الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
التغيير كعلاج نفسي للشعوب العربية
منير شحود
2011 / 2 / 15الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
النصائح التي لم يبخل أحد بتقديمها حول ضرورة إجراء الإصلاحات التدريجية الحقيقية لم تلق أذناً صاغية في بلداننا، وبقيت الاستجابة محصورةً ببعض الأشياء الخجولة من باب رفع العتب كلما اشتد الضغط أو الخوف. ومع امتداد التغيير في المنطقة وتحوله إلى حقيقة وصيرورة ثابتة أطاحت بنظامين استبداديين بأقل الخسائر، فإن الاستعداد ضروري للمرحلة القادمة التي ستشهد التغيير المنتظر بلا ريب.
وقدمت الثورتان التونسية والمصرية تجربة غنية وجديدة، مثلما ثبَّتت حقائق عامة حول كيفية اندلاعهما. فالشباب الذين متوسط أعمارهم 25-30 سنة هم من فجر الثورتين، انطلاقاً من انسداد أفق المستقبل فيما يتعلق بالعيش الكريم والحرية. وكان لشباب الطبقة المتوسطة الأكثر تنوراً بالنسبة لوسائل الاتصال الفضل في إطلاق الشرارة الأولى، قبل أن يتم رفدهم بشباب العشوائيات، ومن ثم أغلبية الشعب بأحزابه وعماله ومثقفيه.
لا يختلف الأمر في معظم البلدان العربية حول إمكانية حدوث الشيء نفسه، مع بعض الخصوصيات في دول الخليج بسبب فائض الثروة وطبيعة مجتمعاته الأبوية. ومع تقدم الاحتجاجات حتى تغيير النظم الحاكمة، لا بد أن تصطدم قوى التغيير مع قوى الثورة المضادة التي تمثل كل من له مصلحة في استمرار الأنظمة القائمة، وهم أقلية ضئيلة، ولكنها قادرة على خلط الأوراق في مرحلة حساسة من عملية التغيير. ورأينا ذلك في ثورتي تونس ومصر.
وارتبط سر نجاح هاتين الثورتين، وتقدمهما المضطرد برفع الشعارات الوطنية التي لا تشوبها شائبة، فعجل ذلك من حشد قوى جديدة لها مصلحة في التغيير. ولكن ماذا لو كان ثمة تناقضات اجتماعية قومية أو طائفية يمكن تحريكها من قبل الأنظمة أو الداعين إلى الثورة غير المدركين لهذه المخاطر؟
بالنسبة للقوى المنهزمة فإنها ستحاول استعمال كل الأسلحة المتاحة لمنع عملية التغيير، ودفع فئات المجتمع للتصادم بعضها مع بعض، والاتهامات بالارتباط مع الخارج والعمالة، وهل هناك أمر أكثر بؤساً من استعمال البلطجية والجمال لهذا الهدف!
والأهم هو ألا تُطرح القضايا التي تحدث انقسامات اجتماعية من قبل دعاة التغيير، لما تحمله من مخاطر على عملية التغيير نفسها لجهة فداحة الثمن الذي يمكن أن يُدفع، أو تأجيل هذا التغيير لأمد أطول، وانتقال بعض الفئات إلى الجهة التي لا تنسجم ومصلحتها الوطنية. ويكشف هذا الطرح، إن وجد، عن نقص في الوعي الوطني عند بعض الشباب، ويفتح الباب واسعاً لاستغلاله وتوظيفه من قبل الأنظمة، وهو ما تبحث عنه. ومع ذلك فإن معظم شبابنا على درجة كبيرة من الوعي الوطني الذي يؤهلهم لاجتراح المعجزات، مثل نظرائهم التونسيين والمصريين، مستفيدين من الدروس القيمة لتجربة هؤلاء.
إن النبالة والسمو التي اتسمت به ثورة الشباب في تونس ومصر تجعلنا ننحني لهم إعجاباً واحتراماً، وشبابنا ليسوا أقل وعياً وأخلاقية منهم، وإن الأصوات التي نسمعها من هنا وهناك لا يمكن أن تحجب عنا هذه الحقيقة الرائعة. وما أن يبدأ التغيير حتى تتعزز اللحمة الوطنية وتزول كل الشوائب والملوثات التي يحاول المستبدون تكريسها لتمزيق المجتمع وتبديد قواه، وقد رأينا كيف تبخر الاحتقان القبطي الإسلامي في مصر بين ليلة وضحاها.
المحاسبة ضرورية جداً، ولكنها مؤجلة لحين تحقق الأهداف، وهي بالضرورة قانونية، وتؤسس لدولة الحق والقانون كبديل جذري للهمجية والعنف والظلم. ولعل المشاركة الواسعة للنساء في هذه الثورات تضفي عليها مزيداً من السلام والأمان، وتساهم في النهوض بدور المرأة إلى مجالات أرحب.
الخوف من التغيير ليس سوى خوف من النور لمن اعتاد العيش في العتمة. وإذا كان مجرد تغيير بسيط في شكل ومظهر شخص ما يدخل السعادة إلى قلبه، فكيف بمن يستنشق هواء الحرية، ويصبح شريكاً في وطن كان سجناً كبيراً له؟ يطيح التغيير بكل المخاوف، وهو العلاج النفسي لشعب غارق في خوفه وكبته واكتئابه.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
التعليقات
1 - في الثورة شفاء للناس
فلورنس غزلان
(
2011 / 2 / 15 - 20:59
)
يا أروع الأطباء وأشرفهم.شكراً لتنويرك وعلاجك لنفسية من عشش الرعب في عقولهم وألجم أفواههم بأقفال محكمة اسمها الصمت المطبق، وأعمى عيونهم أو أغمضها حيال حقائق تفقأ العين...لكن ماحدث وعشناه في تونس ومصر..سيبقى محفوراً بذاكرة الأجيال التي تعي ماقدمته هاتين الثورتين من غزارة في المفاهيم ووعي نادر..أكبر من جيلنا وأوضح من ضبابنا..لذا نعلق عليه آمالاً ربما تكون نافذتنا نحو حرية حلمنا بها طويلاً وباتت قريبة منا..أكثر مما نتصور ..وربما تفاجئنا كما فاجأتنا وفاجأت العالم ثورتي تونس ومصر
مزيد من العلاج النفسي الناجع يفيد أن تزرق فيه بعض العقول التائهة بين الوهم والحقيقة
أحييك بمودة واحترام
.. 6 صواريخ تستهدف محيط جزيرة قشم ومؤشرات على اشتباكات بحرية جن
.. سياق الحدث | سيناريوهات التصعيد مع توسيع الحرس الثوري لبنك أ
.. الهجمات بين روسيا وأوكرانيا تستهدف بنى تحتية ومنشآت طاقة
.. مكفوفو إندونيسيا يواجهون صعوبات في الحصول على فرص عمل
.. خارج حسابات هرمز.. واشنطن تستهدف ميناء تشابهار الإيراني الاس