الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين تتحول غرفُنا إلى مسارح..

مايا جاموس

2009 / 5 / 19
الادب والفن


"ميلودراما" : مسرحيّة في غرفة محمد وأحمد ملص
قدم الممثلان محمد وأحمد ملص عرضاً مسرحياً في منزلهما في العدوي، لجمهور وصل عدده إلى (15 متفرج). في غرفتهما التي امتلأت بصور العديد من المسرحيين السوريين والفنانين والكثير من البروشورات المسرحية، قاما بإقحامنا في عالمهما: إنهما ممثلان من الكومبارس، الشاب "نجم" يحلم بأن يؤدي دور هاملت على خشبة المسرح وأن يكون نجماً تلفزيونياً، أما المسنّ "أبو هاملت" فلا يزال يحلم باعتلاء خشبة المسرح ليقوم بتجسيد دور مهم من المسرح العالمي، وبشكل خاص الملك لير. ثم يبدأان بتعريفنا على معاناتهما كمواطنَين في مجتمعنا، ويقدمان لنا صورةً بانورامية سريعة مكثفة عن المشاكل العامة التي يعاني منها المواطن في هذا المجتمع: الفقر والبطالة والتهميش والعزلة والعيش في الأحلام، أثمان الحرية، تصادم الطموح بالواقع، الاضطرار إلى التنازل عن الحلم والرضا بالقليل من أجل المعيشة.... كل ذلك يقدمانه بشكل كوميدي مبالغ فيه، يحمل تناقضاً بين مأساوية الحالة وشكل تقديمها القائم على التنكيت والضحك، ومن هنا جاء اسم العرض "ميلودراما". ثم نتعرّف على أحلام هذين الممثلين، وكذباتهما بشأن التمثيل والحب، لنكتشف أنهما يعملان بتمثيل الإعلانات للمواد الاستهلاكية وتحديداً "العلكة"، أو بمشاهد قصيرة من التمثيل المسرحي أو الدوبلاج، وأن أياً منهما لم تنجح قصصه في الحب، بل انتهت بشكل مهين. ليبدوَا محاصرَين في هذه الحياة دون أفق ودون أمل بصعود خشبة المسرح بدور رئيسي، ولتتحول غرفتهما إلى مسرحهما الخاص الذي يمكّنهما من تقديم ما يحبان من أدوار، لكن ليكونا أسيري هذه الغرفة التي تحولت إلى سجن لهما ولنا نحن الجمهور… وليقوما بنوع من الربط الدلالي الرمزي بين مسرح صغير للفن وآخر كبير هو الحياة وكأنهما يريدان القول إن المسألة ليست محصورةً بأدوار في المسرح، بل بأدوار في الحياة، والبحث عن موقع فيها.

"الخشبة" أو فضاء حركة الممثلين كانت عبارة عن متر مربع بين الجمهور، لكنّ فضاء الغرفة بكل مكوناته من أثاث وأغراض وجمهور، كان فضاءً درامياً للعرض. هذه الحميمية والقرب من الممثلين أقحمنا في المسرحية، لتظهر أقرب ما يكون إلى هذيان أو بوح أمام مجموعة من الناس المقرّبين أو المؤتمَنين أو ربما الشركاء في المعاناة والحلم، ضمن جو من الحرية البعيد - على الأقل شكلاً- عن عين الرقيب وعن الرسميات،.

حمل العرض الأجواء العبثية، فلا الزمن ولا المكان محددان، وهما لا يعرفان في أي يوم أو أي فصل هما، يكرران ما قاما به قبل يوم دون علم بذلك، يتداخل الماضي بالحاضر والمستقبل وتغيب الأحداث، وتصبح التفاصيل دون معنى أو قيمة، كل شيء متشابه، ولا جوهري في الأمر سوى الحالة التي هما فيها. بل حتى يشيران إلى عبثية حالتهما بشكل مباشر: "نحن ننتظر غودو".. وهذا ينسجم مع الوضع الذي آلا إليه ويبدو كأنه أزلي أبدي لا مناص منه ولا جدوى من أي شيء لتغييره.
هاتان الشخصيتان رغم فرق السن بينهما لا يظهر تمايز بينهما، فهما تتشابهان في كل شيء، إلا إذا استثنينا بعض الاهتمامات مثل الاهتمام بالأغاني والشكل، يأتي حوارهما أيضاً متشابهاً وكأنه لشخصية واحدة، وهو أقرب ما يكون إلى الثرثرة الحياتية، لكنها تضمنت في بعض أجزائها حوارات مكثفة عن وصف حالتهما دون التطرق إلى تحليل أسباب الوصول إليها.

لفت النظر في هذا العرض توظيف الإضاءة العادية للغرفة، بين اللونين الأصفر والأبيض أو اللا إضاءة تم الإيحاء بتغيير الوقت أو الحالة الدرامية للممثلين، أيضاً استخدام المؤثرات السمعية وقد انبعثت من جهاز خلوي.
وفي النهاية أحضرَنا الممثلان ملص إلى غرفتهما ليقدما مسرح الحياة ، ليقولا إن المسرح موجود بيننا في بيوتنا وغرفنا الصغيرة، حياتنا هي مسرحية كبيرة. وفي الوقت نفسه ينبهنا العرض ويحرض أحلامنا وأمنياتنا تجاه المسرح في ظل أزمته وصعوبات تأمين خشبات للعرض: كم يوجد لدينا أماكن يمكن أن تكون مسارح، ويأتي إليها الجمهور. البارحة مسرحية "المهاجران" في ملجأ القزازين، واليوم مسرحية "ميلودراما" في غرفة محمد وأحمد ملص، فهل يصبح "المسرح في كل مكان" ظاهرةً معممة؟! نأمل ذلك.
مايا جاموس – مجلة شبابلك








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -أفلام الحروب- تحصد الجوائز الكبرى في مهرجان البندقية السينم


.. بعد غياب عدة سنوات...سيلين ديون تعود إلى المسرح في باريس أما




.. في ذكرى رحيل بليغ حمدي.. رحلة «ساحر الألحان» من شبرا إلى كبا


.. تعمير - اعرف أكتر عن مدينة الفنون والثقافة الصرح الحضاري الك




.. جوائز عالمية لأفلام فلسطينية وثقت حرب غزة والسردية الوطنية