الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مظفر النواب ينصف دمشق !

جمال محمد تقي

2009 / 10 / 8
الادب والفن


قيل في الامثال ، الذي ما يعرفك ما يثمنك ، وقيل ايضا اذا لم تستحي فقل وفعل ما شئت ، وهكذا فعل صناع حكام المنطقة الخضراء عندما رموا دمشق بقيحهم واسقطوا ما فيهم عليها ، معتقدين انها اضعف من ان ترد عليهم ، وهم يحتمون بمظلة الغازي وجنوده وكلابه التي تشمشم حتى انوفهم تصغيرا وتنكيرا ، نسوا ان دمشق تسكن العراق والعراق يسكنها ، فاهل العراق هم الاجدر بالرد !
جاء الرد من ضمير عراقي اصيل ، من روح شفافة تحمل طيبة وظل النخيل ، من صوت مدوي لا يقبل التدجيل !

مظفر النواب يكتب عن دمشق

إنها دمشق

إنها دمشق

شقيقة بغداد اللدودة، ومصيدة بيروت، حسد القاهرة، وحلم عمان، ضمير مكة،

غيرة قرطبة، مقلة القدس، مغناج المدن وعكاز تاريخ لخليفة هرم.‏‏‏‏‏


إنها دمشق امرأة بسبعة مستحيلات، وخمسة أسماء وعشرة ألقاب، مثوى ألف ولي

ومدرسة عشرين نبي، وفكرة خمسة عشر إله خرافي لحضارات شنقت نفسها على

أبوابها.‏‏‏‏‏


إنها دمشق الأقدم والأيتم، ملتقى الحلم ونهايته، بداية الفتح وقوافله،

شرود القصيدة ومصيدة الشعراء.‏‏‏‏‏


من على شرفتها أطلّ هشام ليغازل غيمة أموية عابرة،"أنى تهطلي خيرك لي "

بعد أن فرغ من إرواء غوطتها بالدم، ومنها طار صقر قريش حالماً، ليدفن تحت

بلاطة في جبال البرينيه.‏‏‏‏‏


إنها دمشق التي تحملت الجميع، قوادين وحالمين، صغار كسبة وثوريين، عابرين

ومقيمين، مدمني عضها مقلمي أظفارها وخائبين وملوثين، طهرانين

وشهوانيين....


رَضَّعت حتى جفَّ بردى، فسارعت بدمها بشجرها وظلالها، ولما نفقت الغوطة،

أسلمت قاسيونها (شامتها الأثيرة) يلعقونه يتسلقونه، يطلون منه على جسدها،

ويدعون كل السفلة ليأخذوا حصتهم من براءتها، حتى باتت هذه مهنة من يحبها

ومن لا يقوى على ذلك لكنها دمشق تعود فتية كلما شُرِقَ نقي عظامها.‏‏‏‏‏



إنها دمشق أيها العرب العاربة والمستعربة قِبلة سياحكم، ومحط مطيكم، تمنح

لقب الشيخ لكل من لبس صندلا واعتمر دشداشة ولا تعترف إلا بشيخها محي

الدين بن عربي‏‏‏ ،هو من لم تتسع له الأرض، حضنته دمشق تحت ثديها وألبسته

حياً من أحيائها فغنى لها " كل ما لا يؤنث لا يعول عليه"‏‏‏‏‏



إنها دمشق لا تعبأ باثنين، الجلادين والضحايا، تؤرشفهم وتعيدهم بعد لأي

على شكل منمنمات تزين بها جدرانها أو أخباراً في صفحات كتبها، فيتململ

ابن عساكر قليلا يغسل يديه ويتوضأ لوجه الله ويشرع بتغطيس الريشة في

المحبرة، لا ليكتب بل ليمرر الحبر على حروف دمشق المنجمة في كتابها



دمشق التي تتقن كل اللغات ولا أحد يفهم عليها إلا الله جل شأنه وملائكة عرشه.‏‏‏‏‏



دمرَّ هولاكو بغداد وصار مسلماً في دمشق، حرر صلاح الدين القدس وطاب

موتاً في دمشق، قدم لها الحسين إبن علي ويوحنا المعمدان وجعفر البرمكي

رؤوسهم كي ترضى دمشق، وما بين قبر زينب وقبر يزيد خمس فراسخ ودفلى على

طريقة دمشق.‏‏‏‏‏



إنها دمشق لا تحب أحداً، ولا تعبأ بكارهيها، متغاوية ووقحة ترك4 عشاقها

خارجاً بقسوة نادرة كي لا ينسفح الكثير من دمهم، وتتفرغ للغرباء الذين

ظنوا أنفسهم أسيادها ليستفيقوا فجأة وإذ بهم عالقين تحت أظافرها.‏‏‏‏‏





لديها من الغبار ما يكفي لتقص أثر من سرقها فتحيله متذرذراً على جسدها.‏‏‏‏‏



لديها من العشاق ما يكفي حبر العالم.‏‏‏‏‏ من الأزرق ما يكفي لتغرق

القارات الخمس .



لديها من المآذن ما يكفي ليتنفس ملحديها عبق الملائكة، ومن المداخن

ما يكفي "لتشحير" وجه الكون.‏‏‏‏‏



ولديها من الوقت ما يكفي لترتب قبلة مع مُذنَّب عابر، ومن الشهوة ما يد عو

نحل الكون لرحيقها.‏‏‏‏‏

لديها من الصبر ما يكفي لتنتشي بهزة أرضية، ومن الأحذية و"الشحاحيط "

المعلقة في سوق الحميدية ما يكفي للاحتفال بخمسين دكتاتور.‏‏‏‏‏


لديها من الحبال ما يكفي لنشر الغسيل الوسخ للعالم أجمع، ومن الشرفات ما

يكفي سكان آسيا ليحتسوا قهوتها ويدخنوا سجائرهم على مهل.‏‏‏‏‏



لديها من القبل ما يكفي كل حرمان المجذومين، ومن الصراخ ما يكفي ضحايا

نكازاكي وهيروشيما‏‏‏‏‏


لديها من النهايات ما يكفي ثمانين ألف رواية، ومن الأجنة ما يكفي لتشغيل

الحروب القادمة.‏‏‏‏‏

لديها شعراء بعدد شرطة السير، وقصائد بعدد مخالفات التموين، ونساء بكل

ألوان الطيف وما فوق وتحت البنفسجي والأحمر.‏‏‏‏‏



لا فضول لدمشق، لا تريد أن تعرف ولا أن تسرع الخطى، ثابتة على هيئة لغز،

الكل يلهثُ يرمحُ يسبحُ، وهي تنتظرهم هناك إلى حيث سيصلون.‏‏‏‏‏


دمشق هي العاصمة الوحيدة في العالم التي لا تقبل القسمة على اثنين في

أرقى أحيائها تسمع وجع "الطبالة"، وفي ظلمة "حجرها الأسود" يتسلق كشاشي

الحمام كتف قاسيون ليصطادوا حمامة شاردة من "المهاجرين".‏‏‏‏‏


دمشق لا تُقسم إلى محورين، فليست كبيروت غربية وشرقية، ولا كما القاهرة

أهلي وزملكاوي ولا كما باريس ديغول وفيشي ولا هي مثل لندن شرق وغرب

نهر التايمز ولا كمدن الخليج العربي مواطنين ووافدين ولن تكون كعمّان

فدائيين وأردنيين، ولا كبغداد منطقة خضراء وأخرى بلون الدم ....‏‏‏‏‏


دمشق مكان واحد فإذا طرقت باب توما ستنفتح نافذة لك من باب الجابية وإذا

أقفل باب مصلى فلديك مفاتيح باب السريجة‏‏‏‏‏ وإن أضعت طريق الجامع الأموي ،

ستدلك عليه " كنيسة السيدة "


لا تتعب نفسك مع دمشق ولا تحتار فهي تسخر من كل من يدعي أنه يحميها

ومن يهدد بترويضها، فتود أن تعانقها أو تهرب منها، تلتقط لها صورة أو

تحمضها كلها، تود أن تدخلها فاتحاً أم سائحاً، مدافعا أو ضحية، ماحياً أو

متذكراً كل شيء دفعة واحدة.‏‏‏‏‏


فتخرج سيجارة حمرا طويلة تشعلها بخمسة أعواد كبريت ماركة" الفرس"، وتقول

جملة واحدة للجميع (إنها دمشق يا أولاد ...(القحبة)

دمشق حاضنة من يستجيرها من اهلنا ، دمشق وبغداد جسد واحد اذا اشتكى منه عضو تدعى له الباقي بالسهر والحمى ،
هذه دمشق التي نعرفها ويعرفها مظفر النواب وسعدي يوسف والجواهري وعبد الرزاق عبد الواحد وكل مبدعو العراق ومثقفوه الاصلاء ، اما الطارئين واحكامهم فانها ستنتهي الى حيث ينتهون ومن دون ذكر ، فالخواء لا يطول الا الخواء !








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - حبيبتنا دمشق التي نعرفها
نادر عبدالله صابر ( 2009 / 10 / 8 - 12:12 )
نعم نحن نعرف دمشق حق المعرفة ومعرفتنا بها هي وليدة تجارب ومشاهدات حية ولا داعي لان يعرفنا بها احد , من منا لا يعرف كيف اهدت دمشق طهران صواريخ لتدك بها اختها التوأم بغداد ومن منا لا يعرف كيف قامت دمشق بكل عنفوان وحماسة لتبعث جيوشها الى حفر الباطن مع الاصطفاف العالمي ضد بغداد ,, ومن منا لا يعلم علم اليقين بالمجاهدين الافاكين المجرمين الذين قطعوا الحدود من سوريا الى العراق ليعيثوا به الدمار وسفك الدماء دمشق كانت دوما متميزة لانضال عن طريق الميكروفونات وتعشق قتال الاعداء حتى اخر فلسطيني وحتى اخر لبناني وحتى اخر عراقي المهم ان تبقى بمنأى عن الخطر ولو ادى ذلك لان تحلق طائرات اسرائيل فوق قصور قائدها وحتى لو قامت اسرائيل بضرب عمقها وحتى لو انسلخت الجولان بدون قتال وحتى لو تقسمت لبنان الى الف شظية وحتى لو افنى الفلسطينيون انفسهم بانفسهم يبقى المهم ان تظل دمشق تردد باغانيها الثورية والنضالية وهذه هي دمشق التي اعرفها ايها الشاعر


2 - دمشق
يزن شقير ( 2009 / 10 / 8 - 14:02 )
دمشق ليست سياسة وليست حرب وليست ما يضنون
فكل هذه السياسات وهذه التخاريف مصيرها إلى التاريخ

مظفر النواب تكلم عن دمشق الشعر .دمشق القديمة والأزقة الباكية ..دمشق الأناس البسطاء .دمشق الثقافة العربية كما ولدت وكبرت بأحضانه


3 - رائع
رحيم الغالبي - رئيس تحرير مجلة انكيدو ( 2009 / 10 / 8 - 21:58 )
رائع وذوق ادبي مميز
اختيار و حس ادبي وثقافي
تجده هنا
http://m1.ankido.net/index.php


4 - لماذا يا حوار متمدن
ابو يزن ( 2009 / 10 / 8 - 22:02 )
نشرتم تعليقي في البدايه ثم حذفتوه الانه يصيب الحقيقه ويدافع عن العراقيين لاتنظروا لمن فال بل الى ما ذا قال سانشر تعليقي في مواقع اخرى


5 - يكفي ان مظفر نبضه ماركسيا حتى النهايه
عزيز الملا ( 2009 / 10 / 9 - 09:31 )
لكل منا وجهة نظره ..فقد تكون هذه الوجهة نظر نابعه من ترف وقد تكون نتاج معاناة محسوسه وموجعه لاصحابها ..
فعليه يجب ان ندع حكامهم وحكامنا ونمعن فيما نعانيه من دمار وكوارث فهي قادمه منهم لامحال..قادمه من دمشق ومن طهران والكويت والرياض والقاهره و....وهذا مايتناوله ويحسه الشارع العراقي المدمى
وعن المبدعين الذين ذكرتهم في نهاية مقالتك ,فبعضهم طبال ومزمر لااكثر
وسيبقى مظفر شاعرا كبيرا وعملاقا في قلوب العراقيين ..الا يكفي انه في هذا السن وصوت لقائمة اتحاد الشعب
تحياتي للجميع
عزيز الملا


6 - لاتبتأسوا
عبود العراقي ( 2009 / 10 / 9 - 20:02 )
لكل امِ عراقية ثكلى ..
لكل زوجة مهضومه
ولكل والدٍ مفجوع
لكل أختٍ وأخٍ حزين
ستورق دماء اطفال العراق شعراً وموسيقى وفرحاً
برغم ألألم سيبني ألعراق ..أبناؤه ( ألمرابطون) على أرضه
سيرتفع ألبناء بمن مسكوا ألتراب ..لابمن يترفع عليه
لابمن طبـّل للجلادين ..ولامتسكعي ألحانات ..
لا بمن يريد ثمناً من فقراء ألعراق ..لآنه يوماً ما كان منهم..
لا أأسف
ولا تبتأسوا ياعراقيون ..

اخر الافلام

.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_


.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن




.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل


.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا




.. فيلم -الغريبة- لغايا جيجي: فيلم يستكشف أبعاد الإغتراب في رحل