الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سحب يد الموظف بين محاربة الفساد وظلم الموظفين الصغار / نظرة في سحب اليد وقرار مجلس الوزراء

عبد الستار الكعبي

2019 / 5 / 28
مواضيع وابحاث سياسية


سحب يد الموظف في قوانين الوظيفة العامة هو ابعاده عن موقع المسؤولية المكلف بها او عن موقع العمل الذي يمارسه لمدة لاتزيد عن (60) يوما وقد يصل الامر الى ايقافه عن مزاولة العمل الوظيفي طيلة مدة سحب اليد. وهو من الاجراءات التي تتخذها الادارة بحق الموظف الذي يتم توقيفه وكذلك الموظف الخاضع للتحقيق إذا كان بقاؤه في الوظيفة مؤثرا عليها بشكل سلبي او على الموظفين الذين يشاركونه العمل او على اللجنة التي تتولى التحقيق معه.
وموضوع سحب يد الموظف في قوانين الوظيفة العامة في العراق تناوله قانون انضباط موظفي الدولة رقم (114) لسنة 1991 المعدل في الفصل الخامس منه (المواد 16، 17، 18و 19). ويتبين من خلال دراسة هذه المواد ان سحب اليد يكون مرة وجوبي، كما ورد في المادة (16) التي نصت (إذا أوقف الموظف من جهة ذات اختصاص فعلى دائرته أن تسحب يده من الوظيفة طيلة مدة التوقيف.) وسحب اليد في هذه الحالة مرتبط بمدة توقيف الموظف طالت او قصرت. ويكون اختياري اي ان للادارة صلاحية فرض قرار سحب يد الموظف في حالة ان يكون بقاؤه (في الوظيفة مضر بالمصلحة العامة أو قد يؤثر على سير التحقيق في الفعل الذي أحيل من أجله على التحقيق) كما ورد في المادة ( 17/ اولا) وللجنة المشكلة اصوليا للتحقيق مع الموظف المحال عليها ان (توصي بسحب يد الموظف في أية مرحلة من مراحل التحقيق. المادة 17/ ثانيا).
ولسحب اليد تبعات وظيفية ادارية ومالية فالموظف مسحوب اليد تحتسب مدة سحب يده من الوظيفة نصف خدمة تقاعدية (المادة ــ 20 ـ ثانياًـ / قانون التقاعد الموحد رقم (9) لسنة 2014) ويتقاضى انصاف رواتبه خلال فترة سحب يده (المادة - 18- / قانون انضباط موظفي الدولة رقم (114) لسنة 1991 المعدل).
وسحب يد الموظف حسبما بيناه يعد قرينة اولية على ارتكابه فعلا يخالف واجباته الوظيفية الى الحد الذي يجعل استمراره في عمله وبقائه في مسؤوليته ومنصبه مضرا بالمصلحة العامة وهو ما يؤدي الى تشكيل انطباع سلبي عنه والاشارة اليه في مورد الشك والريبة وهذا ما لايريده ولا يرضاه اي موظف عن نفسه.
ولكون موضوع سحب يد الموظف بدرجة عالية من الحساسية والاهمية ولخطورة مايترتب عليه من آثار فقد جعل قانون انضباط موظفي الدولة رقم (114) لسنة 1991 المعدل صلاحية سحب اليد من اختصاص الوزير ورئيس الدائرة (المادة 17/اولا). ويقصد برئيس الدائرة ( وكيل الوزارة ومن هو بدرجته من أصحاب الدرجات الخاصة ممن يديرون تشكيلا معينا والمدير العام أو أي موظف آخر يخوله الوزير صلاحية فرض العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون . المادة/ 1 من نفس القانون).
مع العرض بان سحب يد الموظف يمكن التراجع عنه ويمكن اعادته الى نفس وظيفته إلا إذا كان هناك محذور يخشى منه يدفع الادارة ان ترتئي ان لاتكون عودته الى نفس وظيفته فيصدر امر بتغيير موقع عمله وكذلك يمكن الغاء اثاره المالية وتعاد له الأنصاف الموقوفة من راتبه إذا أسفرت نتيجة التحقيق أو المحاكمة عن براءته أو الإفراج عنه أو معاقبته بغير العقوبتين (إنقاص الراتب أو تنزيل الدرجة).
وقد اصدر مجلس الوزراء العراقي بتاريخ (22/5/2019) قراره رقم (185) لسنة 2019 حث فيه الوزير ورئيس الجهة غير المرتبطة بوزارة على سحب يد الموظف الذي يحال الى المحاكم المختصة (جنح أو جنايات) بتهمة تتعلق بجرائم الفساد المالي والاداري لمدة (60) يوما. وهذا القرار خطوة جيدة في طريق محاربة الفساد والفاسدين ويسهل على الوزراء ومن بدرجتهم التخلص من ضغط الاحزاب وحمايتها للفاسدين كما انه يمهد لابعادهم عن مناصبهم بشكل نهائي في حال ثبوت التهمة عليهم. ومن جهة اخرى فان هذا القرار يدفع الاحزاب وزعماءها الى التخلي عن حماية الفاسدين خشية ان تلصق تهمة الفساد بهم.
وتضاربت المواقف القانونية والادارية بشان هذا القرار فبعض القانونيين اعتبروه ضمن السياق القانوني السليم ويصب في صالح منهج مكافحة الفساد ولكن اخرين اشكلوا على مجلس الوزراء اصداره هذا القرار واعتبروه فاقدا للمشروعية مستندين الى ان قانون انضباط موظفي الدولة رقم (114) لسنة 1991 المعدل قد نظم هذه العملية وان اي اضافة على ماورد فيه يتطلب تدخلا تشريعيا وليس قرارا من السلطة التنفيذية.
ونرى ان مجلس الوزراء يمتلك صلاحية دستورية لاصدار هذا القرر استنادا الى البند ثالثا من المادة (80) من الدستور العراقي التي حددت صلاحياته حيث نص البند المذكور (اصدار الانظمة والتعليمات والقرارات بهدف تنفيذ القوانين.). اضافة الى (المادة – 78 - : رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة،).
ولابد من التركيز والتاكيد على انه ليس كل من يحال الى محكمة الجنح او الجنايات تثبت عليه تهمة الفساد ويحكم عليه اذا ان كثيرا من الموظفين تمت تبرئتهم او الافراج عنهم بعد احالتهم. فاذا كان سحب اليد لابد منه في بعض الحالات للتحقيق مع الموظف المخالف فيمكن اعتباره اجراء سليم مع من تثبت عليه التهمة ويستحق الاثار المترتبة عليه الا انه ليس كذلك مع تثبت براءته او يفرج عنه لانه سيؤثر عليه معنويا وماليا بلا مقتضى. وبملاحظة هذه الحالة فان ماورد في القصل الخامس من قانون انضباط موظفي الدولة رقم (114) لسنة 1991 المعدل، وهو الفصل الخاص بسحب اليد، وما تطرق اليه قرار مجلس الوزراء المذكور اعلاه بنفس السياق سيولد سلبيتين خطيرتين ترتبطان بالاثار التي سيخلفها هذا القرار على الموظفين مسحوبي اليد الذين تتم تبرئتهم او الافراج عنهم مما ينبغي على مجلس الوزراء النظر فيهما عميقا ومعالجتهما، وابينهما كما يأتي:
اولا : السلبية المعنوية
ان سحب يد الموظف بتهمة الفساد المالي والاداري يعني الصاق التهمة به مما يصعب التخلص منها حتى لو ثبتت براءته وقد يسبب هذا الامر ردود افعال سلبية من قبل الموظف الي تمت تبرئته او الافراج عنه تتمثل بتكاسله عن اداء العمل وحذره الزائد وتراجعه عن الاندفاع الجاد والمخلص خشية الوقوع في (مصيدة سحب اليد) مرة اخرى، وكذلك قد يسبب هذا الامر تشكيل تصور جديد لدى الموظف المجد بان الوظيفة لاتستحق منه الجهد الكبير. ونفس الامر سيحصل للموظفين الاخرين لانهم سيشعرون بانهم مهددون بسحب يدهم . وهذا الامر سيؤثر سلبيا على الوظيفة العامة.
ومثلما اصدرت الادارة قرارها بسحب يد الموظف وسببت له هذا الاثر المعنوي السيء وثبتته عليه رسميا بربط نسخة من قرار سحب اليد في اضبارته الشخصية فانه يجب عليها ان تعمل على ازالة هذا الاثر واعادة الاعتبار للموظف مسحوب اليد الذي لم تثبت عليه التهمة.
ثانيا : السلبية المالية
نصت المادة (18) من قانون انضباط موظفي الدولة رقم (114) لسنة 1991 المعدل (يتقاضى الموظف مسحوب اليد إنصاف رواتبه خلال فترة سحب يده.).
لقد ساوت هذه المادة بين الموظفين في مختلف المستويات مع ان رواتبهم مختلفة بنسب كبيرة فعامل الخدمة او الحارس او السائق او الكاتب او أي موظف مسكن بالدرجة الاولى فادنى في سلم الرواتب الملحق بقانون الرواتب رقم (22) لسنة 2008 يتساوى مع الوزير والوكيل والمدير العام بخضوعهم لاجراء سحب اليد على الرغم من ان راتب الموظفين في السلم المذكور لايصل الى نسبة (20%) من راتب الموظفين بدرجة مدير عام فاعلى، وهو امرغير مقبول لان هذا القرار يعني قطع رزق الموظف البسيط ووضعه في خانة الضيق الاقتصادي والاجتماعي والمالي لمدة شهرين. فهل فكر المسؤولون والمشرعون كيف يعيش الموظف البسيط مدة سحب اليد ونحن نسلب منه نصف راتبه وهو في حاجة شديدة لدفع بدل ايجار سكنه ومصروفات عائلته وهل ينفعه ماتضمنه المادة (19) من قانون موظفي الدولة رقم (114) لسنة 1991 المعدل التي نصت في الفقرة ثالثا ( إذا أسفرت نتيجة التحقيق أو المحاكمة عن براءة الموظف أو الإفراج عنه أو معاقبته بغير العقوبات الوارد ذكرها في الفقرة (ثانياً) من هذه المادة فتدفع له الأنصاف الموقوفة من راتبه.) والعقوبات المقصودة هنا هي (إنقاص الراتب أو تنزيل الدرجة)
ان هذا القرار سيكون ضرره ماليا بصغار الموظفين اكبر بكثير من ضرره على الموظفين بدرجة مدير عام فاعلى لانه لايؤثر على مستوياتهم المعيشية باعتبار ان رواتبهم بالاساس عالية وتراكمها الشهري يجعلهم ليسوا بحاجة ماسة الى انصافها المتوقفة بقرار سحب اليد.
المعالجات :
ولمعالجة ما ذكرناه من سلبيات ولاجل انصاف الموظفين مسحوبي اليد الذين تتم تبرئتهم او الافراج عنهم من الناحيتين المعنوية والمالية وخصوصا في الجانب المالي لمن كان منهم بدرجة وظيفية ادني من مدير عام نقترح مايأتي :
اولا : لأجل نفي الشبهة عنهم رسميا واعادة معنوياتهم الوظيفية الى ماكانت عليه وتطييب خاطرهم ومراعاة للجانب الاخلاقي والانساني في الموضوع نقترح تقديم شكل من الاعتذار الحكومي لهم كإن يوجه لهم كتاب (اعتذار) يربط في اضابيرهم الشخصية مثلما ربط قرار سحب اليد فيها. ولتحقيق هذا الغرض ينبغي تعديل الفقرة (ثالثا) من المادة (19) من قانون انضباط موظفي الدولة رقم (114) لسنة 1991 المعدل وذلك بتقسيمها الى (1 و 2) وتتم اضافة (2) ليقرأ نص الفقرة كما يأتي :
(ثالثاً : أ- إذا أسفرت نتيجة التحقيق أو المحاكمة عن براءة الموظف أو الإفراج عنه أو معاقبته بغير العقوبات الوارد ذكرها في الفقرة (ثانياً) من هذه المادة :
أ- تدفع له الأنصاف الموقوفة من راتبه.
ب- على الوزير او رئيس الدائرة او من اصدر الامر بسحب اليد توجيه كتاب اعتذار للموظف المشمول بهذا البند.).
ثانيا : تحديد الموظفين مسحوبي اليد المشمولين بتقاضي انصاف الراتب بمن هو بدرجة مدير عام فاعلى. وينبغي لذلك تعديل المادة المادة (18) من قانون انضباط موظفي الدولة رقم (114) لسنة 1991 المعدل لتقرأ كما يلي :
(المادة - 18- يتقاضى الموظف مسحوب اليد من كان بدرجة مدير عام فاعلى إنصاف رواتبه خلال فترة سحب يده .)
ان هذه المعالجات ضرورية جدا لانها تنقي الوظيفة العامة وقوانينها من الزوايا المظلمة فيها ومن موارد الظلم والاستغلال والاجحاف حيث ستعمل على انصاف الموظفين المتهمين جزافا ورفع الغبن عنهم واعادة الاعتبار لهم كما انها تضفي على قوانين الوظيفة العامة صبغة اخلاقية انسانية وتجعل حق الموظف مصونا مثلما هو حق الوظيفة العامة.
ولتحقيق ماتقدم سريعا قبل انتظار تعديل قانون انضباط موظفي الدولة رقم (114) لسنة 1991 المعدل ينبغي على مجلس الوزراء اصدار اعمام لاحق لقراره المذكور اعلاه يبين فيه ما ذكرناه من المعالجات.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وسام قطب بيعمل مقلب في مهاوش ????


.. مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين في الجامعات الأمريكية: رئيس مجلس ا




.. مكافحة الملاريا: أمل جديد مع اللقاح • فرانس 24 / FRANCE 24


.. رحلة -من العمر- على متن قطار الشرق السريع في تركيا




.. إسرائيل تستعد لشن عمليتها العسكرية في رفح.. وضع إنساني كارثي