الحوار المتمدن - موبايل


رد علي الرد - الماركسيون وعبدالناصر

راجي مهدي

2017 / 6 / 3
مواضيع وابحاث سياسية


أولا لا يسعني الا أن أرد تحية الرفيق محمد، وأن أبدي سعادتي بأنه توفر لديه بعضا من وقت لقراءة مقال " الماركسيون وعبدالناصر "، ثم الرد عليه. هذا تقليد افتقدناه كثيرا، أن نفتح سجالا علنيا حول كافة القضايا ونناقشها علي الملأ. هذا جزء من طريق طويل لانتشال اليسار الماركسي المصري من مستنقعه الحالي, بناءا علي هذا أكتب ردا علي الرد.
بعد التحية والثناء علي مجهودي الذي أظنه –عن حق – محدودا، استهل الرفيق رده بالتأسف علي هذا المجهود لأنه ارتأي أني ارتديت " قناع الحيادية الزائف ". والحقيقة أني لا أدري ما هي الحيادية، لا شئ محايد في الكون علي الإطلاق، ففي كافة القضايا أنت تقف هذا الموقف أو ذاك، الذي ينصر طرفا علي طرف حتي وانا ادعيت الوقوف علي الحياد فهذا ايضا نصر لطرف علي طرف. كان خروج مصر من معسكر الاستعمار في الخمسينيات خصما من رصيد هذا المعسكر، خصما حقيقيا رغم خرافات باندونج. وهذا الخصم كان يعني تعضيدا صريحا للمعسكر الاشتراكي في تناقضه مع الامبريالية. التناقض له طرفان لا ثالث لهما مهما حدث من تمويه للفصائل والمكونات داخل كل طرف. وبالتالي فان اتهامي بالحيادية لا دليل حقيقي له في المقال، وكوني قدمت نقدا أحسبه موضوعيا للماركسيين ولعبدالناصر طرفي الأزمة، هذا لا يعني أني محايد.
هل كان من الواجب كي لا أكون محايدا أن أخرج مستلا سيفي مدافعا عما أبداه الماركسيين من حماقات خلال النزاع كي أنفي عن نفسي تهمة الحياد؟ انا لم أكتب المقال لأنتصر لطرف علي طرف، بل لأقدم رؤيتي لتناقض غرق طرفاه في بحر من الدم وأهدر امكانية تاريخية لوضع مصر علي البداية الصحيحة لطريق الانعتاق من نير الاستعمار.
أورد الرفيق الجملة التالية " وقع انقلاب يوليو في ظل تفتت تام للماركسيين المصريين " ثم يضيف رؤيته لأسباب التفتت – التي لم أناقشها تفصيلا – الذي يري أنه لم يكن مقصودا أو مفتعلا. والحق أن قصة تفكك اليسار الماركسي في مصر ذات طبيعة مأساوية. والحقيقة أن رد التفتت لأسباب موضوعية كالقمع واتساع حجم المعارك التي خاضها الماركسيون المصريون، ليس مقنعا، لأنها نفس الظروف التي يعمل تحتها الماركسيون في كل مكان، لكن ظاهرة التشرذم لدينا فريدة ومتفردة. أنا أرجح مفهوم المؤامرة منذ النشأة، علي أيدي يهود متمصرين، فالحركة المصرية للتحرر و ايسكرا كانا التنظيمين الأكبر وقد نشأ كلاهما علي أيدي يهود، وقصة اليهودية هنا تحتاج الي بعض الإيضاح في ظل اشارة الرفيق في رده، واستنكاره لتركيزي علي الدور اليهودي وادانة العناصر اليهودية.
تسود فكرة خطيرة عن الفارق بين اليهودية والصهيونية، هذا الفارق الذي لا وجود له الا فيما تروجه البرجوازية من خيالات غرضها تفخيخ المستقبل. اليهودي يؤمن بأن فلسطين أرض المعاد، يؤمن بحق اليهود في وطن قومي علي الأرض الفلسطينية، يؤمن بأنه أحد أبناء شعب الله المختار، أليس هذا هو جوهر الصهيونية؟ أليست أفكار كتلك جزء من التراث المعادي للشعب المصري؟ ان الفارق بين اليهودية والصهيونية هو أن الصهيونية تتسع لغير اليهود، هي التعبير الاوسع عن الفكرة اليهودية. كورييل كان داعما لإقامة وطن لليهود في فلسطين، ويمكن لمن يريد الاطلاع علي موقفه أن يطالع مقال " شذرات من سجل هنري كورييل " للرفيق الراحل ابراهيم البدرواي، وكتاب رفعت السعيد " اليسار المصري والقضية الفلسطينية ". ظل كورييل مرجعية لحدتو بعد خروجه من مصر، ضمن ما يسمي تاريخيا بـ " مجموعة روما " التي ضمت المستبعدين من الأجانب، وظل هؤلاء يعتبرون الجناح الخارجي لحدتو حتي بدء محادثات الوحدة التي تكللت بتشكيل الحزب الشيوعي المصري في 8 يناير 1958، وقتها اشترطت كل الأطراف أن تقطع حدتو علاقتها بكورييل والمجموعة، وقد استجابت حدتو ظاهريا.
أعيد التأكيد علي أنه باستثناء حدتو، وقف الجميع ضد يوليو باعتباره انقلابا أمريكيا، وأنه حتي تنظيم الراية الذي يستشهد به الرفيق كان قد أصدر تحليلا كتبه سمير أمين يوصف فيه السلطة بأنها سلطة برجوازية كبيرة، وحتي خطوة باندونج لعنها الراية ببيان شهير عنوانه " فاشي مصر المُفلس يبحث عن المجد في باندونج " لكن تلك المواقف تغيرت في معركة التأميم، لأن السلطة أيضا كانت تتغير، كان كل شئ في مصر في حالة حركة.
كان تحرك الضباط تعبيرا عن البرجوازية الصغيرة والمتوسطة، وهو تحرك استعدي قيادة الجيش، ضمن من استعداهم وكان الأمريكيون يبدون عدم اعتراض علي الحركة لأن إزاحة الإنجليز كانت الغرض الأساسي، مثلما كانت إدانتهم للتحرك الفرنسي البريطاني في معركة القناة.
يشير الرفيق الي فكرة وصول الماركسيين للسلطة لو لم يكن الجيش قد تحرك، وهو بالتالي يعترض علي مقولة أن تحرك الجيش كان نتيجة فشل الماركسيين في القيام بدورهم التاريخي. لا أدري كيف كان الماركسيين سيصلون الي السلطة، في أي صيغة؟ الماركسيون افتقدوا التنظيم الواحد اساسا، كانت هناك عشرات المجموعات والحلقات لكن تنظيما بالمعني اللينيني لم يكن له وجود. كان هواء الماركسيين ملوث وكان قصورهم علي المستويين النظري والتنظيمي جليا. وكون المناخ العام في مصر كان يساريا لم يكن يعني أن الماركسيين قادرين علي الاستيلاء علي السلطة.
بالإشارة الي فكرة زعامة عبدالناصر، فتلك حقيقة، عبدالناصر أسر الجماهير في مصر وجدانيا، دون الدخول في اسباب ذلك، وكونه كان علي رأس نظام ارتكب جرائم فاشية هو ضالع فيها لا ينكر أنه بالنسبة للمجموع الشعبي كان زعيما. لا أري أي غضاضة في ذلك الوصف.
ثم ينتهي الرد بتلخيص لموقف كاتبه من عبدالناصر، باعتبار أن حكمه كان نكبة، وضياعا وأن اليه يمكن رد وضعنا الحالي. لا أدري هل هذا الاستخلاص نتيجة تحليل علمي تاريخي للمرحلة أم نتيجة دفقة وجدانية. لأني لا أظن أنه يمكن القول بأن عبدالناصر أبلي بلاءا أسوأ من بلاء فاروق وأسلافه من السلالة، عبدالناصر أخفق في تحرير مصر من تخلفها وتبعيتها، لأنه خاض المعركة من موقعه الطبقي كبرجوازي صغير، لكنه حاول، وخاض حربا ومات وهو يخوضها. حمل مشروع عبدالناصر تناقضاته التي قتلته، لكنه لا يمكن التغافل عن أن يوليو نقلت المجتمع المصري نقلة الي الأمام، وهي في الفترة من 1952 الي 1970 كانت استردادا مؤقتا لهويتنا بعدها عاد الجواسيس يحكمون. السادات قاد الانقلاب، لكنك لا يمكن أن تجد شبها بينه وبين عبدالناصر، يمكن أن تجد هذا التشابه بين السادات وفاروق، بين مبارك وتوفيق. هناك فارقا شاسعا بين أن تخاصم عبدالناصر لأنه لم يخض الحرب كما ينبغي، وبين أن تخاصمه لأنك تدعي أنه لم يخضها، أو أنه لأنه خاضها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ما أسباب الاشتباكات بين فلسطينيين والشرطة الإسرائيلية في الق


.. وائل عواد: لقد احتلت الهند المركز الأول بإعداد الإصابات والو


.. سمير سكاف: نحن نشهد لحظات تاريخية بإجماع العالم حول قضية الم




.. قمة المناخ.. اليوم الأول


.. كلمة زكريا إدريس نجل الرئيس التشادي الراحل