الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هل أنعشت ثورات الربيع العربي الإرهاب؟ ( 1 2 )

سعد محمد رحيم

2015 / 6 / 22
مواضيع وابحاث سياسية


هل اتساع دائرة الإرهاب، وانتشار الفوضى، في أجزاء كبيرة من العالم العربي، في السنوات الأخيرة، يعد نتيجة منطقية لإخفاقات ما سمي بثورات الربيع العربي؟.. وقبل ذلك لماذا فشلت تلكم الثورات بعد أن أحيطت بآمال عريضة، وبدا معها لوهلة وكأن شعوب البلدان العربية استيقظت أخيراً بعد طول سبات، لتضع ( باستعارة عبارة من معجم البلاغة اليسارية ) قطار التاريخ على السكة الصحيحة ؟ أكانت تلك الحركة التاريخية المزلزلة صناعة مخابراتية غربية يمكن إدراجها ببساطة من ضمن خانة المؤامرة على المنطقة كما يحلو لبعضهم أن يؤكدوا، أم أنها كانت، بتأكيد بعضٍ آخر، انتفاضات عفوية صادقة جرى استثمارها من قبل قوى داخلية وخارجية، بحسابات خاصة؟. أكان هذا المآل، وأقصد الفوضى والعنف، حتمياً بسبب التخريب الذي أصاب الأرضية الاجتماعية الوطنية لعقود بفعل ممارسات الديكتاتوريات العسكرية الحاكمة أم أن الثورات لا تأتي أكلها إلا بعد مرور سنوات طويلة قد تصل إلى القرن أو أكثر، وأن هذه الانعطافة ستكون لها ثمارها التي تقطفها الأجيال الآتية، وما علينا إلاّ أن ننتظر؟!
الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها التي تتشعب عنها، تتطلب رؤية موضوعية منهجية علمية متأنية مستندة إلى الوثائق، وعلى معطيات الواقع، بعيداً عن الانفعال والأحكام المسبقة. وفي هذه الورقة لا أدعي أنني أمتلك الإجابات الكلية القاطعة. ما أبغيه هو إثارة الأسئلة، ووضع القضية على طاولة النقاش.
باتت ثورات الربيع العربي واقعاً على الأرض، وإذن لا جدوى من طرح السؤال التقليدي الدارج بصيغة التمنّي؛ ألم يكن من الأفضل لو أنها لم تحصل؟ واليوم، أول ما يجب التفكير فيه هو أن لا عودة إلى أوضاع ما قبل الثورات. فتلك الأنظمة التي انهارت فقدت مسوِّغات استمرارها تماماً، ولم تعد لها مكانة في عالم اليوم.
لكن، هل حققت ثورات الربيع العربي شيئاً إيجابياً لافتاً، على الرغم مما شاب مسيرتها من انتكاسات؟
أنهت الحركات الاحتجاجية التي عُرفت في بعض البلدان العربية بثورات الربيع العربي ظاهرة احتكار السلطة لعقود من قبل فئات أوليغارشية عسكرية، لتفتح أفقاً آخر أمام الممارسة السياسية لشرائح المجتمع وقواه وطبقاته. وهذه بحد ذاتها تعد خطوة تاريخية جبارة. لكن الخطوة التالية في إرساء قواعد نظام سياسي جديد قائم على مبادئ تداول السلطة، وفصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بعضها عن بعض، وتحقيق التنمية المركّبة وضمان حقوق الإنسان، تعثرت. وأعتقد أن واحداً من أهم أسباب ذلك هو غياب التقاليد الديمقراطية المدنية الحديثة عند الأحزاب والتيارات والقوى الناشطة وعدم تمثّلها لأسس الممارسة السياسية القائمة على المشاركة والحوار، لا الإقصاء وتكميم الأفواه.
وإذا قلنا أن المرأة، بعد تلك الزلازل التي قوضت بنيان الأنظمة الاستبدادية غدت جزءاً من المشهد العام، وباتت مساهمة، وإن بحدود ضيقة، في الحراك السياسي، فإن مهيمنات المجتمع الذكوري لم تفقد فاعليتها بعد، فما زالت العقلية البطريركية تتحكم بالوعي الاجتماعي، ناهيك عن وعي النخب الحاكمة الجديدة.
وسّعت ثورات الربيع العربي من مساحة المشاركة الجماهيرية، وأعطت منافذ إضافية للتعبير عن الرأي، ومعارضة ما لا يتسق ومصالح المجتمع. ولكن بالمقابل أضعفت سلطة الدولة، وأعطت مجالاً للفوضى والفساد و مهّدت لحروب أهلية طاحنة كما في اليمن وليبيا.
سرعان ما يتلاشى الفرح الذي يولِّده إسقاط نظام استبدادي، حين يتبين أن الواقع ينكِّلُ بالأحلام، وأن الآمال الكبرى لا تتحقق بالسرعة ذاتها، وأن انهيار بنية نظام قديم لن يعقبه تأسيس بنية مثالية بديلة بين ليلة وضحاها. ومع الثورات أخرج الواقع علله وأدرانه ومشكلاته إلى النور. ومن وجهة نظر تاريخية واسعة تعد مثل هذه الحركة ضرورية حتى وإن ترتبت عليها خسائر جسيمة. فما كان بالإمكان تجنبها إلى الأبد، بعد أن بلغ حال الأمة درجة الاتقاد، ولم تعد الناس تتحمل ضغط القهر والعسف والجوع والتخلف والحرمان وانعدام الأمل. فتلك الهزات القوية جعلت الراكد في القاع يطفو على السطح. وهكذا، دفعة واحدة، ظهرت التناقضات والصراعات والمساوئ التي كانت الأنظمة الاستبدادية السابقة تخفيها.
خلقت الأنظمة العربية، لاسيما العسكرية الاستبدادية منها، في أثناء ممارستها الحكم احتقانات اجتماعية وسياسية في بنية المجتمع والدولة، فضلاً عن ضائقة اقتصادية مستديمة بعدما فشلت توجهاتها التنموية بسبب الفساد وعدم الكفاءة وانعدام الجدّية، مبقيةً المجتمع في عزلة عن المجتمعات المجاورة والبعيدة، لا يدري أفراده ما يجري وراء الحدود وإلى أين وصل العالم.. وكان هناك الجهل الذي يعد صناعة تلك الأنظمة بامتياز.. ولا ننسى الخوف الذي تولى النفوس بسبب قمع السلطات وإرهابها. وهذه كلها عوامل ساعدت على نمو جزر للتطرف، ودوافع للسلوك العنيف.
تنشأ العصبية والتطرف في المجتمعات المعزولة أكثر من غيرها، فالمرء يخشى ما يجهله، والآخر المجهول يغدو مثيراً للريبة والقلق، ويزداد الأمر سوءاً حين تدخل ماكنة ثقافية إلى الوسط المعزول، والأسوأ حين يكون الجهل فيه متفشياً. وهذا ما حصل في العراق في تسعينيات الحصار الاقتصادي الذي فرض على الدولة ( بالأحرى على الشعب العراقي ). ففي البلدات النائية والقرى نشط الدعاة التكفيريون، والطائفيون تحت مظلة ما سمي بالحملة الإيمانية، فراحوا يروجون لبضاعتهم المجانية أو التي يدفعون هم أنفسهم لمن يشتري تلك البضاعة، من أموال كانت تأتي خلسة، أو جهاراً نهاراً، من هنا وهناك.. وشيئاً فشيئاً راحت تلك الثقافة تخترق نسيج المدن الكبيرة أيضاً وإن بشكل أخف، واجدة من يتقبلها.. في الوقت الذي كانت فيه الثقافة المدنية تتراجع أمام بروز سلطة شيوخ القبائل المدعمين من سلطة الدولة التي باتت ذراعها الحديدية تتعب وترتخي.. كان العالم يتغير في ظل العولمة فيما العراق يتراجع نحو مرحلة ما قبل الثورة الصناعية، كما تنبأ السيئ الذكر جيمس بيكر، وعمل الغرب الرأسمالي الساعي لتغيير الخريطة الجيوسياسية للمنطقة بقيادة أمريكا، على جعله واقعاً على الأرض.
إن الحرب القامعة التي شنتها الأنظمة العربية الثوروية، الشعبوية، الديكتاتورية ضد قوى المعارضة من أحزاب دينية وليبرالية ويسارية، ( وأحياناً حتى قومية معارضة )، حجّمت القوى الليبرالية واليسارية، إلى حد بعيد، إنْ لم نقلْ قضت عليها، لكن الحركات الدينية السياسية كانت تجد لنفسها دائماً منافذ للمناورة، والتأثير في الأوساط الاجتماعية، بوساطة المؤسسات الدينية التقليدية التي ما كان بمستطاع الأنظمة العربية، ولا امتلكت الجرأة، لإزالتها، وأقصد أمكنة العبادة. وقد بات الإسلام السياسي للكثيرين هو الملاذ، وهو الفخ في الوقت عينه.
كان قمع النظام، وفشله في توفير حياة كريمة للناس يولِّد بالمقابل التطرف والغلو في الالتزام بالعقائد الدينية وممارسة الطقوس. وبما أن طبيعة المؤسسة الدينية العربية هي طائفية بحكم عوامل تاريخية وسياسية، لا مجال، ها هنا، للخوض في تفاصيلها، فإن الاصطفاف الطائفي، في أثناء الصراع السياسي الاجتماعي هو تحصيل حاصل لذلك الوضع.
المؤسسة الوحيدة إذن، التي لم تقدر الأنظمة العربية الاستبدادية كتم أنفاسها تماماً هي المؤسسة الدينية.. كانت هناك دوماً فسحة كافية نسبياً لتعمل إلى حد ما بعيداً عن الأنظار. وفي هذا المناخ وجدت الإيديولوجيات الدينية منافذ لها إلى عقول الناس، وببعد سياسي لا يُخفى.. كان هذا هو المرتع الذي نما فيه الإسلام السياسي، لاسيما في المناطق النائية والأرياف.. كما أن الحياة لمّا أصابها الجفاف والشح، لاذ كثر من الناس بذلك العزاء الروحي الذي يوفره الدين وممارسة طقوسه.
انتشرت الجماعات السلفية الإرهابية في البلدان العربية قبل سنوات طويلة من انطلاق حركات ما عُرف بثورات الربيع العربي. غير أن الأجواء المضطربة التي خلفتها تلكم الحركات ساعدت على انتعاش الجماعات التي وجدت في العنف، بأشكاله كافة، الوسيلة الأجدى، وربما الوحيدة، لتحقيق أهدافها.
لم تكن المشكلة في فكرة الديمقراطية بديلةً للنظام الاستبدادي، مثلما يوحي خصوم الديمقراطية، لأن لا بديل آخر لها. وإنما المشكلة هي في صيغ الديمقراطية المعروضة والمنفّذة، أي في الآليات والتشريعات والبرامج والخطوات وتوقيتات التطبيق التي تجعل من الديمقراطية شكلاً حيوياً للحكم وتداول السلطة. والمفارقة التي حصلت أن المجتمعات العربية أوصلت عبر صناديق الاقتراع الديمقراطية إلى سدة الحكم أحزاباً وقوى ليست ديمقراطية حتى في بنيتها وتقاليدها التنظيمية، ولا تؤمن بالديمقراطية وترى فيها كفراً وخروجاً على شرائع السماء، لكنها تستثمرها كحصان طروادة لتستولي على مفاصل السلطة قبل أن تفتك بخصومها إن استطاعت إلى ذلك سبيلا..
( يتبع )








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بايدن يوقع حزم المساعدات الخارجية.. فهل ستمثل دفعة سياسية له


.. شهيد برصاص الاحتلال الإسرائيلي بعد اقتحامها مدينة رام الله ف




.. بايدن يسخر من ترمب ومن -صبغ شعره- خلال حفل انتخابي


.. أب يبكي بحرقة في وداع طفلته التي قتلها القصف الإسرائيلي




.. -الأسوأ في العالم-.. مرض مهاجم أتليتيكو مدريد ألفارو موراتا