الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
هذيان عراقي
محمد حسام الرشدي
2014 / 6 / 14الادب والفن
ها قد انتصرت الطوائف.. وضاع العراق..
العراق.. عراقنا.. عراق سومر وبابل وأشور.. العراق الذي قسمه أولاد الزنا إلى عراق عمر وعراق علي.. ناسين أن العراق أكبر من كل رموزهم وأديانهم وتفاهاتهم.
مباركٌ للسنة والشيعة هذا الفتح العظيم.. والعزاء لنا نحن أحفاد گلگامش الذين لم نعشق سوى العراق ولم نعرف غيره وطناً ولا لسواهُ انتماء..
تقولون أنها خطة "جو بايدن" لتقسيم العراق، أو أن ما يجري هو جزءٌ من مخطط اليمين المتطرف في أمريكا وإسرائيل. لا أدري ربما كان كلامكم صحيحاً أيّها السادة.. فكل ما أعرفه أننا ساهمنا بتقسيم هذا البلد، نعم.. فبغبائنا وعنصريتنا وتفكيرنا الضيق ضاع منا وطنٌ "لو إن الخلد أزرى برونقهِ لقلتُ له حسودُ".
نحن جيلُ العار.. على أيدينا صار العراق عراقات.. وبغبائنا خسرنا الوطن.. هل تعرفون -يا سادة- ما هو شعور الإنسان بلا وطن؟! حسناً ستجربونهُ في الأيام القادمة.. وساعتها لن يجدي البكاء..
* * *
أحببتُ فيكِ عراق روحي، أو حببتكِ أنتِ فيه
يا أنتما - مصباح روحي أنتما- وأتى المساء
ها هي روح السياب تطوف أرجاء أرض السواد، لقد أحب العراق، وفُتنَ بنخيلهِ ونهريه، بل هو كان متيمٌ حتى بالفرع الصغير بويب.. كان السياب يعشقُ الوطن، وكان يَعجَبُ "كيف يمكن أن يخون الخائنون / أيخون إنسان بلاده؟ /إن خان معنى أن يكون ، فكيف يمكن أن يكون ؟ !”.
سأحدثك يا صديقي كيف يمكن أن يكون:
يمكنُ أن يكون سياسياً يرى الوطنَ مشروعاً تجارياً، فمن أولوياته أن يكسب ويثرى من هذا الوطن.
ويمكن أن يكون زعيماً يرى إن الأرض ميراث أبيه فيحرق كل شيء ليبقى على كرسيهِ..
ويمكن أن يكون مثقفاً يرى الثقافة كالدعارة، فيبيع قلمهُ ليعيش كما تبيع البغيُ شرفها لتعيش..
ويمكن أن يكون جندياً يفهم الوطن بأنه الحكومة أو أصحاب القرار..
ويمكن أن يكون رجل دينٍ مهنته التحريض وزرع الكراهية بين الإنسان وأخيه الإنسان..
ويمكن أن يكون قراؤكَ “المگاريد” الذين لم يبقَ من نقائهم شيء بعد سنواتٍ من زرع الكراهية في عقولهم فصاروا لا يعرفون من الوطن غير الحقد على الأخر..
هل تذكر -يا صديقي- قصيدتك “رؤيا في عام 1956” من حسنِ حظك أن العراقيين اليوم يخيم عليهم الجهل، وأنهم لا يقرؤون إلا كتب الكراهية، وإلا لهدموا تمثالك وهم يقرأون "عشتار على ساق الشجرة / صلبوها دقوا مسمارا / في بيت الميلاد -الرّحم / عشتار بحفصة مستترة / تدعى لتسوق الأمطارا / تدعى لتساق إلى العدم” سيحاكمونك لأنك -وأنت ابن البصرة- كتبت اسم “حفصة” في قصيدتِك.. وسيمطرونك باللعنات لأنك تعاطفت مع أهل الموصل.. ففي ثقافتهم لا يجوز التعاطف مع الأخر.. أما العراقُ فلا عراق..
* * *
أحس بحاجة ملحة أن أبتهل إلى الربة “أنانا”، أحتاج إلى البكاء معها على تموز القتيل، أريد أن أرافقها في رحلتها إلى العالم الأسفل. يقولون إن الأرض ذبلت لما رحلت أنانا إلى العالم الأسفل.. وقد عادت الحياة عندما رجعت.. ربما هذا هو تفسير ما حدث في العراق، فقد ذبلت فيه الحياة منذ أن قتلوا “أنانا” واستبدلوها برب الصحراء الدموي..
تُرى هل سيغفر لي أخوتي في الوطن لو علموا أني لا أؤمن بغير آلهة العراق؟ وهل سيسامحونني لو علموا أني كفرتُ بزعيم المافيا القادم إلينا من تخوم الصحراء؟ ولكن كيف يمكنهم أن يدركوا كنه “أنانا” أو “عشتار” وهم لم يرضعوا إلى الحقد والكراهية، ولا يعرفون من الإلوهية إلا الصورة الرعوية الموغلة بالبغضاء؟
هل تراهم سيفهمون أشعار “إنخيدوانا” أم يدركوا عظمة بلاد النهرين وهم لا يعرفون إلا حروب الطوائف؟
هل تراهم سيتراقصون طرباً على مطلع ملحمة گلگمش “هو الذي رأى كل شيء فغني بذكرهِ يا بلادي” أم سيستنكرون هذا الكلام على اعتبار أن ربهم المستورد يكره الغناء ولا يحب إلا الدماء؟!
أه يا أنانا كم نحتاجكِ الأن..
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مهرجان كان السينمائي- فيلم -الرقيب-: عن جنون العسكرة في عصرن
.. -أرستقراطية الشاشة-.. ذكرى رحيل الفنانة ميمي شكيب
.. جمع بين التمثيل والغناء والإعلام.. ذكرى رحيل الفنان الشامل س
.. مهرجان كان السينمائي-بيدرو ألمودوفار يعود إلى الكروازيت مع ف
.. في عالم بوليوود الشهير.. السينما تنصف فئات اجتماعية وثقافات