الحوار المتمدن - موبايل


الإصلاح و الخطاب السياسي و البطيخ الاسلامي

نزار جاف

2005 / 10 / 15
ملف 15-10- 2005 الديمقراطية والاصلاح السياسي في العالم العربي


لقد قادت مغامرة صدام في الکويت و من بعدها أحداث11 أيلول في نيويورک المنطقة برمتها الى مفترقات و خيارات قد تبدو في أغلب الاحيان حاسمة. ولعل تداعيات ذلک الحدثين الإستثنائيين و مانجم عنهما من سقوط أشرس نظامين دکتاتوريين في المنطقة، قد فتح الباب على مصراعيه للحديث عن الاصلاح و التغيير. وإذا کان الغرب عموما و الولايات المتحدة الامريکية خصوصا قد ساهما بشکل أو بآخر"مع عدم إغفال مسؤولية القطب الاشتراکي أيضا" في خلق و منح أسباب الديمومة لمختلف النظم السياسية"سيما الاستبدادية منها"، فإن سقوط القطب الاشتراکي قد دفع بواشنطن الى إعادة قراءة حساباتها و تصوراتها لعموم الوضع العالمي ومايتعلق منها بالمنطقة على وجه التحديد. وإذا کانت واشنطن قد ضحت بالشاه في قبالة ثورة آية الله الخميني، فإنها في نفس الوقت کانت ممتعضة بشکل أو بآخر من سياسة محمد رضا بهلوي في ما يخص أسعار البترول داخل منظمة الاقطار المصدرة للنفط"اوبک" وکذلک فيما يتعلق بطموحات الشاه الکبيرة بخصوص بناء إيران قوية في وسط يشکو من ضعف يکاد يکون مستديما، وکانت تتصور أنه بإمکانها أن تضع عمامة آية الله الخميني في سلتها. بيد أن سير الاحداث بسياقات مغايرة تماما للرغبة و المشيئة الامريکية، ساعد في الاسراع بإنضاج تحالفات هشة للوقوف بوجه تلک الاحداث. إن ظاهرة"نوريغا" في بنما و، الشاه و الخميني في إيران، وصدام في العراق، والملا عمر و بن لادن في أفغانستان، کلها رسمت ظلالا حالکة في أفق الاستراتيجية الآنية و المستقبلية لأمريکا في العالم. وقطعا أن تغيير أسس و مبادئ اللعبة السياسية من قبل قوة دولية"تکاد تکون المهيمنة على العالم"، سوف تستدعي بالضرورة تغييرا لا في البيادق و شکل حرکاتها فقط، ذلک أنه لم يعد يجدي نفعا ولا يتماشى مع مفردات هذا العصر المعقد، وإنما تغييرا في أنماط و صيغ و هيکلية اللعبة بحد ذاتها مما يفرز في النتيجة وجوها جديدة بروحية جديدة في الساحة. وبرغم أن مشروع الشرق الاوسط الکبير هو مشروع سياسي ـ فکري ـ إقتصادي ـ إجتماعي معد من قبل طرف يضع مصالحه فوق کل الاعتبارات الاخرى، إلا أننا لانملک خيارا من إعادة قراءة هذا المشروع و محاولة الخروج بحصيلة مفيدة فيها لشعوب المنطقة. ولست أرى من فرق يذکر بين هذا المشروع و مشروع"مارشال" المتعلق بأوربا والمعد من قبل أمريکا ذاتها، ذلک أن کليهما يهدفان الى ضمانة المصالح الحيوية لواشنطن في بقعة معينة من العالم في ضوء توفير إمکانيات سياسية و إقتصادية معينة. غير أنه يجب أن نقر بأن أوربا إستطاعت أن تستفاد من ذلک المشروع و تخرج في النهاية بحصيلة نوعية مفيدة لها و لشعوبها. وبرغم الفوارق الکبيرة بين أوربا و المنطقة و وجود أمور کثيرة لابد من الاخذ بها في نظر الاعتبار، إلا أنه لا يجب التخوف من تلک الفوارق و الاعتبارات و جعلها"بعبعا" أو عقبة کأداء لايمکن مواجهتها أو معالجتها. وإنني أرى مشروع الدستور العراقي الجديد"بنواقصه و عيوبه"، بداية مشجعة بالامکان تطويرها الى مديات أرحب و أشمل لو أخدنا بعضا من الامور بنظر الاعتبار والتي قد تنحصر فيما يلي:
1 ـ العامل المذهبي: لقد عانت الطائفة الشيعية في العراق"والسعودية"من إظطهاد طائفي بشع و مورست بحقها ضروب شتى من القمع و التنکيل و هضم أبسط الحقوق المشروعة. وقد ولد فعل الاظطهاد هذا رد فعل تمسک قوي لأبناء الطائفة الشيعية بمناسک مذهبهم وفعل کل مايمکن في سبيل الذود عنها. والذي دفع الطائفة الشيعية"ذات الاغلبية الساحقة في العراق" الى هذا المآل، هو وجود هدف طائفي محدد من إقصائهم و محاربة و قمع شعائرهم المذهبية. من هنا، فقد لايروق للشيعة"کجماهير"مکسبا سياسيا لاتجد فيها"في الوقت الحاضر بالذات"متنفسا کافيا لتجسيد شعائرها المذهبية. إن الواقع يقودنا لمنح الطائفة الشيعية مثل هذا المتنفس لا أن نساهم"بدافع الثقافة"في المزيد من الکبت الروحي للشيعة. والحق أن منح مثل هذا الفضاء الرحب للشيعة مع ملاحظة مرونتهم الفکرية المتميزة أکثر من غيرهم ومع "وجود مضادات فکرية ـ سياسية لهم"سوف يقود في النتيجة الى حالة من الاشباع المذهبي وبالتالي فسوف يکون بالامکان التحدث معهم من قنوات أخرى.
2 ـ العامل الإيراني: في الفقرة الاولى تحدثت عن العامل المذهبي من حيث البعد الروحي لها، لکنني في هذه الفقرة أتحدث عن خلفية توظيف ذلک البعد و تسيسه وفق مسارات محددة. ذلک أن أطروحة"المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق"قد تمت صياغتها لهدفين مترابطين بشکل جدلي ببعضيهما وهما:
أ ـ خلق قوة ضغط عراقية" مبرمجة ومدعومة إيرانيا" بوجه"حزب الدعوة"بهدف تدجين و تحجيم الاخير في البوتقة الايديولوجية الايرانية.
ب ـ تفعيل البرنامج السياسي ـ الفکري الايراني على أرض الواقع وهو أمر جسدته إيران في العراق و لبنان من خلال المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق و حزب الله في جنوب لبنان.
وقد يکون وصول النظام السياسي الايراني الى مفترق الازمة السياسية ـ الفکرية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية وتجسد ذلک في صور الرفض الداخلي لهذا النظام من قبل الشعوب الايرانية، أفضل باعث للعبث خارج الحدود، سيما وأن هذا المنطق"تحويل الانظار للخارج"هو بحد ذاته مؤشرا مهما من مؤشرات النهاية. هذا العبث الذي قطع أشواطا بعيدة في الشأن العراقي بحيث أثار"لا الاطراف العراقية الاخرى لوحدها"أطرافا إقليميـة و دولية من هذا الامر. غير أن الوصول الى مفترق الازمة کما ألمعنا آنفا، سوف يکون له مردوده الايجابي أيضا على الساحة العراقية"ذلک أن إفلاس الاصل سيکون باعثا بالنتيجة لإفلاس النماذج المستنسخة عنه". وهنا أجد من المناسب أن أشير الى تلک الرهانات الکثيرة و المتشعبة على فشل المشروع الامريکي في العراق وجعل ذلک الفشل مدخلا أساسيا لفرض خيارات"السلب"التي تنطلق من أرضية الابقاء على صيغة النظام العربي الرسمي الموجود حاليا مع بعض "الفذلکات" و"الرتوش"المحددة على بعض من جوانبها لتساير"الموجة". وهذا الامر بحد ذاته يعکس في مضامينه الاساسية توجس النظام العربي الرسمي من دعوات الاصلاح و الدمقرطة المطروحة على صعيد المنطقة مع ميل قوي لها"من دون إظهار ذلک"بمعادات مشروع الشرق الاوسط الکبير. وقد کانت انتخابات الرئاسة في مصر"برغم القصور الفاضح في مجرياتها"تشکل في خطها العام وجهة نظر النظام العربي الرسمي و کيفية تعاطيه مع أجندة الاصلاح في المنطقة. وعلى الرغم من أن بعض مظاهر الجنوح نحو التغيير في بلدان تتسم بالمحافظة"مثل السعودية و الکويت"تشکل هي الاخرى نقطة إنعطاف في تأريخ المنطقة، لکنها تأتي في وقت تشتد فيها الدعوات الى الاصلاح ضراوة و يبدو الدعم الغربي واضحا لتلک الحرکات الليبرالية"وحتى اليسارية منها"في المنطقة. وفي کل الاحوال، لا تبدو في الافاق إشارات مشجعة تبين أن هناک سعي جدي و مسؤول من قبل النظام العربي الرسمي بإتجاه الدمقرطة و الاصلاح سوى حرکات شکلية"بدون مضامين بناءة و هادفة" للإستهلاک المحلي من قبيل مايحدث في سوريا و اليمن و تونس، وبإضافة تلک الخطوات السابقة التي أشرنا أليها في البلدان الاخرى، يظهر لنا واضحا مستوى و نوعية تعاطي النظام العربي الرسمي مع مسألة الاصلاح السياسي و الدمقرطة في المنطقة. وفي هذا الخضم يجب على القوى اليسارية و الديمقراطية في المنطقة أن تلعب دورا أکبر فاعلية من السابق وأن يکون لها حضورا مواکبا للحدث، لاأن تکون تابعة و مسيرة ببوصلة الاحداث کما کان الحال في الزلزال الايراني الذي أودى بنظام الشاه و ظهر فيه واضحا قصور القوى اليسارية و الديمقراطية الايرانية عن المسار العام للاحداث. وهذا الامر يکاد يعيد نفسه في بلدان أخرى"مثل العراق کنمودج حي"حيث تکاد تکون القوى اليسارية و الديمقراطية لا فقط بعيدة عن الاحداث و مجرياتها وإنما غريبة عن الساحة! والذي يثير القلق أن عموم حرکات التغيير في المنطقة يکاد يطغي عليها التيار الاصولي و المحافظ الى حدما. وقد يکون لذلک الامر علاقة جدلية بنوع و مضمون الخطاب السياسي لعموم الاتجاهات العلمانية في المنطقة وإفتقار هذا الخطاب الى تلک الديناميکية و الفاعلية التي من شأنهما شد الجماهير إليها و توجيه إهتماماتها نحو إتجاهات محددة تخدم الخط السياسي العام لهذه الاتجاهات العلمانية. ولعل بؤس هذا الخطاب و"إغترابه" عن الجماهير، يجعل من حظ نجاح تجربة أي نظام ديمقراطي في غالبية بلدان المنطقة قليلا جدا بحيث يقترب من الصفر! إن الديمقراطية کممارسة حضارية تحتاج الى عدة مقومات و مرتکزات قد يکون أهمها على الاطلاق هو إستعداد الجماهير لتلقي و إستيعاب الديمقراطية بحد ذاتها کمفهوم سياسي ـ حضاري يمکن من خلالها تلبية طموحاتها المتباينة. وفي هذا السياق يجب أن يکون هناک نوع من التنسيق بين قوى اليسار من جانب وبين التيارات الليبرالية بهدف تفعيل خطابها و تحرکها على صعيد الواقع الموضوعي و تغلبها على تلک الحواجز و المنعطفات التي تستغلها القوى الدينية کي تحشوها بإسفين أفکارها الرجعية و المتخلفة. إننا يجب أن نکون حذرين و واعين من تجارب نجاح حرکات إسلامية على صعيد الشارع کما حدث مع راشد الغنوشي وحرکته في تونس و، عباس المدني وحرکته في الجزائر، ونفس الامر يمکن سحبه على الواقع الکوردستاني في العراق من خلال ذلک الحضور الغير إعتيادي للإتحاد الاسلامي الکوردستاني و بروزه کقوة فاعلة من الممکن"لو تسنت لها الظروف وهو إحتمال وارد" أن تلعب دورا مهما و خطيرا على صعيد هذه الساحة ولاسيما وأن إنشغال الحزبين الکوردستانيين الرئيسيين بمسائل جانبية بعيدة عن طموحات الجماهير الکوردستانية، سوف تساعد على إفساح المزيد من الارضية و المجال أمام هذا التيار الاسلامي کي يلعب دورا أکبر و أوسع من الحجم الذي يجب أن يکون فيه. وهنا فإنني لا أجد مناصا من الاشارة الى ما أثاره الکاتب و الناقد الکوردستاني المعروف"حمه? سعيد حسن"، من أنه"ليس کل مسلم إرهابي، لکن کل إرهابي هو إسلامي"، وأجد ضرورة لتفهم دعوته بتحجيم الحرکات السياسية الاسلامية في أطر محددة ضيقة لا تستطيع من خلالها أن تلعب دورا حساسا على الساحة. إذ"کما يشير الکاتب نفسه"من أن الحرکات النازية و الشوفينية في أوربا محجمة و ممنوعة من أن تلعب أي دور في الساحة، فلابد من سحب الامر نفسه على القوى السياسية الاسلامية التي تشکل خطرا مؤکدا على کل قوى اليسار و التحرر و الديمقراطية في المنطقة کما إنها تؤسس لنظام فکري ـ إجتماعي يرفض کل المبادئ و القيم الحضارية الخاصة بحرية الفکر و مسألة مساوات المرأة بالرجل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. البريطانيون يتوجهون إلى صناديق الاقتراع لتحديد مصيرإسكتلندا


.. إسرائيل: المحكمة العليا تدرس قرار إخلاء منازل عائلات فلسطيني


.. -إسرائيل: يائير لابيد...من نجم تلفزيوني إلى معارض يسعى للإطا




.. نووي إيران.. خلافات تعرقل محادثات فيينا تتعلق بأجهزة الطرد و


.. بث موقع #الصاروخ_الصيني المباشر يتصدر محركات البحث