يتكلم عن التابعين لواصل بن عطاء والمعروفين ب( الواصلية)، يقول؛ هؤلاء يردون صفات الله، و يقول ايضا ( ان هذا التوجه لم ينضج في البداية ( و عليه فان واصل بن عطاء طرح توجهه في البداية بشكل بسيط و سهل. و لكن بسبب قراءة تلامذته و التابعين لواصل الكتب الفلسفية ( 16)، تعمق هذه التوجهات و حصلوا على الكثير من الدلائل الفكرية). و من الممكن ان يكون ابن خلدون ابرز تلك الشخصيات التي اهتمت بعوامل الخلط و كيفية الخلط و في النهاية حدود فصل علم الكلام و الفلسفة بشكل واضح. عنده الفيلسوف هو من يفكر في المخلوقات مما خلقوا و كيف تركبوا، و انما المتكلم ينظر الى الجسد، في الوجهة التي تدل على الفاعل) ( 7). اي ان عمل الفيلسوف هو تفسير و تحليل و في النهاية تقييم الوجود، اما عمل المتكلم هو التدقيق في الوجود للوصول الى االصانع و خالق الوجود. عند الاول المصدر هو العقل و في الثاني المباديء و الايمان العقلاني. و بالشكل ذاته الجرجاني ( في القرن التاسع الهجري) في مؤلفاته الخاصة في تعريف مصطلحات الفلسفة والكلام في التراث الاسلامي، و في الفصل بين الفلسفة و علم الكلام، يقول( الكلام هو علم حول ذات الله و صفاته و الظرف الممكن في البداية و النهاية و يبحث فيه وفق الشرائع الاسلامية. (8). هذه الفقرة الاخيرة ( اي وفق الشرائع الاسلامية) من اجل ( علم العبادة ان تُفصل عنه الفلاسفة)، فتعتمد الفلسفة على القوانين العقلية و غير ملتزمة باي نص مقدس، و لكن ان كان في البداية اثبات علم الكلام هو ما اقرت به النصوص مسبقا ( بدون شك وفق فهم الاشعري لعلم الكلام)، اما في المراحل التالية، فان هذا العلم اختلط بالمعطيات الفكرية الفلسفية و فقد هذا الواجب، لذا ابن خلدون بنفسه يقول ( عندهم و ما جاوءا فيما بعد، ان الطريقين قد اختلطتا مع البعض و اختلطت المسائل الفلسفية بالمسائل الكلامية(9). ان سبب ذلك و كما قاله الشهرستاني، بما يقوله ابن خلدون مشيرا الى ما فعل ذلك المعتزلة بداية. كما ابو هذيل العلاف اتبع الفلاسفة و ابراهيم النظام قرا كتب الفلاسفة، لذا وقعوا تحت تاثيرهم (10). الاختلاف بين الفلسفة و الكلام هو: الاول هو البحث في العثور على الحقيقة و انما الكلام هو محاولة لاثبات و الدفاع عن الحقيقة ( المباديء الدينية)، لذا ( مرجع الفيلسوف هو العقل في الوقت ان مرجع المتكلم هوالدين بنفسه (11), و هذا ليس بشيء سهل و اعتيادي، ان الحدود بين هاتين الاثنتين ان كانت في البداية مختلفة و ان امكن من الناحية النظرية ان تُفصل بسهولة، و لكن عند الالتفات الى تاريخ الكلام والفلسفة مثلا في الفضاء الاسلامي، ستتعقد هذه المعادلة، لانهم كانوا عدوا للفلاسفة امثال الفارابي و ابن رشد، فكانوا هم متدينين و ملتزمين بدينهم و دافعوا عنه، في المقابل ان اهل الكلام كثيرا وفي الكثير من المحطات عثروا على العدد من الدلائل و الحقائق الفلسفية التي لم يتمكنوا من الخروج منها. و كما ان الفلاسفة اضطروا ان يميلوا الى المعطيات الفلسفية بشكل يتناسب مع المباديء الدينية. و لهذا السبب، ان علم الكلام الاسلامي برز فيه التعمق و التدقيق الاكثر لكونه قد اُدخلت بعض من المفاهيم و المناهج الفلسفية في مجاله، لذا فان ابن خلدون يصنف هذا العلم الى شكلين وفي طريق عصرين. علم الكلام السابق و الذي يقصد به هو عصر ابو الحسن الاشعري و التابعين له كما هو الباقلاني، مع علم الكلام الجديد و الذين جائوا بعد القرن السادس و ما بعده. و لهذا السبب كان هو مؤيدا لعلم الكلام السابق، العصر الذي لم يختلط فيه الفلسفة بذلك العلم و لم يخسر طهارتة او نزاهته و اسلامه، و كان هذا الفصل وفق خلط المنطق و الفلسفة بذلك العلم، و كما قلنا من قبل، ان علم الكلام لم يكن دفاعا فقط انما كان نموا عقلانيا اسلاميا، و لكن خلطه بالفلسفة و كما طرح مواد جديدة لتقوية نفسه، في الوقت ذاته صنع مشاكل جديدة لنفسه وفق فهم رجال الدين، لان من هنا اختلط علم الكلام مع مجموعة من المجالات العقلية الجديدة، و الذي منع ذلك عن نفسه من قبل، مثل علم الاله و الميتافيزيقيا.







اخر الافلام

.. المدن الأغلى والأرخص عالميا


.. الجزائر.. أحزاب السلطة مع مطالب الشعب


.. ليبيا.. جهود الحل وآمال المؤتمر الوطني




.. بلا حدود-الأكاديمي السعودي سعيد الغامدي.. الأوضاع السياسية و


.. الرئيس التونسي يدعو لتعديل الدستور الجديد لتقليص سلطات رئيس