الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عن مبادرة المرأة وفطنتها .. مشهد من شرفة منزلنا فى شبين الكوم

بشير صقر

2016 / 3 / 9
ملف 8 آذار / مارس يوم المرأة العالمي 2016 - المرأة والتطرف الديني في العالم العربي


فى ستينات القرن الماضى كنا نسكن فى ميدان محطة السكة الحديد بمدينة شبين الكوم ؛ لم يكن يفصلنا عنها أكثر من ستين خطوة.
كانت محطة للركاب ويلاصقها مباشرة رصيف وحيد لقطارات البضاعة يستخدم فى الحالات الطارئة.

وفى الميدان كان يقام سوق للخضر بشكل دائم .. وفيه تقبع عربات اليد متلاصقة حيث يتزاحم الجمهور لشراء احتياجاته منها حتى الظهر ثم ينحسر الزحام نسبيا بدءا من الساعة الواحدة.

وفى عصر أحد أيام الصيف القائظ من عام 1969- إبان حرب الاستنزاف - وصل أحد القطارات المشحونة بالذخيرة والمحملة فى صناديق خشب متفاوتة الحجم .. بعضها يتعاون أكثر من ثلاثة أشخاص لإنزاله من القطار.

كان مشهد القطار واضحا من شرفة منزلنا بالطابق الثالث : حيث حضرت عدة شاحنات نقل عسكرية على متنها حوالى خمسة وعشرين جنديا تراصت خلف بعضها تمهيدا لتفريغ الذخيرة من القطار ونقلها إلى مخازنها بإحدى المناطق القريبة .

تقدمت الشاحنة الأولى ووقفت بمحاذاة عربة قطار الذخيرة يفصلها عنه متران، وصعد ثلاثة جنود إليها شرعوا فى جر الصناديق إلى حافتها ليتسلمها بقية الجنود على أكتافهم وهم وقوف على الأرض.. لينقلوها إلى الشاحنة .. وهكذا.

لم يكن يفصل السوق عن شاحنات النقل سوى أمتار قليلة ، ولأن جمهور المشترين لم يكن كثيفا فى تلك الساعة ، فقد دفع ذلك بعض بائعات الخضر ( من عشرة إلى خمسة عشر ) من صغار السن للاقتراب من الشاحنات لمشاهدة ما يقوم به الجنود.

وفجأة- وبعد ما يقرب من أربعين دقيقة - وجدنا هرجا ومرجا بين البائعات والجنود تبعته أصوات استغاثة عالية ( صويت ) منهن وشاهدنا النار تعلو مقدمة الشاحنة المحاذية للقطار، ونداءات متضاربة [ العربية ولعت ، هاتى يا بنت بستلة ، مش حيكفى ، طيب هاتى طشت ولاّ جردل ، شوفى صفيحة عند القهوجى .. ، لأ .. روحى هاتى مية من الجمعية ( تقصد الجمعية الزراعية المجاورة للمقهى )] وانتقلت الحركة من حول السيارة إلى السوق حيث أفرغت كثير من البائعات طشوت الألومنيوم مما بها من الخضر والفاكهة على "عربات اليد " التى تحمل الخضر وأحيانا على الأرصفة وانتثر المكان بعشرات الفتيات ( بائعات الخضر ) وصار المشهد كالتالى:

عشرات الأوانى ( من البستلات والطشوت والجرادل والحلل ) على رءوس الفتيات مملوءة بالماء فى انسياب أشبه بالعدو البطئ فى اتجاه الشاحنة المشتعلة .. بينما الجنود يتناولون الأوانى ليطفئوا بها النيران ؛ وسرب آخر منهن عائد يجرى من موقع الشاحنة بالأوانى فارغة ومدلاة فى أيديهن.. وهكذا على مدى ما لا يقل عن ربع ساعة حتى نجح الجميع .. فتيات ونساء وجنود فى إطفاء النار ووقف الكارثة.

كان القطار يضم عدة عربات تم تفريغها من الذخيرة - فيما بعد- فى عدة أيام ؛ بينما النار مشتعلة فى الشاحنة الأولى التى تحمل نصف سعتها بالذخيرة ولا مجال لتفريغها منها أو لسحبها بعيدا عن القطار لأن النار اقتربت من " كابينة القيادة " فضلا عن أن انفجارها سيكون فى منطقة سكنية كثيفة السكان وهو ما كان سيضاعف الخسائر.

وهكذا وخلال فترة لم تتجاوز عشرين دقيقة لعبت الفتيات الدور البطولى فى إنقاذ الحى من الدمار، وكن المبادرات فى التنبيه للخطر ( بالاستغاثة ) وفى الحصول على المياه و وإطفاء النار .. خصوصا وأن الجنود كانوا من المغتربين عن المدينة ولا يعرفون معالم المنطقة ولا مصادر المياه.. والوقت أضيق من استدعاء سيارت الإطفاء .

بعدها بدقائق حضرت سيارات الإطفاء .. لكن فتيات السوق كن قد أنجزن المهمة ..

وأعتقد أنه لو توافر نفس العدد من الرجال لما استطاعوا إنقاذ الشاحنة والقطار من الانفجار والمنطقة من الدمار؛ فعملية الاستغاثة لعبت الدور الأهم فى استجماع العشرات منهن بهذه السرعة و الحصول على الأوانى والوصول لمصادر المياه فى دقائق معدودة، وهو ما يعنى أن مبادرة فتيات السوق كان لها الفضل الأول فى مشهد الإنقاذ .

واستكمل الجنود عملهم لعدة أيام حتى فرغوا من المهمة .. فى حراسة سيارات الإطفاء.

الأربعاء 9 مارس 2016








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. دبلوماسي باكستاني سابق للجزيرة: الصين لاعب رئيسي في معادلة ا


.. تحركات دبلوماسية مكثفة في إسلام آباد لإنجاح مفاوضات واشنطن و




.. ملف اليورانيوم الإيراني يعرقل مفاوضات واشنطن وطهران


.. الرئيس الأمريكي يأمل باتفاق مع إيران ويحذرها من عواقب رفض ال




.. الديوان الأميري القطري: أمير قطر أجرى اتصالا هاتفيا بالرئيس