الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


شام-الفصل السادس عشر

منير المجيد
(Monir Almajid)

2019 / 5 / 22
الادب والفن


كان الأردنيون والفلسطينيون قد انتهوا من إطلاق الرصاص على بعضهم البعض في أحداث جرت بدءاً من أيلول ١٩٧٠، وانصرف بعض الفلسطينيين إلى تشكيل منظمة سموّها بأيلول الأسود، وراحوا يخطفون طائرات الشركات العالمية ويفجرّون بعضها، ويقتلون بعض الرهائن، ويحرجون دولاً تعاطفت معهم، أو ينهون حياتهم وحياة رياضيين إسرائيليين في دورة ألعاب ميونيخ الأولمبية.

الثورة لم تنضج بعد، لأن اسم العربي ارتبط بالإرهاب في نظر العالم، ولم يتمكّنوا من إبراز «القضية العادلة» للشعب الفلسطيني.

ومع ازدياد عدد الدول التي يحكمها الجنرالات، وإعلان هؤلاء الحرب الخطابية على الغرب الإمبريالي، ازداد انتشار التعابير الثورية التي نمت كالفطر. النضال الطبقي، الكفاح المسلح، ثورة حتى النصر، الإستعمار الجديد، نهب خيرات العالم، الإشتراكية، البرجوازية العفنة.
التعبير الأخير لم يكن يقنعني حينذاك، لأن بيوت هؤلاء كانت جميلة وواسعة فيها رائحة عطور وورود.

أرى نفسي بعد السنة الأولى في كلية الفنون، وبعد مراجعة ونقد ذاتي، أنني كنت ذاك الشاب النحيل المعتد بنفسي، المتدفق والوقح، أتعامل مع الذين لا أريدهم بفوقية وأستذة وتعليقات لاذعة.
أستغرب، لماذا لم يبادر أحد إلى لكمي وتلقيني درساً. وليس لدي فكرة عن عدد الذين كرهونني، لكنني أحسست أنهم كثُر.

الأمر اختلف مع الفتيات. معهم كنت لطيفاً ومرحاً، إلا أنني لم أحقق تلك الإنتصارات الكبيرة.

من محيط صديقي عامر قابلت طالبة أردنية تدرس الهندسة المعمارية، وانتهى كل شيء معها قبل أن يبدأ.
قالت لي يوماً أنها لا تريد رؤيتي مرة ثانية، لتُصبح كحلم من أحلامي، وأنا أحلم كثيراً وعندما أستيقظ لا أتذكر برازاً صغيراً منها.

الذي بقي قوياً، هي علاقات الصداقة مع عدد من زملاء الكلية، ومن ثمة قهوة أبو رياض التي كانت حارّة دوماً، فكنّا نضطر لقياس درجة حرارتها بلساننا أولاً، ثم نشعل السكائر.
القهوة والسكائر خُلقا من نفس الأم والأب.

دار كل هذا في دماغي، وأنا على متن الخطوط الجوية الهنغارية، في أول زيارة لي لأوروبا.

توقفت في بودابست لتغيير الطائرة إلى كوبنهاغن في اليوم التالي.
وهناك أخذت كرّاساً وبعض أقلام الرصاص من الفئة ب، وجلست في ساحة تطلّ على جسر يربط طرفي المدينة، بودا وبست، واستغرقت في الرسم. تحلّق حولي عدد من المارة تاركين مسافة مريحة، ماعدا فتاتين جلستا على نفس المقعد. القريبة مني كانت ساحرة ولا أثر لمليغرام من الشحم على جسدها، وعيناها كانتا مليئتين بالنجوم.

«نو انغليش»، قالت بابتسامة. وبالرغم من النو انغليش تلك ظللنا سوية بقية الأمسية، بعد أن ودّعت صديقتها بقبلتين، ويدي على كتفها، وساعدها يحتضن خصري.
يا سلام، ما يجري في الأفلام الفرنسية من عناق وقبل في الشارع هو حقيقة يُمارسها الناس هنا في أوروبا.

وصلت إلى كوبنهاغن في ظهيرة اليوم الثاني، وفي الطريق من مطار كاستروب إلى المدينة، كنت أعيد مشاهد مغامرتي الصغيرة مع تلك الحسناء الهنغارية.

كوبنهاغن تخلو، تقريباً، من الأبنية العالية. بيوتها لها أسقف قرميدية حمراء وشوارعها نظيفة للغاية، وهنا سأقيم لشهرين قادمين.

كان أخي قد اشترى لي دراجة هوائية، واستغرق وقتاً يشرح لي عن نظام السير.
كانت بعض الشوارع مزودة بأرصفة ضيقة إضافية وشارات مرور صغيرة مخصصة لسائقي الدراجات.

في الأيام التالية رافقني دوماً في مشاويري إلى مركز المدينة، يحميني كأب وأنا أقود دراجتي بيدين مهتزتين، ولم يتركني إلا بعد أن تأكد من إستيعابي للنظام.

وحين صرت أذهب وحيداً، حاملاً كرّاسي وألواني وأقلامي، سمعت عدّة مرات أبواق السيارات والباصات، لأنني ارتكبت بعض المخالفات.

كان شعري طويلاً جعله الحلاق «عبد» بشكل طبقات، وأرتدي سراويل لها أقماع عند الكاحلين.
الأمر الوحيد الذي جعلني أختلف عن بقية الشبان كان شعري الأسود وقوامي غير الإسكندينافي.
كنت أرتاد الحانات وأعود في ساعات متأخرة بينما السماء مازالت زرقتها فاتحة والنجوم تطلّ منها صغيرة وبعيدة جداً، أبعد بكثير من نجوم سوريا.

قابلت الكثير من الشبان والفتيات وتجادلنا وتحاورنا مُستعملاً خبرتي الضيقة في دراسة الأدب الإنكليزي لسنة يتيمة وبنتائج مُخزية.
ذُهلت من شحّ معلوماتهم عن بلادي، وأنا الذي كنت، مزهواً ومتباهياً، أناقشهم في فيلسوفهم سورن كيركغورد وأفلامهم (كنت قد شاهدت في نادي السينما في الكندي فيلم هينينغ كارلسن البديع جوع)، وهانس كريستيان أندرسن، بينما يسألني أحدهم عن الثياب التي نرتديها في سوريا، ولماذا نختطف الطائرات، وأية خيام ننام فيها، أو تلك الأسئلة الغبية عن الجمل كوسيلة نقل.

الدانمارك ذاع صيتها في العالم، لأنها كانت أول دولة تسمح بالبورنو (١٩٦٩).

دكاكين البورنو كانت في كل مكان في وسط البلد، وفي الفترينات مجلات وصور وأدوات بلاستيكية ورديّة بلون جلد الخنزير وسوداء على شكل أعضاء جنسية.

دفعني الفضول، أو رُبّما الشغف الجنسي، لمشاهدة فيلم تسجيلي عن صناعة الجنس في البلاد. زارت الكاميرا نوادي يتحلّق الجمهور حول مسرح، وعلى المسرح يمارس رجال ونساء الجنس.

نجمة بورنو قدّمت حصانها «صحارى» وشرحت كيفية معاشرته. فتاة في مصنع يُنتج أعضاء جنسية تشرح فائدة إضافية لعضو ذكري بلاستيكي «يمكن إضافة الشامبو إليه وتعليقه في الحمام». قالت. حقّاً؟
ما هو إله هذا البلد الذي اختاره أخي؟ سألت نفسي.
بعد أسبوعين ذهبنا، في عطلة تخييم، إلى جزيرة بورنهولم القريبة من السويد، ويتحدث سكانها لغة دانماركية موسيقاها سويدية.

وصلنا إلى منطقة التخييم المليئة بمئات الخيم بألوان وأحجام مختلفة، يتوسطها بناء الإدارة ومطعم يبيع السجق ذو الرائحة المشهيّة والآيس كريم، علاوة على الحمّامات ودورات المياه.

صباح اليوم الثاني الباكر وضعت منشفتي على كتفي وأنا أرتدي شورت السباحة، وتوجهت إلى الحمّامات التي خلت من الناس، وبينما أنا منتشٍ من شلال المياه الدافئة، دخلت إمرأة عارية تماماً، فأصبت بالذعر وتجمّدت في مكاني، ثم أردت الفرار، لأنني، كما يبدو، ذهبت إلى الحمام الخاطئ.
انتبهت الى الأمر، فقالت بانكليزية متقنة أن هذه الحمامات للجنسين.

وبالفعل، توافد أناس آخرون، رجال، أطفال، شبان، فتيات بعمر المراهقة لم يكتمل تكوير نهودهن، فأكملت حمامي دون حياء وخجل، وكأنني أصبحت ذرة من كمٍ كبير.

أعترف، أنني تحمّمت في تلك الأيام كما لم أتحمم في حياتي. عدة ّمرات في اليوم.

إن لم أكن في الحمّامات، كنت أذهب إلى الشاطئ القريب، وأضع بقربي زجاجة بيرة توبورغ وأراقب حشداً كبيراً من الناس معرضين أجسادهم للشمس.

البعض تخلى عن ألبسة السباحة وتعّرى تماماً. رجال بقضبان تبرز من شعر عانة بلون النحاس، ونساء بنهود طليقة تمارس الحرية، وآباط غير منتوفة وشعر عانات كثيفة وكأنها مُعارة من مكان ما.

أحياناً، كان منظر الأمواج وهي تتكسّر وتنتحر على الشاطئ الرملي يُدمع عيناي، بتأثير كل هذا الجمال.

في اليوم الثالث اتجهنا، حسب برنامج مُسبق، إلى بقعة اخرى. وبينما كنت أقود دراجتي المُحمّلة بخيمة طُويت إلى كتلة صغيرة، على المقعد الخلفي، إلى جانب أخي، على الطريق الإسفلتي الأسود اللامع بفعل الشمس، فقدتُ السيطرة على دراجتي في منحدر وسقطت محدثاً صوت ارتطام.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إعلام إيراني يناقض الرواية العراقية حيال -قاعدة كالسو- وهجما


.. شبّه جمهورها ومحبيها بمتعاطي مخدر الحشيش..علي العميم يحلل أس




.. نبؤته تحققت!! .. ملك التوقعات يثير الجدل ومفاجأة جديدة عن فن


.. كل الزوايا - الكاتب الصحفي د. محمد الباز يتحدث عن كواليس اجت




.. المخرج الاردني أمجد الرشيد من مهرجان مالمو فيلم إن شاء الله