الحوار المتمدن - موبايل



أوجه تقدم حزب الله وحدوده

كريس هارمان

2006 / 11 / 16
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي


يمثل شيعة لبنان، من الناحية التارخية، قطاع السكان الأكثر عرضة للاضطهاد. لا يعني هذا أنهم كانوا دوما بأسرهم عمالا وفلاحين. كان ثمة دائما حفنة أسر بالغة الثراء، وكذا فئة من الطبقة الوسطى مكونة من الحانوتيين، والتجار، و ذوي المهن الحرة. لكن نسبة أكبر من الشيعة كانت، قياسا بباقي مجموعات البلد الدينية، تنتمي إلى الطبقات الدنيا- كان الشيعة "ممثلين بمعدل أكبر نسبيا في الطبقة الكادحة بالقطاعات المتخلفة من الزراعة والصناعة"(1). وحتى الطبقات الوسطى كانت مضطهدة بفعل بنية الدولة الموروثة عن الامبريالية الفرنسية، التي وزعت السلطة السياسية بين قادة المسيحيين الموارنة، والمسلمين السنة والدروز. وبعد انسحاب الفرنسيين كانت 40% من المناصب الادارية السامية بيد الموارنة، و27% بيد السنة، و3.2 % فقط بيد الشيعة (2). وتواصلت أوجه الميز هذه كليا، بنسب أقل، حتى اتفاقات الطائف التي أنهت الحرب الاهلية في العام 1989.

--------------------------------------------------------------------------------




أصول حزب الله

نشأ حزب الله، بما هو حركة، عن تفاعل عنصرين. أولهما متصل بالثورة الايرانية للعام 1979، التي رفعت إلى سدة الحكم نظاما بقيادة رجال دين شيعة. وكان لبعض رجال الدين الشيعة اللبنانيين روابط ثقافية وعائلية مع الايرانيين الظافرين، وكانوا يستوحون إيديولوجيتهم التي تقترح تجاوز الاضطهاد والفقر بخلق " جماعة إسلامية" توحد الفقراء والأغنياء، متخلصة من الجشع والتذرير الناتجين عن " التأثيرات الغربية". وكان يسعون إلى إحداث التغيير بمزاوجة المواعظ الدينية بإنشاء حركة اجتماعية وسياسية حاملة لمهمة تخفيف وقع الفقر معتبرة مهمة أساسية"، لا سيما بجنوب لبنان، والبقاع الشرقية، وفي "مناطق البؤس المحيطة ببيروت".(3)

وتمثل العنصر الثاني في اجتياح إسرائيل للبنان في 1978 و1982، بهدف سحق الفلسطينيين. وأصبح جليا بسرعة أن سكان لبنان المحليين، لاسيما الشيعة، هم من يعاني من الاحتلال الاسرائيلي. وفي سهل البقاع عمد رجال الدين الشيعة الجذريين، بتعاون مع فيالق هامة من الحرس الثوري الإيراني، إلى خلق منظمة حرب عصابات قادرة على الاضطلاع بمقاومة الاحتلال الاسرائلي. ولم يقتصر التدريب على العسكري منه، بل شمل مضمونا دينيا كبيرا، يتوخى تفانيا حادا في النضال:" يجب أن يمر مقاتلو حزب الله بالجهاد الأعلى، أي التحويل الروحي بالدين، إن هم أرادوا تملك ناصية الجهاد الأدنى أي الكفاح المسلح الذي يتطلب الاستشهاد. تمكن مقاتلو حزب الله، بالتعالي على رغباتهم الشخصية والدنيوية، وبقبول فضائل الشهادة، من إشاعة الخوف بين أعدائهم (4).

كان قبول الشهادة يعتبر أساسيا للنضال- لم يمكن تصحيح " لاتوازن القوة" الناتج عن تفوق الاسرائيليين في التسلح" سوى بالشهادة" (5). و كان التزام ديني عميق بالمذهب الشيعي لازما لتحصيل الحالة الذهنية المطلوبة. لكن العمليات الانتحارية لم تكن بأي وجه شكل النضال المعتاد أو الغالب. " كانت الأسبقية تولى للمناهج التي لا تجعل الاستشهاد ضروريا... لم تحص سوى إثنتي عشر عملية بالسيارات المفخخة". كان الاستشهاد يتم أساسا بعمليات"لانمطية" كان الموت إحدى "نتائجها المنتظرة" (6).

تمثل مفتاح استراتيجية حزب الله ضد جيش الاحتلال الاسرائيلي بجنوب لبنان، من 1982 إلى 2000، في ضرب العدو بكيفية غير منتظرة، وعدم خوض معارك ُيزعم أنها بطولية لكنها في الواقع كارثية. هكذا ارتفع عدد العمليات من 100 في 1985-89 إلى 1030 خلال 1990-95 و 4928 خلال 1996-2000 (7)، ومنح الارتباك الذي انسحب به جيش إسرائيل في الأخير ازدهارا كبيرا لشعبية حزب الله. كان حزب الله، حسب بعض المصادر، يضم قبل 3 سنوات 20 ألف مقاتل و5000 رجل أمن" (8).

وبلغت شعبيته مستوى جعل غير الشيعة يسعون إلى الانضمام إلى عمله المقاوم، ودفعه إلى تشكيل وحدات من مقاتلي حرب العصابات خاصة بهم- مع تيقنه من بقاء الإشراف العام بيد "أتقياء". و يضم التيار الاسلامي في حزب الله، حسب حمزة، مجموعات سنية تنسق أنشطتها مع حزب الله، علاوة على ألوية المقاومة اللبنانية التي تضم إسلاميين وغير إسلاميين على السواء(9). كما نسق خلال حرب 33 يوما أعماله مع مجموعات مقاومة مستقلة، مثل تلك التي يقودها الحزب الشيوعي اللبناني.

ومثلما لم يبدأ حزب الله كمنظمة عسكرية فقط، هو اليوم أكثر من ذلك. فقد تطورت شبكته للحماية الاجتماعية، بمصحاتها، ومشافيها، ومدارسها، و بورصاتها الطائفية والتربوية، بشكل كثيف، لدرجة أنها، حسب بعض المصادر، تفوقت على مؤسسات الدولة اللبنانية في ضاحية بيروت الجنوبية، وسهل البقاع وجنوب لبنان (10). و يُقال، مثلا، أن وحداتها الطبية عالجت نصف مليون شخص خلال سنة. وانتقل حزب الله، بقصد تمتين ما يحظى به من دعم، من تزويد الشيعة بالخدمات نحو سنة ومسيحيين ودروز في المناطق التي يتحكم بها. ولحزب الله قناة تلفزية كاملة التجهيز – المنار- حيث يسود" مناخ شركة كبرى بمئات المستخدمين" (11) و " لتياره النقابي ممثلون في الفدرالية اللبنانية للعمل، والنقابات اللبنانية، واتحاد المزارعين اللبنانيين، la Lebanese University Faculty Association والجمعية النقابية للمهندسين و جمعية طلاب الجامعة الللبنانية."(12)

إن شبكة الأنشطة والمنظمات هذه هي ما يفسر الدعم الشعبي الذي بناه الحزب، والذي يتيح له العمل تحت أبراج الدبابات الاسرائيلية. كما أتاحت له الاندماج في قلب المؤسسات العامة اللبنانية، ممارسا تأثيرا على السلطات المحلية، والبرلمانيين، وعلى عضوين بالحكومة منذ السنة الماضية.

من مساومة إلى اخرى

لكن هذا يستلزم مساومات وهي صنفان.

يتعلق الصنف الأول بقاعدته الدينية. فالشيعة أقلية بالمجتمع اللبناني، رغم أنهم اليوم الأقلية الوحيدة الأكبر، وثمة بين الشيعة قوى سياسية أخرى غير حزب الله. وجب على قيادة حزب الله، لكي تبني تأثير منظمتها في هكذا وضع- ولتفادي الزج بالبلد في حرب أهلية دينية أخرى- أن تتخلى عمليا عن مطلب دولة إسلامية شيعية، وهي القاعدة التي بُني عليها الحزب بتأثير من الخميني(13).

يستشهد نعيم قاسم، مؤرخ الحزب، بسورة من القرآن تعارض الإكراه في مجال الدين، ويعلن بالتالي أنه " لا يكون خلق دولة إسلامية بتبني مجموعة أو منظمة له ثم فرضه على باقي المجموعات". ويقول إن حزب الله يدعو إلى "إقامة نظام إسلامي مبني على الاختيار الحر والمباشر للشعب وليس بالإرغام كرها ..."، و" إننا نؤمن بأن تجربتنا السياسية بلبنان تبين أنها ترسيمة متناغمة مع منظور إسلامي في مجتمع مختلط- مجتمع لا يتبع نمط تفكير إسلامي" (14). وقد أولى حزب الله في انتخابات البلديات أهمية كبرى للمسائل الاقتصادية والاجتماعية"، وقدم مرشحيه على قاعدة غير طائفية، مؤكدا على الصدق والجدية في تسيير البلديات" (15).

لا يعني هذا أن حزب الله تحول إلى منظمة حيث تسود حرية الفكر. فقد استعمل سابقا سلاحه ضد معارضيه – في بداية سنوات 1980 ضد بعض مقاتلي المقاومة الشيوعية وضد منافسه الشيعي حركة أمل ( رغم أن مناضلين شيوعيين عديدين انضموا إليه بعد ذلك بقليل وهو يتعاون اليوم مع الحزب الشيوعي كما مع حركة أمل)، وما زال قادته متمسكين بمقاربة دينية، باذلين ما بوسعهم للحصول على قبول تصوراتهم (مثل الحجاب) في المناطق التي يتحكمون بها. ويحاولون إدارتها مستعملين تأويلهم للشريعة (الذي يؤكد جدا على دور القضاة المسلمين في التوسط في النزاعات، وهذا بقصد تحطيم تقاليد الثأر العائلية القديمة) (16). لكن كون قادته يمدون اليد لغير الشيعة، وحتى لقوى غير دينية لمحاربة "الشيطان الأكبر" الأمريكي و"الشيطان الأصغر" الاسرائيلي، عنصر يناقض وجهة النظر الدينية الضيقة التي انطلقوا منها، وكانت أحد عوامل الانشقاقات السابقة داخل قيادة حزب الله (17). وهذا تناقض سيزداد تعمقا بقدر ما ستكبر عالميا المقاومة غير الشيعية وغير الاسلامية للامبريالية.

ورغم كل شيء، يمتزج هذا التناقض بمساومات من طابع آخر – مع الدولة اللبنانية وباقي الأحزاب بلبنان حتى المصطفة منها إلى جانب الامبريالية و مع باقي الدول العربية. يستند النظام السياسي اللبناني على اتفاقات أبرمها قادة سياسيون داخل كل مجموعة دينية مع باقي المجموعات بقصد الحفاظ على ما يكفي من دعم الدولة لأجل الإبقاء على ولاء أنصارهم. يمكن أن يحصل في هكذا نظام نزاع كبير بين مختلف الأحزاب، قد يصل مستوى صراع مسلح، دون أن يوضع النظام السياسي والاقتصادي موضع سؤال. بعد أن ندد حزب الله في البداية بهذا النظام، اختار المشاركة فيه. وعقد اتفاقات انتخابية مع اليسار المعادي للامبريالية، وحتى مع اليمين الموالي للامبريالية. وشارك في الانتخابات على قوائم يقودها الحزب الشيوعي في النبطية وصور، لكنه انضم في بيروت إلى لائحة شكلها سعد الحريري، الملياردير المرتبط بالسعوديين، ابن رئيس الوزراء الأسبق المغتال. وبرر الاتفاق مع خصوم ايديولوجيين وسياسييين "بوجوب الحفاظ على التوازن الطائفي" (18). وقد أبرمت أحدث الاتفاقات مع الجنرال الماروني الذي كان وزيرا أولا في آخر أطوار الحرب الأهلية لسنوات 1980، ميشال عون.

وُيزعم أن هذه الاتفاقات قد حمت حزب الله هامشيا أثناء المواجهة مع إسرائيل. وقد قام الجنرال عون، سعيا إلى تحقيقه تطلعاته إلى الرئاسة بعد 15 سنة من المنفى، بمنح دعمه لحزب الله، وذلك بوجه خاص بتنظيم إيواء آلاف اللاجئين في قرى مسيحية بجبل لبنان. لكن الكتلة الموالية للغرب بقيادة الحريري، والمسيطرة بالحكومة، وضعت آمالها في هزيمة لحزب الله لتتمكن هي ذاتها من التحكم بجنوب البلد(19). لكن الحماية الفعلية لحزب الله كانت من قاعدته الاجتماعية الواسعة وقدراته القتالية- لو ضعفت هذه ولو لحظة لطعنه اغلب" حلفائه" على ظهره لحساب اصدقائهم بواشنطن وباريس والرياض. ولا جدال في ان هذه الاتفاقات تحد من قدرات فعله.

كان حزب الله يصوت ضد ميزانيات رفيق الحريري لان حكومته تشتغل، حسب قول الحزب، على منوال "مجلس ادارة" حيث يتصرف الحريري بالبلد كما باعماله (20). وقد اختار الحزب، بمشاركته بالحكومة في السنة الماضية، قبول هذه الطريقة في الحكم. ولن يؤدي هذا سوى إلى إضعاف قدرته على تحقيق تحسين شروط حياة الفقراء، التي بنى عليها قاعدته، وعلى زعزعة سطوة الساسة الطائفيين على أنصارهم. ويمكن لحزب الله أن يمنح خدماته الاجتماعية عبر شبكاته الإحسانية، لكن ليس بوسعه أن يكون بديلا لنوع الخدمات التي يجب على الدولة، وبإمكانها، أن تقدمها لو لم تنخرط في الرأسمالية النيوليبرالية.

كما تقلص تلك الاتفاقات السياسية قدرة حزب الله على النضال ضد الامبريالية والرأسمالية كما قد يريد أن يفعل. تعرض حزب الله في الطور النهائي لحرب الثلاثة وثلاثين يوما لضغط هائل لتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار، وهو ما انتهى إلى فعله. لكن هذا الاتفاق أبقى القوات الإسرائيلية بلبنان، ولم يمس الحصار الإسرائيلي، وأعطى لقوات قادمة من فرنسا فرصة دخول البلد- بينما كانت الحكومة الفرنسية وافقت الأمريكان في مسألة نزع سلاح حزب الله. وقد شرح زعيمه نصر الله قائلا:" نحن إزاء النتائج الطبيعية المعقولة والممكنة للصلابة الكبرى التي عبر عنها اللبنانيون انطلاقا من مواقعهم المختلفة" (21).

كانت الحكومة الموالية للامريكان"مهددة بالانهيار" عندما تبددت آمالها في نصر اسرائيلي سريع. " كان بقاؤها ذاته متوقفا على حزب الله. ولم يكن الحزب يرى بديلا لـ"الإجماع الواسع". هذا رغم أن " حكومة السنيورة جهدت، منذ انتصار حزب الله، لوقف وتأخير جهد إعادة الإعمار مع قبول المال الأمريكي... وأحدث مثال عن ذلك اعتراض الحكومة على أداء التعويضات لمن سببت الحرب بطالتهم- وهو إجراء اقترحه وزير العمل، ممثل حزب الله بالحكومة"(22).

لا يتعلق الأمر بتسويات داخل البلد وحسب. إذ يستند حزب الله منذ أمد طويل على تحالفه مع سوريا. يعلن نعيم قاسم، معبرا عن فكر حزب الله الرسمي، إنه" من الطبيعي جدا أن تتطابق رؤى حزب الله مع رؤى سوريا، لأن لا أحد في منأى عن المطامع الاسرائيلية". ويقول إنه يعتقد "بوجود علاقات استرتيجية بين إيران وسوريا" منذ الثورة الاسلامية، وأن "العلاقة مع سوريا هي مفتاح العقد لمواجهة الواجبات الإقليمية"(23). لكن لا شك أن النظام السوري لا تحفزه مبادئ مناهضة للامبريالية- ولا حتى مناهضة للصهيونية. فقد قدم إراديا دعمه للولايات المتحدة الأمريكية إبان الحرب الامريكية الأولى ضد العراق. و تدخل قبل ذلك بلبنان في العام 1976 لمنع انتصار تحالف اليسار اللبناني والفلسطينيين في الأطوار الأولى للحرب الأهلية، ثم نهج منتصف سنوات 1980 سياسة قائمة على منع إعادة إرساء الفلسطينيين لقواعد مسلحة بالجنوب. ويعترف نعيم قاسم:" قتلت سوريا 27 من اعضاء حزب الله لما تدخلت في بيروت لوقف الحرب الأهلية في 1987"(24). وليس سرا أن سوريا قد تتحالف مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية غدا لو أمكنها استرجاع هضبة الجولان التي تحتلها إسرائيل منذ 1967.

لكن حزب الله لا ينظر إلى جانب سوريا فقط. يؤكد نعيم قاسم بقوة أنه لا يتعين الإطاحة بأي دولة عربية مهما تورطت مع الامبريالية أو الصهيونية. بل يجب عليها" أن تتبى جملة تغييرات بقصد التصالح مع شعوبها"(25) و " يجب على القوى الاجتماعية النشيطة أن تجهد بهمة للاسهام في التحويل الايجابي بوسائل سياسية، بعيدا عن الصراع المسلح" (26). لكن "من يرفع شعار التحرر من الأنظمة العربية كمقدمة لتحرير فلسطين مخطئ لا يفعل غير تعقيد مهمة التحرير"(27)

وطبقا لهذه الرؤية "حيا حزب الله إلتزام قطر بالجنوب، فقد أُعطي للقطريين رغم علاقاتهم الوثيقة بالولايات المتحدة الامريكية وإسرائيل الضوء الأخضر لإعادة إعمار الجنوب ..."(28) [...]

قاعدة حزب الله الطبقية

إن حزب الله يخاطر، لما يستند على اتفاقات مع الدولة اللبنانية، ويرفض طريقة ثورية إزاء الدول الأخرى، بالسير في نفس طريق منظمة التحرير الفلسطينية طيلة سنوات عديدة. وفي هذه الحالة لن يترجم نصره في الصيف الفائت إلى استراتيجية نشيطة للمواجهة مع سيطرة دولة إسرائيل على الفلسطينيين، ولا مع خطط الامبريالية بالمنطقة برمتها.

والواقع أن طريقة عمل حزب الله تحكم عليه بالاتفاقات والمساومات. وشبكة منظمات المساعدة الاجتماعية، بالغة الأهمية لضمان لحم قاعدته الاجتماعية، لم تسقط من السماء. وهي تستدعي تمويلا. ومصادر التمويل من طابعين أساسيين: أولا الدولة الايرانية، حيث توجد قوى سياسية مؤثرة مستعدة للتفاهم مع الولايات المتحدة الأمريكية إذا جرى قبول إيران كقوة إقليمية هامة، وثانيا الطبقة المتوسطة الشيعية والمصالح التجارية بلبنان وبالخارج. إنها تتكون حسب حمزة من "هبات أشخاص ومجموعات، وأعمال تجارية، وشركات، وبنوك تشتغل بنفس طريقة نظائرها بالولايات المتحدة وكندا وأمريكا اللاتينية وأوربا واستراليا"، وعلى الاستثمارات التجارية لحزب الله التي " تستفيد من الاقتصاد الحر بلبنان" مع " عشرات الأسواق الكبرى ومحطات الخدمات، والمتاجر، والمطاعم، ومقاولات البناء ووكالات الأسفار" (29) . ليس مفاجئا والحالة هذه أن تقبل منظمة يتوقف اشتغالها بدقة على الرأسمالية برنامجا اقتصاديا "محافظا" (30) في الداخل، وترفض إطاحة حكومات عربية جارة. يعيد هذا إلى الأذهان الكيفية التي أضفي بها الاعتدال على البرنامج الاجتماعي الراديكالي لمنظمة الجيش الجمهوري الايرلندي – شين فاين بفعل تبعيتها لأموال المانحين الأسخياء بالولايات المتحدة الأمريكية بينما كانت تخوض حرب عصابات في شمال إيرلندا.

لكن الاشتغال داخل النظام يحبل بخطر عواقب أخرى على حزب الله، كما حدث لمنظمة التحرير الفلسطينية سابقا. يفضي ذلك إلى تبعية قادة المنظمة من رجال الدين الراديكاليين، المعادين للامبريالية وللصهيونية، لشريحة من مهنيي الطبقة الوسطى من شأنهم الإرتقاء في التراتب الاجتماعي، لتغذية شبكاتهم السياسية. "يتكون مرشحو حزب الله أو القوائم التي ساندها في 2004 أساسا من ممثلي المهن الحرة- مهندسين، أطباء، محامين ورجال أعمال" (31). وبما أن عناصر من هذا القبيل مسيطرة على وضع سياستهم، فقد لا يفاجئ كون المطالب الاجتماعية والاقتصادية الواردة في برنامجه للانتخابات المحلية ليست أكثر راديكالية من حزب العمال الجديد لتوني بلير:" تشجيع المواطنين على القيام بدور أشد نشاطا في عملية انتقاء مشاريع التنمية. وزيادة وظائف وسلط البلديات في مضمار التعليم والصحة والشؤون الاقتصادية-الاجتماعية. وخرط الأشخاص ذوي المؤهلات في مشاريع التنمية، وتمويل مشاريع التنمية من موارد البلديات ومن الهبات في الآن ذاته. وممارسة رقابة على الأشغال العامة والحؤول دون الاختلاسات، وتجديد البنى المادية والإدارية للبلديات ومدها بالتجهيزات الاعلامية" (32). [...]

أثر النصر

أحرز حزب الله نصرا هاما خلال الصيف، نصرا حد من إدعاءات إسرائيل، وحفز كل القوى المناضلة من أجل تغيير أساسي في الشرق الأوسط برمته. لكن لا يمكن أن يكون حزب الله الاداة السياسية التي سيحقق هذا التغيير. ولا يعود هذا أساسا إلى تصوراته الدينية، بل إلى أنه تتوارى خلف واجهة أفكاره علاقة بقوى طبقية لا يمكن أن تذهب أبعد من نقطة معينة في المواجهة، سواء مع إسرائيل أو مع الامبريالية. ثمة حقيقة يجب ترديدها مرارا وتكرارا: لايمكن أن يكون النصر ضد الامبريالية في بلد نتيجة نضال محدود بهذا البلد، أو هزم الصهيونية نتيجة معركة محصورة في فلسطين. ما يجب هو أن يتيح تقدم بلد ما إطلاق سيرورة ثورية في المنطقة بكاملها. سيساهم نصر حزب الله في ذلك بقدر ما يعطي منظورا متفائلا لما هو ممكن، على النحو ذاته الذي أغرقت به هزيمة 1967 مناضلي المنطقة في تشاؤم محبط.

من المرجح أن يعزز نصر حزب الله في طور أول جاذبية مختلف أشكال السلفية الاسلامية. لكن قد يحدث أيضا تبدل في تأويلات الإسلام ذات الصيت الشعبي. أدت هزائم الماضي إلى تشجيع تأويلات ضيقة للإسلام، كانت تؤكد على الصفاء الديني من جهة وعلى أشكال نخبوية من العمل المباشر الفردي من النمط الجهادي من جهة أخرى. وقد انطوى نشطاء عديدون بالبلدان التي فشلت بها تلك التأويلات، مثل الإعتراض على الدوليتن المصرية والجزائرية، في أشكال معتدلة من الاصلاحية الدينية. كما أن الأهمية التي كانت ممنوحة للتزمت الديني كانت تميل إلى مواجهة التأويلات الدينية المختلفة بعضها للبعض- لا الإسلام ضد باقي الديانات بل السنة ضد الشيعة. وقد كان ممكنا استعمال تلك الإنقسامات من طرف الامبريالية وعملائها، كما في باكستان أو على نحو دموي أكثر بالعراق، أو من قبل وصوليين انتهازيين ساعين إلى قاعدة سياسية.

سيعمل نصر حزب الله ضد هذه الميول. سيكون مثال حزب الله مفيدا لابراز إمكان التحالفات المتجاوزة للحواجز الدينية. لقد باتت الأنظمة العربية متخوفة من أثر النصر على أغلبياتها السنية. لكن ثمة أكثر من ذلك. النصر يوسع آفاق الناس الذين يبصرون إمكانات كانت حتى اللحظة غير منظترة. ومن شأن أمثلة عن النضال المضاد للإمبريالية ببقاع أخرى بالعالم- مثل المظاهرات ضد الحرب بالولايات المتحدة الأمريكية وأوربا، وسحب هوغو تشافيز لسفير فنيزويلا بإسرائيل- أن توسع أفكار الناس الذين يرون أن لهم حلفاء غير مسلمين، كما لهم في الأنظمة العربية القائمة أعداء مسلمون.

أمر جوهري في هذا كله تكرار أن طرائق حزب الله مناقضة لطرائق قاعدة بن لادن. هذا ليس فقط لأن حزب الله يرفض لفظيا الطرائق القائمة على وضع متفجرات لقتل مدنيين بالغرب أو بالعالم الثالث، بل لأن نجاحاته العسكرية توقفت على عمله الجماهيري. وتكمن حدوده في أنه لا يرى الحاجة إلى عمل جماهيري بين من يعانون من الامبريالية وحلفائها الرأسماليين المحليين بالعالم العربي- عمال وفلاحي مصر وسوريا والأردن، الخ. سيساعد نصره الواعين لذلك على إيجاد صيت بما فيهه من يدعو إلى تصورات إسلامية.

كريس هارمان

إحالات :

1- أحمد نزار حمزة In the path of the Hizbullah, Syracuse University Press, 2004, p. 13.

2- نفس المرجع ص 11

3- نفس المرجع ص 13 . كانت أولى جهود بناء " حركة للمستضعفين" من فعل موسى الصدر في 1974( اختفى خلال سفر إلى ليبيا في 1978)، لكن تطورها الأول تراجع إلى الظل بإندلاع الحرب الأهلية بلبنان.

4- المرجع ذاته ص 87 .

5- نعيم قاسم Hizbullah : The story from within, Saquibooks, Londres 2005, p. 74 .

6- المرجع ذاته ص 74-75

7- أحمد نزار حمزة، مرجع مذكور، ص 89

8- المرجع ذاته ص 75

9- المرجع ذاته ص 77

10- المرجع ذاته صفحات 50-55

11- المرجع ذاته ص 59

12- المرجع ذاته ص 67

13- راجع من أجل تعميق النظر في تغير حزب الله بصدد هذه المسألة أمل سعد غريب Hizbu’llah, politics and religion, Pluto, London, 2002, pp. 34-59.

14- نعيم قاسم مرجع مذكور ص 31

15- أحمد نزار حمزة، مرجع مذكور ص 123.

16- المرجع ذاته ص 105-108

17- يتحدث حمزة وقاسم عن هذه الانشقاقات لكن من وجهتي نظر مختلفتين.

18- أحمد نزار حمزة ، مرجع مذكور ص 126

19- حسب مرسالة خاصة لسيمون عساف من بيروت –6 سبتمبر 2006.

20- أورده أحمد نزار حمزة ، مرجع مذكور ص 121

21- أورده جلبير الأشقر في " حرب الثلاثة وثلاثين يوما وقرار مجلس الامن 1701" – أنبركور العدد 520 ص 9. يعطي هذا المقال تفسيرا ممتازا للتعابير المستعملة في القرار. [ صدر مقال جلبير الاشقر المشار إليه هنا بالعدد الثالث عشر من جريدة المناضل-ة ، ويوجد بوقعها الالكترونيwww.al-mounadhil-a.info (المعرب)]

22- مراسلة سيمون عساف ببيروت، 6 سبتمبر 2006.

23- نعيم قاسم ، مرجع مذكور ص.243

24- المرجع ذاته ص.240

25- المرجع ذاته ص.243

26- المرجع ذاته ص.244

27- المرجع ذاته ص.245

28- مراسلة سيمون عساف ببيروت، 6 سبتمبر ‏2006

29- نعيم قاسم، مرجع مذكور ص.64.

30- هذا الوصف أعطاه جلبير الأشقر في محادثة.

31- أحمد نزار حمزة، مرجع مذكور ، ص.135

32- المرجع ذاته، ص.123

كريس هارمان

صدر هذا المقال بالعدد 521-522 من مجلة إنبركور- نوفمبر 2006.

كريس هارمان عضو بحزب العمال الاشتراكي في بريطانيا. محرر مجلة International Socialism وكاتب كراسة النبي والبروليتاريا [يوجد الكراس معربا بموقع http://www.e-socialists.org ]

ننشر هنا مقتطفات مخصصة لتحليل حزب الله اللبناني من مقال أطول بعنوان " حزب الله والحرب التي خسرتها إسرائيل" يوجد نصه الكامل بموقع http://www.isj.org.uk العنوان والعناوين الفرعية من وضع هيئة تحرير أنبركور.


تعريب جريدة المناضل-ة








اخر الافلام

.. بدون فلتر | الموسم الثاني - الحلقة السادسة


.. هل سيقضي كارلوس غصن عيد الميلاد في زنزانة يابانية؟


.. التحالف الانتخابي لرئيس وزراء أرمينيا يحقق فوزا ساحقا في الا




.. ريفر بلايت يتوج بكوبا ليبرتادوريس بفوزه على غريمه بوكا جونيو


.. مرآة الصحافة الثانية 10/12/2018