الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ثلاثة أعمدة للاصلاح في العراق

فلاح رحيم

2018 / 7 / 20
مواضيع وابحاث سياسية


هل من حاجة إلى إعلان موقف من الاحتجاجات الشبابية الصادقة والنبيلة ضد الفساد وانعدام الكفاءة والتخندق الطائفي منذ بداية تموز هذا العام 2018؟ إذا كان رئيس الوزراء حيدر العبادي ممثلاً للسلطة التنفيذية العراقية قد أقرّ شرعية هذه الاحتجاجات وصحة مطالبها فالأمر محسوم على هذا المستوى. السؤال الأكبر الذي يواجه كل العراقيين الشرفاء هو ما الحل؟ وإلى أين نتجه لنخرج من هذا الطريق المسدود الذي قادنا إليه انكشاف العراق أمام المطامع الخارجية والداخلية؟ هذا السؤال جدير بإسهامات واسعة من المختصين والمثقفين والناشطين ولست في معرض الإجابة عنه هنا، لكني حريص على تأكيد ثلاث نقاط محورية أراها غائبة أو مغيبة عن المشهد، وهي تمثل بالنسبة لي المفاتيح الأساسية لمنع تكرار دورة السيئ يورث ما هو أسوأ منه التي عشناها في العراق منذ أربعة عقود:
1. أدعو الجميع إلى التشبث بكل الوسائل بالدستور والشرعية والحقوق المدنية التي نصت عليها مواثيق الدولة العراقية الجديدة. لن يؤدي التخلي عن هذه المواثيق وعن الشرعية والتوجه نحو الدمار الشامل والبداية من الصفر إلا إلى مزيد من الكوارث لبلد منهك. والتأكيد على هذه النقطة ينطلق من حقيقة أن العراق بلد نفطي يوفر للحاكم مهما كان نوعه ثروات طائلة تتيح له تجنيد جيش كبير من القتلة والمجرمين لقمع الشعب. المقارنة مع مصر التي تعاني من شحة مواردها الطبيعية تؤكد لنا بأدلة دامغة أن الاستبداد المصري كان دائماً أقل عنفاً ووطأة على المصريين من الاستبداد العراقي المدجج بالنفط على العراقيين.
المنقذ الذي يحلم به الكثير من المعذبين والمحبطين في العراق سيمضي في طريق الفساد والخراب نفسه دون أن يتمكن أحد من معارضته أو المس به حتى في البيوت والزوايا المظلمة. الشرعية الدستورية في العراق مكسب حصل عليه العراقيون مقابل فقدانهم سيادتهم ومقابل تدمير بنيتهم التحتية فإذا ما خسروه كانت خسارتهم كاملة. هنالك الكثير من الوسائل للتعبير عن الغضب يكفلها الدستور وهي قادرة إذا ما توفرت لها إرادة الشباب والنفس الطويل على إصلاح القدر الكبير من المفاسد القائمة. دفع الاحتجاجات إلى العنف سيفقدها شرعيتها ويفتح الباب أمام إعلان الطوارئ وتعطيل الحقوق المدنية، وهذا ما يريده الفاسدون اليوم.
2. أدعو الحقوقيين العراقيين ورجال القانون الأنقياء إلى رفع دعوى لدى المحكمة الاتحادية العليا ضد كافة الأحزاب الممثلة في البرلمان التي تجمعت بإرادتها الخاصة في ثلاث كتل كبيرة تمثل الشيعة والسنة والكرد. هذا الاصطفاف على أساس الطائفة والقومية يتنافى مع ديباجة الدستور العراقي التي يرد فيها ما يلي: "سعينا يداً بيد، وكتفاً بكتف لنصنع عراقنا الجديد، عراق المستقبل من دون نعرة طائفية، ولا نزعة عنصرية، ولا عقدة مناطقية ولا تمييز، ولا إقصاء." تعني هذه العبارات الواضحة أن مما يتنافى مع روح الدستور أن تجتمع مجموعة من الأحزاب لتكوين ما يسمى البيت الشيعي وتقابلها مجموعة أخرى تكوّن البيت السني وثالثة تشكل بيتاً كردياً. والمؤكد أن موجة الغضب العارمة في العراق وما رشح من مقاطعة واسعة للانتخابات كانا أولاً بدافع الخيبة من إصرار هذه الأحزاب على هذا التخندق المنافي للدستور. كما أن عودة هذه الكتل الكبيرة الطائفية والقومية إلى الواجهة من جديد في مساعي تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2018 يقع في صلب الغضب الشعبي الحالي. يجب أن يتدخل القانون الاتحادي لتفتيت هذه الكتل اللادستورية ومنع الأحزاب المنضوية تحتها من طرح نفسها على أساس هويتها الطائفية أو القومية. التحالفات والتكتلات في كل الديمقراطيات في العالم تتم على أساس البرامج الاقتصادية والسياسية والخدمية لا على أساس الهويات المغلقة التي يطرد بعضها بعضاً.
3. أدعو العراقيين الشرفاء ممن يهمهم مستقبل بلدهم والأجيال القادمة إلى التصدي للإجماع العجيب بين كافة الأحزاب السياسية العراقية على خصخصة شاملة للاقتصاد العراقي على وفق وصفة صندوق النقد الدولي. هذه الوصفة أثبت التاريخ الحديث أن نتائجها مدمرة كارثية على المجتمعات التي انصاعت لها، وهي في الغالب دول فقيرة تفتقد ثروات العراق الطائلة. من المؤكد أن الخصخصة صنو الأنظمة الديمقراطية الليبرالية ولست هنا في معرض منع ميل الدولة إلى خصخصة النشاط الصناعي والزراعي لأن في هذا سحب للقوة من غول الدولة الريعية المستبدة التي دمرت العراق. لكن ما يثير القلق توجه دولة يعتمد اقتصادها بنسبة 95% على النفط إلى الخصخصة على هذا النطاق الواسع. ما معنى هذا؟ هل نحول مواردنا الكبيرة هذه إلى أيدي مجموعة من الشركات الخاصة ثم ننتظر ما تجود به هذه الشركات من ضرائب لدعم الدولة وإعانتها على تقديم الخدمات للناس؟
وهنالك ما هو أدهى من ذلك في ميدان هذه الدعوة المتفشية كالوباء في برامج الأحزاب: كيف ندعو إلى الخصخصة الشاملة في بلد عاش أربعة عقود من النكبات والمصائب ودُمرت بنيته التحتية في حروب متواصلة وهو يفتقد البيئة البيروقراطية أو الأمنية الجاذبة للمستثمرين الثقات؟ كل الدول التي عاشت نكباتنا أوقفت مبدأ تنحي الدولة عن الاقتصاد وعمدت إلى التدخل على نطاق واسع لتتمكن من بناء نفسها وتأسيس بنية الدولة التي لا تكون ديمقراطية ولا شرعية بدونها. ولنتذكر أن الأنظمة الديمقراطية العريقة لا تتعامل مع الخصخصة بمسطرة واحدة. هنالك فرق كبير بين نطاق الخصخصة في الولايات المتحدة وكندا من جهة وأوربا الغربية من جهة أخرى. الدولة أكثر انسحاباً وأميل إلى الخصخصة الشاملة في شمال أميركا منها في أوربا. والسبب كما أرى أن أوربا كانت مسرحاً لحروب كونية مدمرة رسخت فيها الحاجة إلى تدخل الدولة لدعم شعوبها المتضررة بينما ظلت الولايات المتحدة وكندا بعيدة عن ميادين الحروب تنعم باقتصاد متين وحياة آمنة أتاحا للدولة التنحي دون أضرار كبيرة. لا بد من تأييد موقف المحتجين على خصخصة الخدمات الأساسية في العراق: التعليم والصحة والماء والكهرباء وغيرها. وقبل كل هذا وذاك تجريم خصخصة النفط العراقي وجعله رهينة بيد الشركات وتحويل الشعب العراقي إلى تابع ينتظر ما تجود به هذه الشركات من ضرائب شحيحة لدولة فاسدة. تأجيل خصخصة الصناعة والزراعة حتى يخرج العراق من محنته الكبرى ومبادرة الدولة إلى التدخل في إعادة الاقتصاد العراقي إلى حالته الطبيعية بعد حروب طويلة هو الحل لمشكلة البطالة ومشكلة العقم والانسداد التي تخنق العراقيين.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وسام قطب بيعمل مقلب في مهاوش ????


.. مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين في الجامعات الأمريكية: رئيس مجلس ا




.. مكافحة الملاريا: أمل جديد مع اللقاح • فرانس 24 / FRANCE 24


.. رحلة -من العمر- على متن قطار الشرق السريع في تركيا




.. إسرائيل تستعد لشن عمليتها العسكرية في رفح.. وضع إنساني كارثي